مؤسسة الخوئي الإسلامية

مؤسسة الخوئي الإسلامية
  • الإمام الخوئي
  • المكتبة المرئية
  • المكتبة الصوتية
  • المكتبة
  • الاستفتاءات

21- الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام)

  • ٩١١

الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام)


وفي الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام)(2).


أقول: تحقيق الكلام هنا يقع في جهتين: الاُولى: في صحة نسبة هذا الكتاب


_______________________________


(2) فقه الرضا: 250 / 36، المستدرك 13: 64 / أبواب ما يكتسب به ب2 ح1.


--19--


إلى الرضا (عليه السلام) وعدم صحتها. والثانية: في دلالة هذه الرواية على مقصد المصنّف وعدم دلالتها.


أمّا الجهة الاُولى: فقد تمسّك القائلون باعتباره بوجوه كثيرة، ولكنّها تؤول إلى وجهين:


الأوّل: ـ وهو عمدة ما تمسّك به المثبتون ـ أنّ ظهوره وإن كان في زمن المجلسي الأول، ولكن الذي أخبر بالكتاب ـ ورواه المجلسي ـ هو الثقة الفاضل والمحدّث الكامل القاضي السيد أمير حسين (طاب ثراه)(1) فإنّه أوّل من اطّلع عليه واستنسخه، وقد استنسخه المجلسي من نسخته، وهو ثقة فيصدّق في قوله، لشمول أدلة الخبر الواحد لخبره، هذا.


وفيه: أنّ إخباره هذا إمّا أن يكون مستنداً إلى القرائن التي أوجبت حصول العلم العادي له من الخطوط الموجودة فيه للإمام (عليه السلام) والإجازات المدوّنة فيه للأعلام على ما نقله المحدّث المتبحّر النوري في المستدرك(2) عن المجلسي الأول وإمّا أن يكون مستنداً إلى إخبار ثقتين عدلين من أهل قم السيد المذكور بكون الكتاب للرضا (عليه السلام) كما في المستدرك(3) أيضاً، حيث قال: إنّ السيد الثقة الفاضل القاضي أمير حسين أخبر بأنّ هذا الكتاب له (عليه السلام) وأخبره بذلك أيضاً ثقتان عدلان من أهل قم، وهذا خبر صحيح داخل في عموم ما دل على


_______________________________


(1) وهو غير السيد حسين بن بنت المحقق الكركي كما أشار إليه في المستدرك 19 (الخاتمة1): 297 وما بعدها ناقلا عن الرياض الذي هو اُستاذ هذه الصناعة. وما ذهب إليه صاحب الفصول والعلاّمة الطباطبائي من اتّحادهما خطأ فاحش.


(2) راجع المصدر المتقدّم من المستدرك: 230.


(3) راجع المتقدم من المستدرك: 239.


--20--


حجية خبر العدل.


أمّا الطريق الأول: فضعفه بيّن، لأنّ حصول العلم للسيد الأمجد والسند الأوحد من تلك القرائن على صحة النسبة لديه لا يوجب حصول العلم لنا باعتباره وعلمه بذلك لا يفيد غيره بوجه. ومن الغرائب أن يتمسك لحجية خبره هذا بعموم أدلة أخبار الآحاد، فإنّ هذه العمومات لا تشمل الأخبار الحدسية ولو كان المخبر بها من الثقات. وأغرب منه أن يقال: إنّ المتيقّن من الأخبار الحدسية الخارجة عن هذه العمومات هي ما لا تعتمد على مبادئ محسوسة يلزم من العلم بها العلم بمضمون الخبر، وأمّا لو اعتمد على مبادئ محسوسة يلزم من العلم بها العلم بصدق الخبر كما في الشجاعة والسخاوة والعدالة بناءً على تفسيرها بمعنى الملكة فلا يظن بأحد أن يتوقّف في عموم أدلة خبر العدل لها، وإخبار السيد باعتبار الفقه الرضوي من قبيل الثاني لا الأول.


ووجه الغرابة في هذا القول: أنّ الإخبار بالاُمور الحدسية بواسطة أسبابها الحسّية إنما يكون مشمولا لأدلة الحجية إذا كان بين الأسباب ومسبّباتها ملازمة عادية، بحيث يلزم من العلم بها العلم بالمسبّبات كما في الأمثلة المذكورة، وأمّا إذا انتفت الملازمة العادية فأدلة حجية الخبر لا تشمله كما حقّق ذلك في علم الاُصول(1). وهذا الشرط مفقود في موضوع البحث، فإنّ الاُمور التي استند إليها السيد في إخباره قابلة للمنع، فإنه كيف يعلم أحد أنّ الخطوط في النسخة للإمام (عليه السلام) وأنّ الإجازات للأعلام إلاّ من طريق الحدس الشخصي. إذن فإنّ الاُمور المذكورة حدسية لا حسّية، وأيضاً فلا ملازمة بينها وبين العلم بالنتيجة.


فإن قلت: كيف يصح إنكار ما يدل على صدق نسبة الكتاب للإمام (عليه


_______________________________


(1) مصباح الاُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47): 157 ـ 158.


--21--


السلام) مع أنّ فيه عبارات تنطق بكونه له (عليه السلام) مثل ما قال في أول الكتاب: يقول عبدالله علي بن موسى الرضا. وفي بعض كلماته: نحن معاشر أهل البيت وأمرني أبي، وجدّنا أمير المؤمنين (عليه السلام) وأروي عن أبي العالم، إلى غير ذلك من العبائر التي لا ينبغي صدورها إلاّ عن الحجج (عليهم السلام) وقد ذكر المحدّث النوري جملة منها في المستدرك(1) هذا مضافاً إلى القرائن التي اعتمد عليها السيد المذكور.


قلت: أولا: أنّ احتمال الكذب لا دافع له مع الجهل بمؤلّفه وانفتاح باب الجعل والفرية من المشمّرين عن ساق الجد للكذب على العترة الطاهرة، أفنسيت الأخبار المجعولة في أمر الولاية كيف قامت، وأنّ لكل واحد من الأئمّة (عليهم السلام) من يدسّ عليه من الكذّابين.


ومن هذا ظهر فساد توهّم الصدق في نسبة الكتاب من جهة موافقة تاريخه لزمان الرضا (عليه السلام).


وثانياً: لنفرض أنّ الكتاب ليس من مجعولات الوضّاعين، فهل يصح أن نتمسّك بقوله: نحن معاشر أهل البيت أو جدّنا أمير المؤمنين، لتصحيح كون الكتاب للإمام (عليه السلام) أليس احتمال كون مؤلّفه رجلا علوياً بمكان من الإمكان.


وأمّا الطريق الثاني: أعني استناد إخبار السيد بصدق الكتاب إلى إخبار ثقتين بذلك من أهل قم، ففيه:


أوّلا: أنه محض اشتباه من المحدّث المتبحّر النوري، فإنه مع نقله كلام المجلسي الأول بطوله الذي هو الأصل في السماع عن السيد غفل عنه وسلك مسلكاً آخر فقد قال المجلسي الأول كما في المستدرك: ثم حكى ـ أي السيد ـ عن شيخين فاضلين


_______________________________


(1) راجع المصدر المتقدم من المستدرك: 255.


--22--


صالحين ثقتين أنّهما قالا: إنّ هذه النسخة قد اُتي بها من قم إلى مكة المشرّفة وعليها خطوط العلماء وإجازاتهم وخط الإمام (عليه السلام) في عدّة مواضع، قال: والقاضي أمير حسين قد أخذ من تلك النسخة وأتى بها إلى بلدنا، وإنّي استنسخت نسخة من كتابه(1). وهذا الكلام كما ترى يعلن بمخالفته لما أفاده النوري.


وثانياً: ننقل الكلام إلى إخبار هذين العدلين، فإنّ غاية ما يحصل لنا من إخبارهما كون الفقه الرضوي من جملة الأخبار المرسلة، فيتوجّه عليه ما قدّمناه في رواية تحف العقول.


وممّا يوهن حجية خبر أمير حسين بصدق الكتاب ـ مع كونه ثقة ـ قول المجلسي الأول بعد كلامه المتقدم: والعمدة في الاعتماد على هذا الكتاب مطابقة فتاوى علي بن بابويه في رسالته وفتاوى ولده الصدوق لما فيه من دون تغيير أو تغيير يسير في بعض المواضع، ومن هذا الكتاب تبيّن عذر قدماء الأصحاب فيما أفتوا به.


ووجه الوهن: أنه لو كان إخبار السيد بذلك جامعاً لشرائط الحجية في الخبر الواحد فلا وجه لقول المجلسي الأول: إنّ العمدة في إثباته هي مطابقته لفتوى الصدوقين. وبالجملة: لم يتحصّل لنا من الوجه المذكور ما يوجب اعتبار الكتاب.


الوجه الثاني مما تمسك به المثبتون لنسبة الكتاب: موافقته لرسالة علي بن بابويه إلى ولده الصدوق، وهي الكتاب المعروف بشرائع الصدوق. وقد استند إلى هذا الوجه بعض الأصحاب، وعرفت أنّ المجلسي الأول من هؤلاء، فقد جعل العمدة في تصحيح الكتاب موافقته لفتوى الصدوقين. فلابدّ من أن يكون الكتاب موجوداً في زمان الصدوق ومعتمداً عليه عنده، ولذا نقل عنه وإن لم يسمّ به.


_______________________________


(1) راجع المصدر المتقدّم من المستدرك: 232.


--23--


وفيه: أنّ هذا لا يوجب اعتبار الكتاب، لاحتمال أخذ مؤلّفه ذلك من الرسالة المذكورة، بل هذا هو الظاهر، إذ من المستبعد جدّاً بل من المستحيل عادةً أن يسند علي بن بابويه كتاب الرضا (عليه السلام) إلى نفسه من دون أن يشير هو أو ابنه الصدوق ـ الذي كتب لأجله هذه الرسالة ـ إلى أنّ هذا الكتاب من تأليف الرضا. وهل يرضى أحد أن ينسب مثل هذه السرقة إلى الصدوقين. فلابدّ وأن يكون الأمر بالعكس، بأن يكون هذا الكتاب مأخوذاً من رسالة علي بن بابويه.


وربما قيل: إنّ فقه الرضا (عليه السلام) هذا هو الذي كتبه الرضا لأحمد بن السكّين الذي كان مقرّباً عنده، وهو بخطه (عليه السلام) موجود في الطائف بمكّة المعظّمة في جملة كتب السيد علي خان، وعليه إجازات العلماء وخطوطهم، وهذه النسخة بالخطّ الكوفي، وتاريخها عام مائتين من الهجرة(1). وبعد أن نقل المحدّث النوري هذا الوجه عن الرياض قال ما حاصله: ومن هنا يتّضح أنّ من عدم الاطّلاع ومن قلّة الخبرة أن يقال ظهور الكتاب إنما كان في زمن أمير حسين، أمّا قبل ذلك الزمان فلم يكن منه عين ولا أثر.


أقول: نحن لا ندّعي أنه لم يكن للرضا (عليه السلام) كتاب وآثار حتى ينقض علينا بما كتبه لأحمد بن سكّين، بل نقول إنه لا مدرك لنا لإثبات أنّ هذا الكتاب الذي عندنا كان له (عليه السلام) وأنه هو الذي كان موجوداً في مكتبة السيد علي خان، خصوصاً مع ملاحظة أنّ ظهوره كان من قم كما عرفت، ومن هنا يعلم أنّ نقد النوري للقول بظهوره في زمن أمير حسين ناشئ من عدم التأمّل.


ثم إنه مع الغضّ عن جميع ما ذكرناه فإنّ في الكتاب قرائن قطعيّة تدلّ على عدم كونه لمثل مولانا الرضا (عليه السلام) بل هو رسالة عملية ذكرت فيها الفتاوى


_______________________________


(1) ملخّص ما نقله النوري في المصدر المتقدّم من المستدرك: 242 عن كتاب رياض العلماء.


--24--


والروايات بعنوان الافتاء كما يظهر لمن يلاحظه، كيف وأكثر رواياته إمّا بعنوان روي وأروي ونحوهما، وإمّا نقل عن الرواة خصوصاً في آخر الكتاب، فإنه ينقل فيه كثيراً عن ابن أبي عمير وزرارة والحلبي وصفوان ومحمد بن مسلم ومنصور وغيرهم.


على أنّ فيه عبارات يقبح صدورها عن الإمام (عليه السلام) نظير قوله: جعلني الله من السوء فداك(1)، وقوله في باب القدر(2): صف لي منزلتين. فإنّ هذا القول ظاهر في جهل القائل، وهو مستحيل في حق الإمام (عليه السلام) إلى غير ذلك. وقد نقل جملة منها في المستدرك(3) مع أنه ذكر فيه(4) من الأحكام المتناقضة وما يخالف مذهب الشيعة كثير. وحملُها على التقية بديهي الفساد، لما ورد في هذا الكتاب أيضاً ممّا يخالفها، بل تكذيبهم والازراء عليهم(5)، كما في المتعة.


_______________________________


(1) [لم نعثر عليه في المصدر، نعم نقله في المستدرك 19 (الخاتمة 1): 281 ـ في البحث عن الفقه الرضوي ـ عن بعض توقيعات الاحتجاج فراجع].


(2) لاحظ فقه الرضا (عليه السلام): 348.


(3) المصدر المتقدّم من المستدرك: 290.


(4) في باب اللباس وما لا يجوز فيه الصلاة ص157 قال: يجوز الصلاة في سنجاب وسنور وفنك. وفي باب اللباس وما يكره فيه الصلاة ص202 قال: جلد الميتة دباغته طهارته وقد يجوز الصلاة فيما لم تنبته الأرض ولم يحل أكله مثل السنجاب والفنك والسنور. وفي باب التخلّي والوضوء ص79 قال: وإن غسلت قدميك ونسيت المسح عليهما فإنّ ذلك يجزئك لأنّك قد أتيت بأكثر ما عليك، وقد ذكر الله الجميع في القرآن.


(5) ففي باب المتعة محمد بن أبي عمير عن ابن اُذينة عن زرارة قال: جاء عبدالله بن عمير إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقال: ما تقول في متعة النساء؟ فقال: أحلّها الله في كتابه وعلى


--25--


والالتزام بالتفصيل(1) بأنّ بعض الكتاب إملاء منه (عليه السلام) وبعضه الآخر لأحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، وأنّ موارد التقية في الكتاب إنما هي فيما سمع منه (عليه السلام) تكلّف في تكلّف وقول بلا علم، هذا كلّه ما يرجع إلى نفس الكتاب، وقد أجاد صاحب الفصول في بعض ما أفاده(2) هنا فليراجع. إذن فقد حق القول أنه لو اُنيطت الأحكام الشرعية بمثل هذه المدارك فبين أيدينا البخاري ومسند أحمد وصحيح مسلم، وعلى هذا فعلى الفقه السلام.


وأمّا توهّم انجبار رواياته بالشهرة إذا قامت على وفقها فقد عرفت(3) ما فيه في رواية تحف العقول.


وربما يتخيّل اعتبار الكتاب لأجل عمل جملة من الأكابر به كالمجلسيين وغيرهما. ولكنّه فاسد، لأنهم قد استندوا في عملهم هذا بما ذكر من الوجوه التي عرفت جوابها بما لا مزيد عليه.


_______________________________


لسان نبيّه، فهي حلال إلى يوم القيامة، فقال: ياأبا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرّمها أمير المؤمنين عمر؟ فقال: وإن كان فعل، فقال: إنّي اُعيذك أن تحلّ شيئاً قد حرّمه عمر فقال: فأنت على قول صاحبك وأنا على قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فهلم اُلاعنك أنّ القول ما قال رسول الله فإنّ الباطل ما قال صاحبك، قال: فأقبل عليه عبدالله بن عمير فقال: يسرّك أنّ نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمّك يفعلن؟ فأعرض عنه أبو جعفر (عليه السلام) وعن مقالته حين ذكر نساءه وبنات عمّه. [لم نعثر عليه في المصدر].


(1) راجع المستدرك 19 (الخاتمة 1): 294.


(2) راجع الفصول: 312 / فصل أنّه لا يكفي عندنا في حجية الرواية مجرّد وجودها في الكتب الأربعة من فصول حجية أخبار الآحاد.


(3) في ص8.


كتاب مصباح الفقاهة في المعاملات