276 / Font -- Reset Font ++
  قبس من تفسير القرآن - ج1       م1  
قبس من تفسير القرآن تأليف حجة الإسلام والمسلمين الشهيد السيد محمد تقي الخوئي
  قبس من تفسير القرآن - ج1       م2  
الناشر: التوحيد للنشر تاريخ الطبع: 1417هـ، 1996 م الطبعة: الاولى
  قبس من تفسير القرآن - ج1       م3  

المقدمة


بسم اللّه الرّحمن الرّحيم المقدمة بقلم العلامة سيد مرتضى الحكمي‏ في رحاب الكتاب‏
حالفني الفخر والاعتزاز حين وفقت الى تقديم مقدمة لكتاب (البيان في تفسير القرآن) للإمام الأكبر سيّدنا الخوئي، بما كان يصلح للتعريف بمدخل الكتاب وبميزان تفسيره. وقد حالفني التوفيق -مرة أخرى- أن أقدم لهذا الكتاب (قبس من تفسير القرآن) للشهيد السعيد الحجة المجاهد السيد محمد تقي الخوئي -نجله الكريم- يفصح عما يمتاز به هذا التفسير من نهج تفسيري الى القراء الكرام. بدأ هذا التفسير بفاتحة الكتاب، وانتهى به الى الآية(78) من سورة البقرة، تفسيرا قرانيا، راعى فيه أصول التفسير، والتعمق فيها. واتبع في تنظيم الكتاب طريقة المفسرين، من ذكر وجه تسمية السورة، ومحل نزولها، وفضلها، ولغتها، وإعرابها، ثم تفسيرها. ولم يتركز في ذلك على الابحاث اللغوية، واختيار ما هو الأصح منها، بل ركز على التفسير القرآني -لغة ومعنى- الى جانب نقل الاقوال التي ملأت كتب التفسير: عن عكرمة، والسدي، وقتادة، ومجاهد، واضرابهم، إلاّ انه لم يركز على أقوالهم، باعتبارها المعنى التوقيفي
  قبس من تفسير القرآن - ج1       م4  
‏والمحدد للقران، وهي الأقوال التي لم تستند الى بيان النبي صلى اللّه عليه وسلم، وهم يقتصرون في أقوالهم على مصاديق معينة، يغلقون بها أبواب القرآن وآفاقه على تفتحها، وذلك حسبب مبلغهم من العلم، ومعرفتهم بتطبيق آيات القرآن على مصاديقها. قال الإمام علي عليها السّلام -وهو مع القرآن والقرآن معه- : (ثم أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه، وسراجا لا يخبو توقده، وبحرا لا يدرك قعره...)(1). وقال الإمام الصادق عليه السّلام: (وان القرآن حيّ لم يمت، وإنه يجري كما يجري الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، يجري على آخرنا كما يجري على أوّلنا...ولو أن الآية ان نزلت في قوم ثم مات اولئك ماتت الآية، ولما بقي من القرآن شي‏ء، ولكن القرآن يجري أوله على آخره، ما دامت السماوات والارض، ولكل قوم آية يتلوها هم منها خير أو شر)(2). سئل أبو عبد اللّه ما بال القرآن لا يزداد عند البشر والدرس إلاّ غضاضة، فقال: لان اللّه لم ينزله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو حي في كل زمان، جديد عند كل قوم، غض الى يوم القيامة(3). فالجمود على المصاديق والأمثلة التي أتى بها هؤلاء لا يمكن أن يحدّد القرآن، ويغلق آياته، ويقف دون تجدد حقائقها ومعانيها في كل عصر.
_______________________________
(1)- نهج البلاغة: الخطبة 198.(2)- البيان للإمام الخوئي ص 31، نقلا عن أحاديث (مرآة الأنوار) ص 403.(3)- عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق ج 2 ص 85.
  قبس من تفسير القرآن - ج1       م5  
بطلان التفسير بالرأي‏
ولا يختلف ذلك عن التفسير بالرأي المنهى عنه، للنهي عن إتباع الظن‏ (وانّ الظن لا يغني من الحق شيئا) (1)، وهو إسناد شي‏ء الى اللّه، ما أنزل به من سلطان، وضرب إعجاز القرآن في حقائقه ودلالاته، وإفراغ ألفاظه من محتويات الوحي المودع فيها، حيث لا يتم إعجاز القرآن إلاّ بلفظ ومعناه، ولن يفترقا أو يختلفا عن الآخر، وان التصرف في معاني القرآن تصرف في الوحي الالهي المنزل، وتحريف له، والهبوط به الى مستوى الفكر البشري القاصر، وإزالة المسحة السماوية عنه، وكيف يكون اللفظ من اللّه والمعنى من الإنسان، إلاّ أن يكون القرآن-والعياذ باللّه -مشتركا بينه وبين اللّه، ولملأ فيه الاختلاف‏ (ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (2) ولذلك كله نهى عن التفسير بالرأي، كما قال الإمام علي: (يعطف الهوى على الهدى اذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي)(3)، ومؤلف هذا التفسير قد تجنب ذلك أشد الاجتناب.
ضرورة عاصمية القرآن‏
يمتاز الوحي الإلهي بثلاث مراحل محفوفة بالعصمة والصيانة عن احتمال التحريف والتأوّل: الأولى: مرحلة النزول: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) (4)، وقد وصف اللّه تعالى عاصميته في هذه المرحلة أيضا بقوله تعالى‏ (لا يأتيه)
_______________________________
(1)- النجم/28.(2)- النساء/82.(3)- نهج البلاغة/الخطبة 138.(4)- الاسراء/15.
  قبس من تفسير القرآن - ج1       م6  
(الباطل من بين يديه ولا من خلفه) (1)، ويقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا نحن له لحافظون) (2). الثانية: مرحلة البلاغ: (وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين) (3)، وقال تعالى: (ولا تعجل بالقرآن قبل أن يقضي إليك وحيه) (4)، وقال تعالى: (ولا تحرك به لسانك لتعجل به) (5)، وقال تعالى: (كذلك لنثبت به فؤادك) (6)، بمعنى عصمة النبي، تلك التي حصنت الوحي من الغفلة والنسيان. الثالثة: مرحلة الاستيداع: أن جعل للقرآن ظواهر، كما جعل له بواطن واعماق ووجوه، لا يكاد بفقه ذلك، إلاّ الذين حق لهم أن يستنبطوه: (ولو ردوه الى الرسول والى اولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (7)، وهذه المرحل من العاصمية هي التي اقتضت أن يكون للقرآن عدول، كما قال الرسول: (في كل خلف من امتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين، وتأويل الجاهلين)(8)، وهم أعدال الكتاب، وحفظته، وشركاؤه في الهداية، اذ من الضرورة أن تكون لهم العصمة لئلا تبطل عاصمية الوحي في هذه المرحلة من صيانته، وحفظه على حقيقته. ولذا ينبغي أن يفسر القرآن بما اثر عن اعدال القرآن من استنباط، ضرورة عصمة القرآن، وصيانته من التحريف والتأويل. وعلى نهج التحرر والخروج على أقوال غير المعصومين جاء هذا التفسير متفتح الآفاق. وكذلك لم يحدد معنى الآية باقوال اللغويين، لما كان يدركه من مزايا لغة القرآن على المعاني اللغوية المحددة.
_______________________________
(1)- فصلت/42.(2)- الحجر/9.(3)- النور/54.(4)- طه/114.(5)- القيامة/16.(6)- الفرقان/32.(7)- النساء/83.(8)- الصواعق المحرقة ص 90، المراجعات للإمام شرف الدين ص 81.
  قبس من تفسير القرآن - ج1       م7  
ميزة لغة القرآن‏
وبقول أوضح: ان لغة القرآن: هي التي جعلت اللغة العربيد أقدر اللغات وأدقها على التعبير عن معان تفوق الفكر البشري، وهي لغة الوحي وأسراره وكوامنه. ومن المكابرة: انكار أصلحية اللغة العربية في خصائصها اللغوية وغزارتها البلاغية، عندما اختارها اللّه للتعبير عن وحيه، واسراره السماوية فيما وراء هذا العالم المحسوس. وهذه اللغة: هي التي استطاعت أن توسط بين لغة الوحي، ولغة التخاطب في اطار ما اقتبس القرآن من لغة العرب ومداليله، انسجاما بين علم اللّه، ومدى إمكان معرفة الناس به. فكانت اللغة العربية هي اللغة المختارة من اللّه لبلاغ (الوحي) وسرد حقائقه اللامتناهية، بما طعمها من تجريد وتحليق. والحق: أن اللغة العربية كانت قبل نزول القرآن لغة جامدة تنحو نحو الاتجاه المادي والحسي في جميع أبنيتها ومفرداتها اللغوية، وأساليبها البلاغية التي كانت تتلخص في مجانسة الألفاظ، لانها لم يكن لها من الثقافة الغيبية التي تعطي الروح المعنوية والحضارية لألفاظها، تلك التي عرفتها اللغة العربية بعد نزول القرآن. وحتى أن ثقافتها الأدبية لم تأخذ مما حولها من مظاهر الطبيعة فضلا عن أسرارها، إلاّ التشبيه بالشمس والقمر في مجال الغزل والتشبيب. وإذ أنزل اللّه وحيه في نطاق هذه اللغة: طوّر مبانيها الى الاتجاه الروحي والبنية المعنوية، وأفعمها بمعاني التجرد، والحقائق النوريّة، بينما كانت تعبر العرب -على سبيل المثال- عن الهداية بما يعني إرائة الطريق، وعن الضلالة بما يعني التيه فيها.
  قبس من تفسير القرآن - ج1       م8  
واما الهداية القرآنية، فهي الهداية المستقيمة الى اللّه أو الى النعيم المقيم، والسلوك الإنساني السوي في الحياة، والتمتع بنور الايمان، وكذلك الضلالة القرآنية، هي الابتعاد عن اللّه، والعيش في ظلمات الجهل، حتى ينتهي أمره الى نار الجحيم، والهداية والضلالة بمعناهما اللغوي قد يتفقان لأحد وقد لا يتفقان وأما معناهما القرآني فهو عام لكل انسان، فان لم تشمله الهداية الالهية لما نجا أحد من الضلالة واللّه هو الذي يخرج الناس من الظلمات الى النور، وهذه هي الخصائص التي طرأت على اللغة العربية واوجدت فيها لغة القرآن، في تجردها، ويعدها، وتحررها عن الابنية البيئية والمفاهيم المادية العمياء. وميزة لغة القرآن، انها لغة الفطرة الانسانية التي تجعل الإنسان مدركا لخفايا البراهين، بما أثقلها الوحي من معارف، وأوسعها من أسرار عقلية. ولم تكن لغة القرآن بدعا من اللغات، لا في صيغها، ولا في مفرداتها، وإنما هي بدع في تحرر مبانيها الجامدة المحددة، الى التجرد والعقلانية. وبذلك تحدّى بلغاء العرب الى معارضتها، ودعاهم الى التحايل على محاكاة القرآن، حتى في زخرف القول ومغرياته، وذلك بعد أن عرض عليهم صنعا من الآيات، ونماذج من أساليبها وفنونها البلاغية تيسيرا لمعارضتها، إلاّ انهم كلّما قلبوا مهاراتهم -ظهرا لبطن- وسبروا قدارتهم -بكل جد وجهد- ظهر عجزهم، وتراجعوا أمام القرآن شكلا ومحتوى، ورموا القرآن بالسحر (سحر يؤثر) (1) لما أثّر في نفوسهم، ووصفوا بلاغتهم ببلاغة العرب، ليبقوها على مكانتها، وليحطوا من قيمة القرآن واعجازه.
_______________________________
(1)- المدثر/24.
  قبس من تفسير القرآن - ج1       م9  
وبالرغم مما يوصف به لغة العرب من غنىّ وغزارة زادتها لغة القرآن فهي -مع ذلك- أضيق سعة من المعارف الالهية، وأقصر استيعابا بها، ولذلك ظهرت في القرآن آيات محكمات هن أم‏الكتاب أو آيات متشابهات نشأت من ضيق اللغة، وسعة معاني القرآن، كما في قوله تعالى: (الرحمن على العرش الستوى) (1) و (يد اللّه فوق أيديهم) (2) لو لا أن يراد بذلك الاستيلاء والقدرة، وإلاّ لأوهمت التجسيم في ظاهر الآية. وعلى ذكر لغة الهداية في تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) (3) ينتقل المفسر الشهيد من المعنى اللغوي الى المعنى القرآني بقوله: فان الهداية من اللّه على أقسام. (4) الاولى: الهداية العامة التكوينية، وهي التي يعبر عنها بالفطرة، والتي يمنحها اللّه العبد بعد خلقه. ومنها قوله تعالى: (ربنا الذي أعطى كل شي‏ء خلقه قم هدى) (5). الثانية: الهداية العامة التشريعية، بارسال الرسل، وبعث الأنبياء، وإبلاغ العبد بالأوامر والنواهي، ومنها قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين) (6). الثالثة: الهداية الخاصة، التي يمنحها اللّه لبعض عبيده، وبها يفضلهم على غيرهم. ومنها قوله تعالى: (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) (7). وهكذا لم يركز على المعنى اللغوي، من أمثال ما نص عليه اللغويون: (هداه الطريق وهداه الى الطريق وللطريق أي بيّنه له، وعرّفه به) لانه يعبر عن مجرد الطريق المنشود. بل اعتمد في تفسيره على لغة القرآن في هذه الكلمة القرآنية.
_______________________________
(1)- طه/5.(2)- الفتح/10.(3)- الفاتحة/6.(4)- راجع ص 38-39.(5)- طه/50.(6)- لقمان/3.(7)- الكهف/13.
  قبس من تفسير القرآن - ج1       م10  
من هو المفسر للقرآن‏
يقول المعنيون بعلوم القرآن، انه لا بد للمفسرين من أن يأتي على فهم اللغة ويعرف مزاياها اللغوية وتصاريفها، وان يحسن شيئا من العلوم العربية والبلاغية: بديعها، وجناسها، وبيانها، واستعارتها. أما الشرط الأساس: وهو ان يكون للمفسر حّظ وافر من الايمان بالقرآن ونصيب من تقوى القلوب، وأن يكون من المهتدين بالقرآن، وبالتالي يكون مصداقا حقيقيا لآيات القرآن، ويكون سلوكه قرآنيا، مؤمنا بالمبدأ والمعاد يعتبر بآياتها، يرقب اللّه ويخشى أهوال القيامة ومشاهدها، حين يفسر آيات المبدأ والمعاد فلم يكن ذلك في حسبانهم، والمفسر الذي لا يتحرق بنار الخوف من اللّه، ولا يطمع برجائه لا يستطيع أن يكون من المبشرين بالقرآن، والمجاهدين في سبيله. ولا يسعنا إلاّ أن نقول: أما مفسرنا الشهيد فكان له من الايمان بالقرآن، ما بلغ به درجة الاستشهاد في سبيله.
قيمة الكتاب ومزاياه‏
اتبع المؤلف الشهيد في أبحاثه التفسيرية وتحليلها: الطريقة الاجتهادية في اختيار الرأي حول ما اختلف فيه المفسرون، والاخذ بالموازنة العلمية بين الأدلة المطروحة واعتبار دليليتها، ثم البت في رفضها أو قبولها، في جميع الموضوعات التي تتعلق بعلوم القرآن، وقراءاته، ومناهج تفسيره، مع ملاحظة الأسانيد والرواة، وتمحيص الروايات، وما هو الضعيف منها أو الشاذ. كما نلمس ذلك في موضوع: (هل أن البسملة آية أو جزء من كل سورة، إلاّ سورة البراءة) أو يجب الجهر بها في الصلاة أو الاخفات، بعد استقصاء جميع المذاهب‏