وُلد الإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (قدس سره) في خوي من إقليم آذربيجان ليلة النصف من رجب عام ١٣١٧هـ (١٩ تشرين الثاني ١٨٩٩م)، وكان والده العلامة المغفور له آية الله السيد علي أكبر الموسوي الخوئي قد سبقه بالهجرة إلى النجف الأشرف، فلحق به وهو ابن الثالثة عشرة. وكانت معاهد النجف الأشرف يومئذ جامعة دينية كبرى ترفد العالم الإسلامي بالآلاف من رواد العلم والفضيلة على مذهب الإمامية، فانضم إليها وشرع في دراسة علوم العربية والمنطق والأصول والفقه والتفسير والحديث.
دراسة وأساتذة الإمام الخوئي
وحين وصل إلى النجف الأشرف، الجامعة الدينية للشيعة الإمامية، بدأ بقراءة العلوم الأدبية والمنطق، ثم درس الكتب الأصولية والفقهية على كثير من أعلامها، وحضر سنة ١٣٣٨هـ الدروس العليا (بحث الخارج) على كوكبة من أكابر العلماء ومراجع الدين العظام، ومن أشهر أساتذته:
آية الله الشيخ فتح الله (شيخ الشريعة الأصفهاني)
آية الله الشيخ مهدي المازندراني
آية الله الشيخ ضياء الدين العراقي
آية الله الشيخ محمد حسين الأصفهاني (الكمباني)
آية الله الشيخ محمد حسين النائيني
وإلى جانب هؤلاء الأعلام حضر لفترات محدودة دروس السيد حسين البادكوبي (١٢٩٣–١٣٥٨هـ) في الحكمة والفلسفة، والشيخ محمد جواد البلاغي (١٢٨٢–١٣٥٢هـ) في علم الكلام والتفسير، والسيد ميرزا علي آقا القاضي (١٢٨٥–١٣٦٦هـ) في الأخلاق والسير والسلوك والعرفان.
وله إجازة في رواية الحديث عن شيخه النائيني، تتصل بالمحدث النوري صاحب «مستدرك الوسائل»، وتشمل كتب الإمامية الكبرى ومنها: الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار، ووسائل الشيعة، وبحار الأنوار، والوافي. وله إجازة أخرى بالرواية عن طرق أهل السنة من العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (قدس سره) المتوفى سنة ١٣٧٧هـ.
منهجه العلمي
امتاز منهجه في البحث والتدريس بالاستقصاء والدقة؛ فكان يطرح المسألة الفقهية أو الأصولية ويجمع كل ما قيل فيها من أدلة، ثم يناقش كل دليل على حدة. وحين يوشك الطالب أن يطمئن إلى رأي بعينه، يعود فيقيم أدلة قاطعة مقابلة تبيّن مدى قوة بعض تلك الأدلة وقدرتها على الاستنباط، ثم يخلص إلى النتيجة التي يرتضيها بعد أن يكون الطالب قد سلك معه مسالك بعيدة الغور في الاستدلال. وتظهر هذه السمات في مؤلفاته بتسلسل أفكارها وجمال بيانها ودقة تحقيقها، ولذلك عُرف بعالم الأصول والمجدّد.
تلامذة الإمام الخوئي
تخرّج على يديه طوال سنوات التدريس أعداد كبيرة من طلاب العلوم الدينية والأساتذة اللامعين، جاؤوا من بلدان كثيرة هي سوريا ولبنان والأحساء والقطيف والبحرين والكويت وإيران وباكستان والهند وأفغانستان ودول شرق آسيا وأفريقيا، إضافة إلى العراقيين. ولم يقتصر على تعليمهم وتثقيفهم ورعايتهم روحياً، بل تكفّل بنفقات معيشتهم من الحقوق الشرعية التي كانت تصله، وأسس بذلك مدرسة فكرية خاصة به، واضحة المعالم في الفقه والتفسير والفلسفة الإسلامية والبلاغة وأصول الفقه والحديث.
وتتلمذ عليه آلاف الطلاب، بينهم مئات الفضلاء وعشرات المجتهدين الذين انتشروا في الحوزات العلمية الشيعية في أنحاء العالم، ويُعدّ كثير منهم من أبرز المجتهدين بعده، ومنهم من توفاه الله ومنهم من هو على قيد الحياة. وأبرز من بلغ منهم مرتبة المرجعية:
مؤلفات الإمام الخوئي
تعددت مؤلفات الإمام الخوئي (قدس سره) وتنوعت حتى بلغت عشرات الكتب المطبوعة، ولم تقتصر على الفقه والأصول؛ فقد أقام في علم الرجال (الجرح والتعديل) صرحاً علمياً راسخاً يوضح دور هذا العلم في استنباط المسائل الإسلامية، وجمعه في «معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة». وبذل جهداً كبيراً في التفسير وعلوم القرآن، ضمّنه مقدمة «البيان في تفسير القرآن».
تقريرات دروس الإمام الخوئي
ترك الإمام الخوئي (قدس سره) دروساً قيّمة في الفقه والأصول ألقاها أكثر من نصف قرن على عدد كبير من أفاضل العلماء وأساتذة الحوزة العلمية في النجف الأشرف، فيما يُعرف بـ«بحث الخارج»، إذ درّسه من سنة ١٣٥٢ إلى ١٤١٠هـ دون انقطاع. وقد دوّن كثير من تلامذته آراءه ونظرياته العلمية في تقريرات تُعدّ اليوم من أمهات المصادر الفقهية والأصولية الحديثة، ولا يستغني عنها الأساتذة والطلاب في الحوزات الدينية.
ومن أهم هذه التقريرات التي عُرضت عليه وأجاز طبعها:
بحوث علمية
خدماته الاجتماعية
كانت عناية الإمام الخوئي بالشؤون الاجتماعية أوسع من أن تحدّها حدود أو بلدان؛ فقد كان للأمة جمعاء كالأب الرحيم بأبنائه والمرجع الأعلى لهم، ومثالاً لقيادة أهل البيت (عليهم السلام) خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي قال الله فيه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وظهرت أبوّته هذه في سلوكه اليومي، وبخاصة في الأزمات والمحن التي شهدتها الأمة في العصر الحديث.
كان الإمام الراحل يحمل قلباً كبيراً يتألم لمعاناة المسلمين، ولم يكتف بالتألم بل سعى بكل ما يستطيع لمساعدتهم وتخفيف معاناتهم. وكان يتابع بنفسه أخبار المسلمين ويخصص لها وقتاً غير قليل، وطالما أرّقته وأذهبت نومه حادثة مؤلمة تصيب المسلمين هنا أو هناك. ومن ثمار هذه العناية مشاريع كبرى، منها:
أسرة الإمام الخوئي
محنة الإمام الخوئي ووفاته
منذ أن انتقلت المرجعية والحوزة العلمية من بغداد إلى النجف الأشرف على يد شيخ الطائفة الإمام الطوسي (قدس سره) سنة ٤٤٨هـ (١٠٥٧م)، لم يمرّ بهما ظرف قاهر كالذي مرّ في زمن الإمام الخوئي. فقد عاصرت مرجعيته حكماً جائراً في العراق جعل الشيعة والتشيع مرمى لبطشه وإرهابه، وازداد ذلك بعد تحولات إقليمية قلبت موازين كثيرة، عدّها النظام البعثي تهديداً مباشراً له. ومع هذه الضغوط اقتصرت مهمة المرجع الأعلى تقريباً على حماية دور الحوزة العلمية واستقلالها، واستمرار دور النجف الأشرف التاريخي في احتضانها.
وحين امتنع الإمام عن إصدار فتوى تؤيد موقف السلطة في حروبها واجهته بالعداء، فاعتدت على منزل نجله الأكبر السيد جمال الدين الخوئي، واعتقلت أعداداً كبيرة من رجال الدين وتلامذته وأعدمت كثيراً منهم وفي مقدمتهم الشهيد السيد محمد باقر الصدر، وفجّرت سيارته الخاصة عام ١٩٨٠م فنجا منها. ثم أعدمت الشهيد السيد محمد تقي الجلالي، واغتالت صهره الشهيد السيد نصر الله المستنبط، واعتقلت نجله الشهيد السيد إبراهيم الخوئي وصهره الشهيد السيد محمود الميلاني وأكثر من مئة من أسرته ومعاونيه.
وفي ٨ صفر ١٤١٣هـ (٨ آب ١٩٩٢م) انتقل الإمام الخوئي (قدس سره) إلى جوار ربه، فمنعت السلطات الحاكمة في العراق إقامة تشييع عام له. وصلّى على جثمانه الطاهر آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (حفظه الله)، وواراه الثرى في مقبرته الخاصة بجامع الخضراء في النجف الأشرف.
الإمام الخوئي
غاب بدرنا الموسوي
يستفيدون من هداه وينفي * عوزهم في الحياة حين عصيُّ
لذوي العائلات إلا بفضل * من إله الفئات حيٌ غنيُّ
منه نرجو روى الرخاء وسلوى * أرّخن (غاب بدرُنا الموسويُّ)
التاريخ = ١٠٠٣+٢٥٧+١٥٣=١٤١٣هـ