البحث الكلامي عند السيد الخوئي، نقد الكلام النفسي عند الأشاعرة أنموذجاً

Album
الشيخ كريم شاتي
الشيخ كريم شاتي الشيخ كريم شاتي
البحوث العلمية عن الإمام الخوئي

البحث الكلامي عند السيد الخوئي
نقد الكلام النفسي عند الأشاعرة انموذجاً

الدكتور الشيخ كريم شاتي
جامعة الكوفة - كلية الفقه

تناول الخوئي (قدس سره) في بحثه الأصولي مجموعة من النقود على مجموعة من المسائل العقيدية التي لها أهمية كبيرة، وتشغل مساحات واسعة في البحث الكلامي الإسلامي، ومن هذه المسائل: نقد الإرادة عند الفلاسفة، والجبر عند الأشاعرة، والتفويض عند المعتزلة، والكلام النفسي عند الأشاعرة الذي هو موضوع بحثنا هذا.

لمسألة الكلام الإلهي موقعية خاصة في البحث العقيدي حيث أنها تعد من أشهر المسائل العقيدية التي ثار حولها الخلاف بين المسلمين، واحتدم الصراع إلى حد الاضطهاد وسفك الدماء بين المعتزلة والحنابلة في زمن المأمون العباسي، وبالخصوص حول مشكلة هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ وهل كلام الله حديث أم قديم؟ وهل كلام الله من الصفات الذاتية أم الفعلية؟

ولذلك يذهب بعض(١) الباحثين إلى أن هذا العلم -أصول الدين- سمي بعلم الكلام لهذه المناسبة وهي من باب تسمية الكل باسم الجزء.

وبعد ذلك ظهرت نظرية أخرى حول الكلام على يد أبي الحسن الأشعري (ت ٣٢٤هـ) الذي حاول التوفيق بين آراء أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) من جهة والفعل من جهة أخرى مستخدماً الأدلة العقلية والنقلية في إثبات نظريته المعروفة بالكلام النفسي حيث أنه ذهب أن لله كلامين حقيقي ومجازي، لفظي ونفسي، قديم وحادث، فالحقيقي والقديم هو الكلام النفسي القائم بالذات الإلهية، والمجازي الحادث هو الكلام اللفظي الذي هو الحروف والأصوات.

أن مقولة الكلام النفسي لم تكن من ابتكارات أبي الحسن الأشعري، فقد سبقه في ذلك المتكلم عبد الله بن سعيد(٢) الكلاب (ت ٢٤٠هـ) من الجمهور، حيث وردت الإشارة إلى هذا المصطلح في كلماته(٣).

عرض نظرية الكلام

عرض السيد الخوئي نظرية الكلام النفسي من مصادرها(٤). حيث قال: ذهبت الأشاعرة إلى أن كلامه تعالى من الصفات الذاتية العليا، وهو قائم بذاته الواجبة، قديم كبقية صفاته العليا، من العلم، والقدرة، والحياة، وليس من صفاته الفعلية كالخلق والرزق والرحمة وما شاكلها، ولأجل ذلك قد اضطروا إلى الالتزام بأن كلامه تعالى نفسي، ما وراء الكلام اللفظي، وهو قديم قائم بذاته تعالى، فإن الكلام اللفظي حادث فلا يعقل قدمه، وقد صرحوا به في ضمن محاولتهم واستدلالهم على الكلام النفسي واليك نص مقولتهم:

(وهذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره نحن بل نقوله ونسميه كلاماً لفظياً ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى، ولكنا نثبت امراً وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ، ونقول هو الكلام حقيقة، وهو قديم قائم بذاته تعالى، ونزعم أنه غير العبارات، إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام ولا يختلف ذلك المعنى النفسي، بل نقول ليس ينحصر الدلالة عليه في الألفاظ، إذ قد يدل عليه بالإشارة والكتابة، كما يدل عليه بالعبارة والطلب الذي هو معنى قائم بالنفس واحد لا يتغير مع تغير العبارات، ولا يختلف باختلاف الدلالات وغير المتغير أي ما ليس متغيراً وهو المعنى مغائر للمتغير الذي هو العبارات، ونزعم أنه أي المعنى النفسي الذي هو الخبر غير العلم إذ قد يخبر الرجل عما لا يعلمه، بل يعلم خلافة أو يشك فيه وأن المعنى النفسي الذي هو الأمر غير الإرادة، لأنه يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا؟ فأن مقصوده مجرد الاختبار دون الإتيان بالمأمور به وكالمعتذر من ضرب عبده بعصيانه، فإنه قد يأمره وهو يريد أن لايفعل المأمور به، ليظهر عذره عند من يلومه، واعترض عليه بأن الموجود في هاتين الصورتين صيغة الأمر، لا حقيقته، إذ لا طلب فيهما أصلاً، كما لا إرادة، قائمة بالنفس، ثم نزعم أنه قديم لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى)(٥)(٦).

ثم قام السيد الخوئي بتقرير هذه النظرية بخطوات عدة لمناقشتها ونقدها بشكل دقيق وهي كالآتي:

١- أن لله تعالى سنخين من الكلام: النفسي واللفظي، والأول من صفاته تعالى وهو قديم قائم بذاته الواجبة دون الثاني.

٢- أن الكلام النفسي عبارة عن المعنى القائم بالنفس ويبرزه في الخارج بالألفاظ والعبارات بشتى الوانها واشكالها ولا يختلف ذلك المعنى باختلافها، كما لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.

٣- أنهم عبروا عن ذلك المعنى تارة بالطلب واخرى بالأمر وثالثاً بالخبر ورابعاً بصيغة الخبر.

٤- أن هذا المعنى غير العلم إذ قد يخبر الإنسان عما لا يعلمه، أو يعلم خلافه، وغير الإرادة إذ قد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده، فإن مقصوده الامتحان والاختبار والإتيان بالمأمور به في الخارج(٧).

النقد والمناقشة

تناول السيد الخوئي هذه الخطوط التي هي خلاصة نظرية الأشاعرة في الكلام النفسي بالنقد والمناقشة.

مناقشة الأول:
أن الكلام الإلهي منحصر بالكلام اللفظي، وأن القرآن المنزل على النبي الأكرم (ص) هو كلامه تعالى بتمام سوره وآياته وكلماته، لا أنه حاك عن كلامه، لوضوح أن ما يحكي القرآن عنه ليس من سنخ الكلام. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن السبب الذي دعا الأشاعرة إلى الالتزام بالكلام النفسي هو تخيل أن التكلم من صفاته الذاتية، ولكن هذا الخيال باطل جداً لأن التكلم من الصفات الفعلية لا من الصفات الذاتية، لأن الصفات الذاتية تمتاز عن الصفات الفعلية في كونها عين ذاته تعالى فيستحيل اتصاف ذاته بعدمها بأن لا يكون ذاته في مرتبة ذاته عالماً ولا قادراً ولا حياً، وهذا بخلاف الصفات الفعلية حيث أنها أفعاله الاختيارية فتنفك عن ذاته، وتتصف ذاته بعدمها يعني يصح أن يقال: أنه تعالى لم يكن خالقاً للأرض ثم خلقها ولم يكن رازقاً لزيد مثلاً ثم رزقه وهكذا، ومن ثم تدخل عليها أدوات الشرط وما شاكلها، ولم تدخل على الصفات الذاتية(٨).

وبكلمة: أن الصفات الذاتية هي التي تنتزع من مقام الذات، بينما الصفات الفعلية هي التي تنتزع من مقام الذات وطرف آخر، مثل الخالق والمخلوق، والمكلِم -بالكسر- والمكلَم -بالفتح-.

وايضاً أن الصفة الذاتية غير قابلة للنفي والإثبات بينما الصفة الفعلية قابلة للنفي والإثبات.

«وعلى ضوء هذا البيان قد ظهر أن التكلم من الصفات الفعلية دون الصفات الذاتية، وذلك لوجود ملاك الصفات الفعلية فيه، حيث يصح أن يقال أنه تعالى كلم موسى (ع) ولم يكلم غيره، أو كلم في الوقت الفلاني، ولم يكلم في وقت آخر وهكذا. ولا يصح أن يقال أنه تعالى ليس عالماً بالشيء الفلاني أو في الوقت الفلاني. فما ذكره الأشاعرة من أن التكلم صفة له تعالى، وكل صفة له قديم نشأ من الخلط بين الصفات الذاتية والفعلية»(٩).

مناقشة الثانية
قال السيد الخوئي: يتوقف نقدها على تحقيق حال الجملة الخبرية والانشائية، أما الأولى -الجملة الخبرية- فقد حققنا في بحث الإنشاء والأخبار أن الجملة الخبرية موضوعة للدلالة على قصد المتكلم، الحكاية والأخبار عن الثبوت، أو النفي في الواقع، هذا بناء على نظريتنا وأما بناء على نظرية المشهور فلأنها موضوعة للدلالة على ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها عنه، ومن الطبيعي أن مدلولها على ضوء كلتا النظريتين ليس من سنخ الكلام، ليقال أنه كلام نفسي ضرورة.

أن الكلام النفسي عند القائلين له وإن كان موجوداً نفسياً إلا أن كل موجود نفساني ليس بكلام نفسي، بل لابد أن يكون سنخ وجوده سنخ وجود الكلام، لفرض أنه ليس من سنخ وجود الصفات المعروفة الموجودة في النفس. ومن المعلوم أن قصد الحكاية على رأينا، وثبوت النسبة على رأي المشهور، ليس من ذلك.

وبكلمة واضحة: إذا حللنا الجمل الخبرية تحليلاً موضوعياً وفحصنا مداليلها في إطاراتها الخاصة فلا نجد فيها سوى عدة أمور: (الأول) تصور معاني مفرداتها بموادها وهيئاتها، (الثاني) تصور معاني هيئاتها التركيبية، (الثالث) تصور مفردات الجملة، (الرابع) تصور هيئاتها، (الخامس) تصور مجموع الجملة، (السادس) تصور معنى الجملة، (السابع) التصديق بمطابقتها للواقع أو بعدم مطابقتها له، (الثامن) إرادة إيجادها في الخارج، (التاسع) الشك في ذلك.

وبعد ذلك نقول أن شيئاً من هذه الأمور ليس من سنخ الكلام النفسي عند القائلين به.

أما الأول فواضح، إذ الكلام النفسي عند القائلين به ليس من سنخ المعنى اولاً، وليس من سنخ المعنى المفرد ثانياً، وأما الثاني فلأن الكلام النفسي -كما ذكروه- صفة قائمة بالنفس كسائر الصفات النفسانية، ومن الطبيعي أن المعنى ليس كذلك فإنه مع قطع النظر عن وجوده وتحققه في الذهن ليس قائماً بها ومع لحاظ وجوده وتحققه فيه، وإن كان قائماً بها إلا أنه بهذا اللحاظ علم، وليس بكلام نفس على الفرض.

وعلى ضوء هذا البيان يظهر حال جميع الأمور الباقية، فإن الثالث والرابع والخامس والسادس والتاسع من مقولة العلم التصوري، والسابع من مقولة العلم التصديقي، والثامن من مقولة الإرادة، فالنتيجة أن الكلام النفسي بهذا الإطار الخاص عند القائلين به غير متصور في موارد الجمل الخبرية، وحينئذِ فلا يخرج عن مجرد افتراض ولقلقة لسان بلا واقع موضوعي له اصلاً(١٠).

وكذلك الجملة الانشائية ليس من سنخ الكلام النفسي على نظريتنا ونظرية المشهور، أما على نظرية المشهور فواضح، لأن الكلام النفسي عند الأشاعرة عبارة عن صفة قائمة بالنفس في مقابل سائر الصفات النفسانية، وقديم كغيرها من الصفات الأزلية، وبطبيعة الحال أن إيجاد المعنى باللفظ فاقد لهاتين الركيزتين معاً، أما الركيزة الأولى فلأنه ليس من الأمور النفسانية وأما الثانية فلفرض أنه حادث بحدوث اللفظ وليس بقديم. وأما على نظريتنا فأيضاً الأمر كذلك، فإن إبراز الأمر الاعتباري ليس من الأمور النفسانية ايضاً.

وعليه فلا يعقل في موارد الجملة الخبرية والانشائية ما يصلح أن يكون من سنخ الكلام النفسي(١١).

ويضاف إلى ما تقدم أن ما يتبادر من الكلام هو الحروف والأصوات لا صورة الكلام القائم بالنفس لأن الساكت لا يقال عنه متكلم وإن كان في نفسه كلام، وهذه الصورة من مقولة العلم، لا من مقولة القول وأن التبادر علامة الحقيقة كما قرر في محله(١٢).

مناقشة الثالثة
قال السيد (قدس سره): فنفس اختلاف كلماتهم في تفسير الكلام النفسي، مرة بالطلب واخرى بالخبر وثالثة بالأمر ورابعة بصيغة الأمر شاهد صدق على أنهم ايضاً لم يتصوروا له معنى محصلاً، إلا أن يقال أن ذلك منهم مجرد اختلاف في التعبير واللفظ والمقصود واحد ولكن ننقل الكلام إلى ذلك المقصود الواحد وقد عرفت أنه لا واقع موضوعي له اصلاً، ولا يخرج عن حد الفرض والخيال(١٣).

المناقشة الرابعة
قال السيد الخوئي: فقد ظهر جوابه مما ذكرناه بصورة مفصلة أنه ليس في الجمل الخبرية والانشائية شيء يصلح أن يكون كلاماً نفسياً.

وقد اتضح من خلال هذه المناقشات والنقود بطلان نظرية الأشاعرة في الكلام النفسي وأنها غير معقولة ومحض وهم وخيال.

وعليه فإن كلامه تعالى هو إيجاده الألفاظ والحروف والأصوات المسموعة الدالة على معانيها المنقسمة إلى الأخبار والإنشاء وهو من الصفات الفعلية الحادثة.

______________________________
(١) ظ: الإيجي/المواقف/ ٩، أحمد محمود صبحي/ في علم الكلام ١/ ١٩.
(٢) رأس المتكلمين في البصرة في زمانه صاحب التصانيف في الرد على المعتزلة أخذ عنه الكلام داود الظاهري وكان يلقب كلاباً لأنه يجر الخصم إلى نفسه ببيانه وبلاغته وأصحابه هم الكلابية. ظ: الذهبي/سير أعلام النبلاء ٨/ ١١٣ رقم ٢٠١٢، السبكي/ طبقات الشافعية ١/ ٤٩٢ رقم ٦٥.
(٣) ظ: أحمد محمود صبحي/ في علم الكلام ٢/ ٢٩.
(٤) الإيجي/ المواقف/٢٩٤.
(٥) الإيجي/ المواقف/ ٢٩٣- ٢٩٤.
(٦) محمد إسحاق الفياض/ محاضرات في أصول الفقه/ ١٨- ١٩.
(٧) محمد إسحاق الفياض/محاضرات في أصول الفقه/١٩- ٢٠.
(٨) محمد إسحاق الفياض/محاضرات في أصول الفقه/٢٦
(٩) محمد إسحاق الفياض/محاضرات في أصول الفقه/٢٦-٢٧.
(١٠) محمد إسحاق الفياض/محاضرات في أصول الفقه/٢٢
(١١) ظ: م. ن/٢٣
(١٢) ظ: علي المشكيني /اصطلاحات الأصول /٩٣.
(١٣) محمد إسحاق الفياض/محاضرات في أصول الفقه/٢٤- ٢٥.