ناهدة جليل عبد الحسن
قراءة لمنهج السيد الخوئي (قده) في الفكر الإسلامي
م.م ناهدة جليل عبد الحسن
كلية العلوم الإسلامية / جامعة كربلاء
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق و خير الأنام نبينا المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين الكرام وعلى علمائنا الأبرار وسادتنا الأخيار وعلى من سار على نهجهم إلى يوم الدين.
وبعد
إن السيد الخوئي (قدس سره) سلطان الفقاهة والإفتاء وزعيم الحوزات العلمية كما وصفه كبار المراجع والمجتهدين، وقد أثمر منبره العلمي خلال أكثر من نصف قرن ثمارا عظيمة جليلة، هي الأزكى والأفضل عطاءً على صعيد الفكر الإسلامي وفي مختلف العلوم والقضايا والمواقف الإسلامية المهمة، حيث تخرج على يديه مئات الفقهاء والمجتهدين والفضلاء العظام الذين أخذوا على عواتقهم مواصلة مسيرته الفكرية ودربه الحافل بالبذل والعطاء والتضحية لخدمة الإسلام والمجتمع.
ويتميز السيد الخوئي (قدس سره) بمنهج علمي متميز ورصين، وأسلوب خاص به في البحث والتدريس، واهم ما في ذلك الربط بين الفكر الحوزوي والثقافات المعاصرة التي دلت عليها مقدرته العلمية في تحليل المسائل المعقدة والنظريات الصعبة الأصولية والفقهية، إضافة إلى التحليل والتدقيق في هذه المسائل العلمية الدقيقة وطرحها على أسس ومباني متينة ورصينة، ابتكر فيها آراء ونظريات لم تسبق عند غيره، وقد تميز في كثير من الموارد الأصولية والفقهية بآراء جديدة غير الآراء التي اشتهرت عند الفقهاء الذين سبقوه، وكان له إسهام هام في علم الرجال وقد شيد صرحا علميا قويما لهذا العلم ومدخليته في استنباط المسائل الفقهية.
كما بذل جهدا كبيرا في التفسير وعلوم القرآن وغيرها من الحقول العلمية الأخرى إضافة إلى مهام الحوزة العلمية وتدريس الطلبة فيها.
وكانت له منهج علمي تجديدي يدعو إلى التغيير والانفتاح على قضايا امته ومواكبة عصره لأن كل عصر يحتاج إلى حركة فكرية اجتهادية تبعا لتطور الحياة العامة، فله مقدرة علمية فائقة لتحليل مثل هذه المسائل وايجاد الحلول لها.
أخيرا يتم عرض تطبيق فقهي لآراء السيد (قدس سره) حول أحد المواضيع، راجين من الله السداد والتوفيق.
لقد كان منهج السيد الخوئي (قدس سره) منهجا متميزا على غيره من المناهج الأخرى في الحوزة العلمية، فيتجلى منهجه بعدة خصائص منها:
إن السيد له نظرة خاصة في بعض المباحث الأصولية التي درسها الأعلام الذين سبقوه، مثل مسألة الوضع التي تعد من أهم المسائل الاجتماعية في كل مجتمع عقلائي لأن الإنسان مند نشاته يستخدم اللغة كوسيلة للتفاهم مع الآخرين، فكان للسيد نظرية جديدة هي نظرية التعهد التي تناسب مكانة هذه المسألة لأن الدلالة الناتجة عنها هي دلالة تصديقيه عقلائية لا تصورية، وأن كل مستعمل يصبح واضعا حقيقا على ضوء هذه النظرية للتلازم بين اللفظ الخاص والمعنى المخصوص، لأن الوضع عبارة عن التعهد والفرض وأن كل مستعمل تعهد بأن لاينطق باللفظ إلا عند إرادة إفهام معنى خاص.
واشتهر بين الفقهاء أن الإنشاء عبارة عن إبراز الأمر الاعتباري النفساني، فمن يجعل ويعتبر الواضع الجملة الإنشائية وسيلة وسببا لتحقيق المادة، كالبيع في (بعت) والصلح (صالحت) والزوجية في (زوجت) وهكذا في عالم الاعتبار، أن كون الصيغة سببا اعتباريا لتحقق الأمر الاعتباري في النكاح والبيع أمر معقول ولكن الدليل إثباتي عليه، لا من الواضع ولا من العقلاء.
فالسيد الخوئي (قدس سره) يرى أن كل هذه الموارد اعتبار وإبراز للاعتبار النفساني والدليل عليه هو الارتكاز ألعقلائي من المعتبر، ثم إمضاء العقلاء والشارع قد أمضى ذلك ورضي به، فللشارع اعتبار مماثل.
وللسيد نظرية في التعارض بالنسبة للواجبات الضمنية، بعد أن عمل الفقهاء بقاعدة التزاحم في هذا المورد، فادا لم يتمكن المكلف من الجمع بين الواجبين الضمنيين فالأمر يسقط بسقوط متعلقة، فتقع المعارضة بين إطلاق دليل الجزئيين.
وفي نظرية إطلاق الدليل أي أن الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة غير داخل في مدلول اللفظ فإن الحاكم بت إنما هو العقل فالإطلاق ليس لفظا إنما هو دلالة ناشئة إما عن السكوت في مقام البيان أو عن مقدمات الحكمة.
وقد حلل مسألة حجية مثبتات الإمارات لا يمكن أن تكون جزافا لأن الإمارات ناظرة إلى الواقع وحاكية عن مدلولاتها الالتزامية بالواسطة على أساس الملازمة بينهما ثبوتا وإثباتا.
وله نظرة في المسائل الأصولية فاعتبر البعض منها مسائل غير أصولية وإن درست في علم أصول الفقه منها مسألة حجية الظواهر وأصالة الطهارة لأن المسالتين من المسائل المسلمة الواضحة عند الجميع فلامجال لإبداء النظر وإعمال الفكر فيها من أجل دلك لاينطبق عليها ضابط المسألة الأصولية.
وهناك كثير من المسائل الأصولية تعرض لها السيد (قدس سره)فبذل لها الجهد الشاق للخروج بمبنى علمي رصين في البحوث الأصولية المرتبطة بعملية الاستنباط التي أنتجت ثمرة علمية في الفقه في موارد أخرى عديدة.
أما منهجه الفقهي فكان من المناهج المهمة في تدريس الفقه واستدلالاته، وكانت ملامح هذا المنهج واضحة الرؤى كما نجد دلك في طروحات بحثه الأصولية والفقهية، وبعد الاستقراء يجمع شتات الموضوع المراد دراسته ويجمع كل ما قيل من الأدلة حوله ثم يناقشها دليلا دليلا، وبعد ذلك يقيم الدليل القطعي المتيقن من قوته بين الأدلة الأخرى في ذلك الموضوع فيتبين من ذلك قدرته على الاستنباط، فيخرج بالنتيجة التي يرتضيها، وهنا نلاحظ بيان الدقة في التحقيق والبحث.
وإن له موارد فقهية انفرد فيها عن الذي سبقوه من العلماء فمثلا في حال شك المكلف بعد الصلاة في أنه اغتسل من الجنابة أو لا، فالسيد (قدس سره) لا يطبق قاعدة الفراغ في هذه الحالة لاستلزامها المخالفة القطعية العملية، فعلى هذا يجب إعادة الصلاة المتقدمة والجمع بين الوضوء والغسل للصلاة الآتية.
أما نظريته تؤكد على أن الشهر القمري بداية واحدة بالنسبة للجميع ولايمكن أن يكون حلوله أمرا نسبيا، بأن يكون لكل بلد أو منطقة شهرها القمري الخاص، إذ من الخطأ قياس ذلك على نسبية طلوع الشمس، والشهر القمري يبدا بخروج القمر من المحاق أي بين الشمس والأرض، وهذه ظاهرة كونية محددة، بهذه التعليلات وغيرها يبدع السيد في هذه النظرية.
وله نظرة فقهية تجمع بين العبادات والمعاملات في مسألة إذا ملك شخص مالا بالهبة أو الحيازة أو الإحياء، فعند الفقهاء لا فرق بينه وبين الملك بالشراء فلا يجب فيه الخمس للزيادة في القيمة لكن السيد يفرق بين الملك بالهبة أو الحيازة أو الإحياء لا خمس في تلك الزيادة أما في الشراء فيجب فيه الخمس، وفي مسألة أخرى متعلقة بالخمس أيضا حول الضمان النسبي للنقص الوارد في المال المتعلق في الخمس فالنسبة ترد على المال المشترك بين المالك والإمام.
أما في مسألة الإرث فعند الفقهاء أن أولاد الاخ لابوين أو لاب يقتسمون المال بينهم بالتفاضل إن اختلفوا بالذكورة أو الأنوثة، السيد له نظرية في ذلك أن المال يقتسم بينهم بالتساوي وإن كانوا مختلفين في الذكورة والأنوثة، فالضابط العام لذلك أن مقتضى القاعدة في كل مورد ورد لامر بتقسيم المال بين آحاد وجماعة من دون التقييد بخصوصية زائدة لاكما ولا كيفا هو التقسيم بينهم بالتساوي، وأما التقسيم بينهم بالتفاضل فهو بحاجة إلى قرينة ومؤنة زائدة.
ويلاحظ على هذا المنهج المتبع لديه دلالة واضحة على عمق أفكاره ودقة النظر والراي إضافة إلى جمال البيان والتعبير وإلى مقدرة علمية عالية حيث تجلت في مدرسته الفقهية الفكرية العلمية النابضة بالأفكار والآراء وهو قطب رحاها، فكان بعيد الغور عميق الأثر عندما يواجه المسائل العويصة والقواعد المعقدة نظريا وتطبيقيا من مختلف الجهات فهذه المقدرة الفائقة تتجسد في تحليل المسائل المعقدة والنظريات الصعبة الأصولية والفقهية بصيغة أسهل تناولا وابلغ تنظيما وترتيبا، وبفضل هذه القدرة والمؤهلات الفكرية الواسعة الداتية والذهنية الوقادة في علمي الأصول والفقه ابتكر فيهما آراء ونظريات لم يسبقه إليها غيره كما تقدمت الإشارة إليه.
إن الإبداع والتجديد الذي تميز فيه السيد الخوئي قد ظهر جليا في كثير من أبحاثه الأصولية والفقهية والرجالية وغيرها، لأن الأفكار والآراء قد تنامت في رجل العلم والتاريخ والفكر، فكان له استيعاب خاص لمختلف نواحي الحياة بحلول دقيقة واجوبة متقنة.
فكان السيد الخوئي (قدس سره) رجلا منفتحا على التجديد ومريدا للتغيير بحسب مواكبة العصر ووجود المسائل الفقهية المستجدة ولذا يتطلب من الفقيه تلك المواكبة، فكان أول مرجع يخطط لدرس تفسير القرآن في النجف باعتبارها كانت تفتقر لمثل تلك الدراسة فكانت تاخذ من القرآن مايتصل بالشريعة فقط.
وقد ساهم السيد الخوئي في حركة التغيير بما تسمح له الظروف لأنه عاش ظروفا قاهرة بالتزامن مع الحكم الجائر في العراق في تلك الحقبة، فكانت مهامه صعبة للغاية في أمور الشريعة والحياة.
والملاحظ على مدرسة السيد الخوئي أنها تجمع آراء أساتذته إضافة إلى آرائه، وفي علم الرجال ألف موسوعته القيمة التي انفرد فيها، فكان يحدد مركز الراوي في السلسلة السندية عمن يروي عنهم وعمن هم يروون فحل بها مشكلة معقدة ويسرها أمام الباحثين في كتابه معجم رجال الحديث.
ومن هنا يجب أن يقال في حقه أن مقام ثبوته أقوى وارقى من مقام إثباته رغم أن علو مقامه إثباتا قد أصبح جليا وظاهرا كما قال عنه أحد تلامذته السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) وبعض من تخرج على يديه هم من الأعلام والفضلاء أصبحوا اليوم مرجعيات للعالم الإسلامي اليوم ومنهم السيد علي السيستاني (دام ظله) زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف.
يذكر العلامة الفضلي مسيرته الفكرية مفصلة ولكن سوف نذكرها بشيء من الاختصار.
تربع السيد الخوئي (قدس سره) على كرسي الدرس في النجف الأشرف مدة تزيد على نصف قرن حاضر في التفسير والفقه وأصوله، ترك بصمات واضحة على صفحات التغيير والتطور، اتخذ من بيته صومعة للعلم والمعرفة وازدهر فيه الكتاب والقلم والف فيه عشرات الكتب والأبحاث في شتى العلوم ودرس فيه كثير من طلابه المقربين الذين دونوا محاضراته وتقريراته في الفقه والأصول وغيرها من العلوم حتى بلغوا مرحلة الاجتهاد فعقد لهم مايعرف بالحوزات العلمية (مجلس الفتوى) يتراسه السيد (قدس سره) ويديره حوارا ونقاشا حتى يميز قدرة هولاء الحضور على الاستنباط، وكان يدير هذا المجلس ليلا.
وكان يصلي جماعة في مسجد الخضراء في النجف الأشرف وبعد الصلاة يحاضر لطلابه بدرس ما يسمى بالبحث الخارج، درس كتاب المكاسب للشيخ الانصاري ثم كتاب العروة الوثقى للسيد اليزدي، فكان يذكر الأدلة ويحلل ويعلل، ويوازن ويقارن، ويناقش ويحاكم، منتهيا إلى مايراه من دليل قوي.
وتتلمذ على أقطاب المدرسة الأصولية العريقة وهم العراقي والأصفهاني والنائيني ولكل مدرسة منهج خاص بها، فمدرسة الأصفهاني أخذت طابع فلسفي والعراقي أخذت مدرسته طابع علمي والنائيني جمع بينهما.
فهذه المدرسة الرائدة التي تتلمذ فيها العالم الجليل السيد الخوئي (قدس سره) مسيرته الحافلة بالعطاء والعلم والمعرفة.
سوف أتناول في هذا المبحث آراء السيد الخوئي (قدس سره) في موضوع من المواضيع الأخلاقية المهمة لما له من أهمية وخصوصية في هذا الوقت إلا وهو موضوع الكذب من الناحية الفقهية.
إن الكذب لغة هو الأخبار عن الشيء بخلاف ما هو سواء فيه العمد أو الخطأ وهو نقيض الصدق كما في لسان العرب.
١- الكذب عرفا أو شرعا على راي السيد الخوئي (قدس سره): المعروف عند أهل اللغة وغيرهم أن الكذب نقيض الصدق، فصدق الكلام بالمطابقة وكذبه بعدم المطابقة، وأن المراد بالمطابق (بالكسر) هو مراد المتكلم وأن المراد بالمطابق (بالفتح) هو الواقع ونفس الأمر المحكي، ثم إن السيد يذكر كلاما عن النظام ويناقشه ومفاده: أن صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر وكذبه وعدمها وإن كان الاعتقاد خطأ ورد عليه السيد الخوئي بعدة ردود أهمها: إنه لو أخبر أحد بقضية لم يعتقد بوقوعها في الخارج وهي واقعة فيه فإنه على مسلك النظام خبر كاذب، مع أنه صادق بالضرورة.
٢- التورية عرفا أو شرعا: التورية لغة وريت الخبر تورية إذا سترته واظهرت غيره حيث يكون للفظ معنييان أحدهما أشيع من الآخر، وفي ذلك قال السيد الخوئي (قدس سره): (لاشبهة في خروج التورية عن الكذب موضوعا، فإنها في اللغة بمعنى الستر فكان المتكلم وارى مراده عن المخاطب باظهار غيره وخيل إليه أنه أراد ظاهر كلامه، وقد عرفت آنفا أن الكذب هو مخالفة الدعاوي النفسانية للواقع، لامخالفة ظاهر الكلام ويتفرع على هذا أن جواز التورية لا يختص بمورد الاضطرار ونحوه لأنها ليست من مستثنيات الكذب بل هي خارجة عنه موضوعا
ومن هنا ذهب الأصحاب فيما سيأتي من جواز الكذب عند الضرورة إلى وجوب التورية مع التمكن منها وعللوا ذلك بتمكن المتكلم مما يخرج به كلامه عن الكذب).
٣- حكم الكذب: من المتفق عليه بين الفقهاء والمسلم به حرمة الكذب بل حرمته ضرورية، ولكن يمكن أن تطرا عناوين تجعل من الكذب واجبا وهذا متقين أما كونه مستحبا أو مكروها أو مباحا، فقد ورد كلام للسيد الخوئي (قدس سره) يدل على استحباب الكذب بالعنوان الثانوي قال: (ما من مؤمنين اهتجروا فوق ثلاث إلا برئت منهما في الثالثة، قيل هذا حال الظالم فما بال المظلوم ؟ فقال ما بال المظلوم لايصير إلى الظالم فيقول أنا الظالم حتى يصلحا، ومن الواضح جدا أن قول المظلوم: أنا الظالم كذب وقد ذمه الإمام (ع) على تركه فيكون مستحبا مؤكدا).
وقال بعض الفقهاء بحرمة الكذب بالأدلة الأربعة، لكن السيد الخوئي (قدس سره) ناقشهم في دليلي العقل والإجماع فقال: (أما الإجماع فمن المحتمل أن المقطوع به أنه مستند إلى الكتاب والسنة فلايكون هنا إجماع تعبدي أما العقل فإنه لايحكم بحرمة الكذب بعنوانه الأولي مع قطع النظر عن ترتب المفسدة والمضرة عليه وكيف يحكم العقل بقبح الأخبار الكذابة التي لايترتب عليها مفسدة دنيوية أو أخروية).
واكد السيد على حرمة الكذب وذكر أنها ليست ذاتية كحرمة الظلم، ولذا يختلف حكمه بالوجوه والاعتبارات وعليه فاذا توقف الواجب على الكذب وانحصرت به المقدمة وقعت المزاحمة بين حرمة الكذب وبين ذلك الواجب في مقام الامتثال وجرت عليه أحكام المتزاحمين.
إذن السيد (قدس سره) يرى أن الحرمة هي بالوجوه والاعتبارات والفقهاء الآخرين يرونها حرمة ذاتية
٤- حكم التورية: ذكر صاحب الجواهر أن التورية داخلة في الكذب أما موضوعا وأما حكما قال: (والتورية والهزل من غير قرينة داخلان في اسمه وحكمه ولافرق في المحرم منه)
السيد الخوئي (قدس سره) اعتبر مفهوم التورية خارج عن مفهوم الكذب موضوعا وحكما فيكون لازم الحكم بجواز التورية مطلقا أي مع الاضطرار وعدمه موافقا بذلك للشيخ الانصاري والإمام الخميني في هذا الحكم.
يذهب السيد (قدس سره) إلى التفصيل بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية، ففي الأولى تجب التورية مع إمكانها والثاني لاتجب، ويذهب أحد الباحثين بالقول أن تفصيل السيد (قدس سره) في محله وأنه لايجوز اللجوء إلى الكذب مع إمكان التورية لعدم صدق الاضطرار ولعدم صدق الاضطرار مع إمكان التورية لمن يعلم مواردها ويمكنه استخدامها، مع عدم إمكان ذلك يسقط القيد وبالتالي يجوز الكذب مباشرة عند الاضطرار لعدم إمكان التورية.
٥- الموارد المسوغة للكذب: من المسوغات للكذب هي الاضطرار والإصلاح بدليل قوله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) وقوله (ع) (مامن شيء إلا وقد أحله الله لمن اضطر إليه) وأيضا قاعدة الضرورات تبيح المحضورات، وقد استفاضت الأخبار بجواز الحلف كاذبا لدفع الضرر البدني أو المالي.
أما الاصطلاح فمن الأخبار الدالة على ذلك صحيحة معاوية بن عمار (المصلح ليس بكذاب) وفي مرسلة الواسطي عن أبي عبدالله (ع) قال: (الكلام ثلاثة: صدق وكذب وصلاح بين الناس)
وعن الصدوق بسنده عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: (إن الرجل ليصدق على أخيه فيصيبه عن صدقه فيكون كذابا عند الله، وإن الرجل ليكذب على أخيه يريد نفعه فيكون عند الله صادقا).
وناقش السيد الخوئي (قدس سره) الاستدلال بالإجماع والعقل لأن الإجماع ليس إجماعا تعبديا كاشفا وقد استند إلى الروايات، أما العقل وإن كان حاكما إلا أنه لا يحكم بذلك في جميع الموارد.
أما الآية الشريفة فإنها تدل على جواز التكلم بكلمة الكفر والارتداد في الإسلام عند الاضطرار، فتدل على جواز الكذب في غير ذلك بطريق أولى.
٦- المبالغة في الكذب: يذكر السيد الخوئي (قدس سره) إذا كانت المبالغة بالزيادة على الواقع كانت كذبا حقيقة كما إذا أعطى زيدا درهما فيقول أعطيته عشرة دراهم، أو إذا زار الحسين (ع) مرة واحدة ويقول زرت عشرين مرة ومن هذا القبيل تادية المعين بلفظ واحد موضوع للكثرة والمبالغة فإنه أخبار عن الكثرة بالهيئة واعتبر السيد أن المبالغة إذا عدت مخالفة للواقع فهي كذب إلا مع وجود قرينة على المبالغة.
الخاتمة
في ختام هذا البحث المصغر عن تلك الشخصية العظيمة التي أثرت العالم الإسلامي بالعلوم والمعارف الفقهية والأصولية والحديثية والبلاغية وغيرها، وباطلالة بسيطة وقراءة مبسطة عن هذا العلم الشامخ في الفكر الإسلامي بينا بعض مسارات المنهج عنده وذكرنا بعض الموارد التي تميز فيها من انفراداته ونظريات من ابتكاراته العلمية ووقفنا أمام مدرسته العلمية في النجف حتى وصلنا إلى تطبيق فقهي لموضوع من المواضيع التي تكثر بين حياة الناس وهو الكذب، فتم عرض آراء السيد (قدس سره) في هذا الموضوع وما تفرع عنه ثم خاتمة البحث وفي ذلك أرجو من الله أن يعذر لي تقصيري في هذا الأمر وأن يكون خالصا لوجهه الكريم إنه نعم المولى ونعم النصير وإهداءً للأثر الصالح لمن كتب عنه هذا الجهد البسيط.
المصادر التي اعتمدت في هذا البحث
١- القرآن الكريم.
٢- الحياة العلمية للسيد الخوئي (قدس سره) / الشيخ محمد إسحاق الفياض.
٣- الفقيه الخوئي وتجديده العلمي / الدكتور عبد الهادي الفضلي.
٤- الكذب من منظور فقهي / الشيخ خضر ذيب.
٥- جواهر الكلام / محمد حسن النجفي /ط٢.
٦- لسان العرب / ابن منظور /طبعة قم.
٧- مصباح الفقاهة / السيد الخوئي /ط١.
٨- وسائل الشيعة /الحر العاملي/ ط٢.
٩- منهج السيد الخوئي / شبكة البشائر الإسلامية.
١٠- السيد الخوئي / موقع ياحسين + شبكة البتول.