مؤسسة الخوئي الإسلامية

مؤسسة الخوئي الإسلامية
  • الإمام الخوئي
  • المكتبة المرئية
  • المكتبة الصوتية
  • المكتبة
  • الاستفتاءات

16- خمس الفاضل عن مؤونة السنة

  • ٣٦٢١

السابع : ما يفضل عن مؤونة سنته(1) ومؤونة عياله من أرباح التجارات ومن سائر التكسّبات من الصناعات والزراعات والإجارات حتى الخياطة


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وتسليمه إلى أربابه ، ولا شكّ حينئذ في وجوب التخميس ثانياً وثالثاً وهكذا ، لكونه في كلّ مرّة موضوعاً جديداً لشراء الذمّي الأرض من المسلم فيعمّه النصّ ويشمله الحكم إلى أن لا يبقى منه شيء يقبل التخميس .


   وأمّا لو أراد الشراء قبل الدفع لكي تخلص له الأرض بأجمعها :


   فبناءً على أنّ متعلّق الخمس ماليّة الأرض ـ كما في الزكاة ـ لا شخصيّتها فأربابه لا يملكون إلاّ خمس هذه الأرض بما أ نّه مال لا بما أ نّه أرض ، ومن الواضح أنّ شراء هذه الماليّة لا يستوجب التخميس ، لعدم كونه مصداقاً لشراء الأرض ، بل لشراء ماليّتها ، ولا خمس إلاّ في شراء الأرض نفسها لا ماليّتها كما هو ظاهر .


   فلو كانت الأرض تسوى مائة دينار فله شراء خمس هذه الماليّة الذي قد تسوى عشرين واُخرى أقلّ حسب اختلاف الأحوال ، إذ قد لا ينتفع من خمس الأرض مستقلاًّ ما ينتفع به في ضمن المجموع ، فلو اشترى ذلك لم يكن عليه خمس آخر ، فإنّه مثل ما لو أدّى الخمس من القيمة ابتداءً في أ نّه يملك بذلك تمام الأرض من دون أن يجب عليه الخمس ثانياً ، لعدم كونه شراءً جديداً للأرض حسبما عرفت .


   وأمّا بناءً على القول بالاشاعة كما اخترناه فلا يفرق الحال بين الصورتين كما لا يخفى .


   (1) ينبغي التكلّم في مقامين :


   أحدهما : في أصل التشريع وأ نّه هل يجب الخمس في هذا القسم كما وجب في سائر الأقسام ، أو لا ؟


ــ[195]ــ


والكتابة والنجارة والصيد وحيازة المباحات واُجرة العبادات الاستئجاريّة من الحجّ والصوم والصلاة والزيارات وتعليم الأطفال وغير ذلك من الأعمال التي لها اُجرة .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   ثانيهما : في أ نّه بعد الفراغ عن الوجوب فهل ثبت سقوطه والعفو عنه بنصوص التحليل إمّا مطلقاً أو في الجملة ، أو لا ؟


   ولنؤخّر البحث عن المقام الثاني، حيث سيتعرّض له الماتن في المسألة الأخيرة من كتاب الخمس ونتابعه في البحث ، فهو موكول إلى محلّه إن شاء الله تعالى .


   والكلام الآن متمحّض في المقام الأوّل ، والبحث عنه يقع في جهات :


   الجهة الاُولى : الظاهر تسالم الأصحاب واتّفاقهم قديماً وحديثاً على الوجوب، إذ لم ينسب الخلاف إلاّ إلى ابن الجنيد وابن أبي عقيل (1) ، ولكن مخالفتهما على تقدير صدق النسبة ـ من أجل عدم صراحة العبارة المنقولة عنهما في ذلك ـ لا تقدح في تحقّق الإجماع ، ولا سيّما الأوّل منهما المطابقة فتاواه لفتاوى أبي حنيفة غالباً كما لا يخفى .


   بل في الجواهر : أنّ هذا هو الذي استقرّ عليه المذهب والعمل في زماننا هذا ، بل وغيره من الأزمنة السابقة (2) .


   وكيفما كان ، فيدلّنا على الحكم بعد الإجماع والسيرة العمليّة القطعيّة المتّصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام) :


   أوّلاً : الكتاب العزيز ، قال تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْء فَأَنَّ للهِِ خُمُسَهُ 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) حكاه في الحدائق 12 : 347 .


(2) الجواهر 16 : 60 .


ــ[196]ــ


وَلِلرَّسُولِ) (1) ، فإنّ الغنيمة بهذه الهيئة وإن أمكن أن يقال بل قيل باختصاصها بغنائم دار الحرب إمّا لغةً أو اصطلاحاً ـ  وإن كان لم يظهر له أيّ وجه  ـ إلاّ أنّ كلمة «غَنِمَ» بالصيغة الواردة في الآية المباركة ترادف «رَبِحَ» و «استفادَ» وما شاكل ذلك ، فتعمّ مطلق الفائدة ، ولم يتوهّم أحد اختصاصها بدار الحرب .


   ولعلّ في التعبير بالشيء ـ الذي فيه من السعة والشمول ما ترى ـ إيعازاً إلى هذا التعميم ، وأنّ الخمس ثابت في مطلق ما صدق عليه الشيء من الربح وإن كان يسيراً جدّاً ـ كالدرهم ـ غير المناسب لغنائم دار الحرب كما لا يخفى .


   ويعضده إطلاق الخـطاب في بعض الآيات السابقة ، وهي قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَولاَدُكُمْ فِتْنَةٌ) إلخ (2) ، وقوله تعالى : (يَا أَ يُّهَا ا لَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً) (3) ، فإنّه عامّ لجميع المؤمنين لا لخصوص المقاتلين .


   ولا ينافيه ذكر القتال في الآيات السابقة عليها واللاحقة لها ، لما هو المعلوم من عدم كون المورد مخصّصاً للحكم الوارد عليه .


   ومن ثمّ اعترف القرطبي في تفسيره وكذا غيره بشمول لفظ الآية لعموم الفوائد والأرباح ، غير أ نّه خصّها بغنائم دار الحرب من أجل الإجماع الذي ادّعى قيامه على ذلك (4) .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الأنفال 8 : 41 .


(2) الأنفال 8 : 28 .


(3) الأنفال 8 : 29 .


(4) الجامع لأحكام القرآن 8 : 1 .


ــ[197]ــ


   فإذا كانت هيئة «غَنِمَ» عامّة فلا جرم كانت هيئة «غنيمة» أيضاً كذلك ، إذ لا دلالة في هيئة «فعيلة» على الاختصاص .


   وكيفما كان ، فلا ينبغي التأمّل في إطلاق الآية المباركة في حدّ ذاتها وشمولها لعامّة الأرباح والغنائم .


   وتشهد لذلك أخبار كثيرة دلّت على أ نّها الإفادة يوماً فيوماً ، تكون بضميمة نصوص التحليل ـ حيث إنّه متفرّع على أصل التشريع فتدلّ عليه أيضاً ـ بالغة حدّ التواتر الإجمالي كما لا يخفى .


   فالحكم ممّا لا ينبغي الاشكال فيه .


   نعم ، هاهنا إشكال معروف قد تداول على الألسن ولا سيّما في الآونة الأخيرة ، وحاصله :


   أنّ الآية لو كانت مطلقة وكان هذا النوع من الخمس ثابتاً في الشريعة المقدّسة فلماذا لم يعهد أخذه من صاحب الشرع؟! حيث لم ينقل لا في كتب الحديث ولا التأريخ أنّ النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) أو أحداً من المتصدّين بعده حتى وصيّه المعظّم في زمن خلافته الظاهريّة تصدّى لأخذ الأخماس من الأرباح والتجارات كما كانوا يبعثون العمّال لجباية الزكوات ، بل قد جعل سهم خاصّ للعاملين عليها ، فإنّه لو كان ذلك متداولاً كالزكاة لنقل إلينا بطبيعة الحال .


   وإن تعجب فعجب أ نّه لم يوجد لهذا القسم من الخمس عين ولا أثر في صدر الإسلام إلى عهد الصادقَين (عليهما السلام) ، حيث إنّ الروايات القليلة الواردة في المقام كلّها برزت وصدرت منذ هذا العصر ، أمّا قبله فلم يكن منه اسم ولا رسم بتاتاً حسبما عرفت .


   والجواب : إمّا بناءً على ما سلكناه من تدريجيّة الأحكام وجواز تأخير 


ــ[198]ــ


التبليغ عن عصر التشريع بإيداع بيانه من النبيّ إلى الإمام ليظهره في ظرفه المناسب له حسب المصالح الوقتيّة الباعثة على ذلك ، بل قد يظهر من بعض النصوص أنّ جملة من الأحكام لم تنشر لحدّ الآن وأ نّها مودعة عند وليّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه) وهو المأمور بتبليغها متى ما ظهر وملأ الأرض قسطاً وعدلاً . فالأمر على هذا المبنى ـ الحاسم لمادّة الإشكال ـ ظاهر لا سترة عليه .


   وإمّا مع الغض عن ذلك فبإبداء الفرق بين الزكاة والخمس ، نظراً إلى أنّ الأوّل ملك للفقراء وحقّ يصرف في مصالح المسلمين، وهو (صلّى الله عليه وآله) مأمور بالأخذ ، قال تعالى : (خُذْ مِنْ أَموَالِهِمْ صَدَقَةً) إلخ (1) ، فمقدّمة للأخذ الواجب عليه لا محيص له (صلّى الله عليه وآله) من بعث العمّال لجباية الزكوات .


   وأمّا الخمس فهو حقّ له (صلّى الله عليه وآله) ولأقربائه ، فيشبه الملك الشخصي ، حيث لا تعود فائدته لعامّة المسلمين ، ومن ثمّ لم يؤمر في مورده إلاّ بمجرّد التبليغ كما في سائر الأحكام من الصلاة والصيام دون الأخذ ، فلم يكن ثَمّة باعث على جبايته ، بل قد لا يناسب ذلك شأنه وجلالته كما لا يخفى . فلا مجال لقياس الخمس على الزكاة ، فإنّه مع الفارق الواضح حسبما عرفت .


   وبالجملة : فعلى تقدير تسليم عدم بعث العمّال لأخذ الأخماس فهذا لا يكشف عن عدم الوجوب بوجه ، كيف ؟! ووجوب الخمس في الركاز ممّا أصفقت عليه العامّة ورووا فيه روايات كثيرة (2) ، ومع ذلك لم ينقل ولا في مورد واحد أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أو من بعده بعث أحداً لجبايته ، فعدم البعث والحثّ للأخذ لازمٌ أعمّ لعدم الوجوب فلا يكشف عنه أبداً .


   على أنّ العامّة قد رووا هذا الخمس عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، فقد 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) التوبة 9 : 103 .


(2) راجع عمدة القارئ في شرح البخاري 9 : 99 باب ما يجب فيه الخمس الركاز .


ــ[199]ــ


ورد في صحيح البخاري والترمذي : أنّ رجلاً من بني عبد قيس جاء إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فلمّا أراد الانصراف أمره (صلّى الله عليه وآله) بالصلاة والصيام والزكاة وإعطاء الخمس ممّا
غنم(1). فإنّ من الواضح عدم إرادة الخمس من غنائم دار الحرب ، لعدم فرض قتال أو غزو ، بل المراد خمس الأرباح والمتاجر كما لا يخفى .


   والإنصاف أ نّه لم يتّضح لدينا بعد، ماذا كانت الحالة عليه في عصره (صلّى الله عليه وآله) ، بالإضافة إلى أخذ هذا النوع من الخمس وعدمه ، كيف ؟! والعهد بعيد والفصل طويل ، وقد تخلّل بيننا عصر الاُمويّين الذين بدّلوا الحكومة الإسلاميّة حكومةً جاهليّة ، ومحقوا أحكام الدين حتى أنّ كثيراً من الناس لم يعرفوا وجوب الزكاة الثابت بنصّ القرآن كما يحكيه لنا التأريخ والحديث .


   بل في صحيح أبي داود وسنن النسائي : أنّ أكثر أهل الشام لم يكونوا يعرفون أعداد الفرائض .


   وعن ابن سعد في الطبقات : أنّ كثيراً من الناس لم يعرفوا مناسك حجّهم .


وروى ابن حزم عن ابن عباس : أ نّه خطب في البصرة وذكر زكاة الفطرة وصدقة الصيام فلم يعرفوها حتى أمر من معه أن يعلّم الناس .


   فإذا كان الحال هذه بالإضافة إلى مثل هذه الأحكام التي هي من ضروريّات الإسلام ومتعلّقة بجميع الأنام فما ظنّك بمثل الخمس الذي هو حقّ خاصّ له ولقرابته ولم يكن من الحقوق العامّة كما في الزكاة ، بل لخصوص بني هاشم زادهم الله عزّاً وشرفاً ، فلا غرابة إذن في جهلنا بما كان عليه أمر الخمس في عصره (صلّى الله عليه وآله) أخذاً وصرفاً .


   إلاّ أنّ هذا كلّه لا يكشف عن عدم الوجوب ، وعدم الوصول لا يلازم عدم 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) صحيح البخاري 2 : 131 ، سنن الترمذي 5 : 8 / 2611 .


ــ[200]ــ


التشريع بعد أن نطق به الكتاب العزيز والسنّة المتواترة ولو إجمالاً حسبما عرفت وستعرف .


   وممّا يؤكّد ذلك أ نّه لا خلاف بيننا وبين العامّة في عدم جواز دفع الزكاة لبني هاشم وأنّ الصدقة عليهم حرام ، حتى أ نّه لا يجوز استعمالهم عليها والدفع من سهم العاملين ، وقد رووا في ذلك روايات متواترة ، كما وردت من طرقنا أيضاً حسبما تقدّم في كتاب الزكاة (1) ، وفي بعضها : أنّ الله تعالى قد عوّض عنها الخمس إكراماً لهم وتنزيهاً عن أوساخ ما في أيدي الناس (2) .


   وفي صحيح مسلم وغيره : أنّ الفضل بن العبّاس وشخصاً آخر من بني هاشم كانا محتاجين إلى الزواج ولم يكن لديهما مهر فاشتكيا ذلك إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وطلباً منه أن يستعملهما على الزكاة ليحصلا على المهر من سهم العاملين فلم يرتض (صلّى الله عليه وآله) بذلك ، بل أمر شخصين أن يزوّجا ابنتيهما منهما ، وجعل مهرهما من الخمس بدلاً عن الزكاة (3) . والروايات بذلك متظافرة بل متواترة من الطرفين كما عرفت .


   ومن الواضح الضروري أنّ الحرب ليست قائمة بين المسلمين والكفّار مدى الدهر ليتحقّق بذلك موضوع الخمس من غنائم دار الحرب فتدفع إليهم :


   إمّا لاستيلاء الكفّار كما في هذه الأعصار وما تقدّمها بكثير ، ولعلّ ما سيلحقها أيضاً بأكثر ، حيث أصبح المسلمون مستعمرين وإلى الله المشتكى .


   أو لاستيلاء الإسلام كما في عهد الإمام المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه) وجعلنا من أنصاره وأعوانه .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) شرح العروة  24 : 179 .


(2) الوسائل 9 : 513 /  أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 8 .


(3) صحيح مسلم 2 : 752 / 167 .


 


ــ[201]ــ


   وعليه ، فلو كان الخمس مقصوراً على غنائم دار الحرب ولم يكن متعلّقاً بما له دوام واستمرار من الأرباح والتجارات فكيف يعيش الفقراء من بني هاشم في عصر الهدنة الذي هو عصر طويل الأمد بعيد الأجل كما عرفت ، والمفروض تسالم الفريقين على منعهم عن الزكاة أيضاً كما مرّ ؟! إذن فما هو الخمس المجعول عوضاً عنها في هذه الظروف ؟!


   فلا مناص من الالتزام بتعلّقه كالزكاة بما له دوام واستمرار وثبات وقرار في جميع الأعصار ، لتستقيم العوضيّة وتتمّ البدليّة الأبديّة ، ولا يكون الهاشمي أقلّ نصيباً من غيره، وليس ما هو كذلك إلاّ عامّة الأرباح والمكاسب حسبما عرفت.


   فتحصّل : أنّ الاستشكال في وجوب الخمس في هذا القسم ساقط لا يُعبأ به بتاتاً .


   ويدلّنا على الحكم ثانياً جملة وافرة من النصوص التي عرفت أ نّها بضميمة نصوص التحليل بالغة حدّ التواتر الإجمالي ، وإليك بعضها :


   فمنها : موثّقة سماعة ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس «فقال : في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير» (1) .


   ومنها : صحيحة علي بن مهزيار ، قال : كتب إليه إبراهيم بن محمّد الهمداني: أقرأني علي كتاب أبيك فيما أوجبه على أصحاب الضياع ـ إلى أن قال ـ : فكتب وقرأه علي بن مهزيار : «عليه الخمس بعد مؤونته ومؤونة عياله وبعد خراج السلطان» (2) .


   ومنها : صحيحته الاُخرى ، ولنذكرها بطولها لما فيها من المزايا ، قال : كتب إليه أبو جعفر (عليه السلام) ـ وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكة ـ «قال : إنّ 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 9 : 503 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 6 .


(2) الوسائل 9 : 500 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 4 .


ــ[202]ــ


الذي أوجبت في سنتي هذه ، وهذه سنة عشرين ومائتين، فقط لمعنى من المعاني ، أكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار ، وساُفسِّر لك بعضه إن شاء الله : إنّ مواليّ ـ أسأل الله صلاحهم ـ أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم ، فعلمت ذلك فأحببت أن اُطهِّرهم واُزكِّيهم بما فعلت من أمر الخمس في عامي هذا ، قال الله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (1) .


   إلى أن قال : «ولم اُوجب عليهم ذلك في كلّ عام ، ولا اُوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها الله عليهم ، وإنّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضّة التي قد حال عليهما الحول ، ولم اُوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلاّ في ضيعة ساُفسِّر لك أمرها ، تخفيفاً منِّي عن مواليّ ، ومنّاً منِّي عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم ، فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام ، قال الله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْء فَأَنَّ للهِِ خُمُسَهُ) (2) إلخ» .


   إلى أن قال : «فالغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها ، والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر ، والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن ، ومثل عدوّ يصطلم فيؤخذ ماله ، ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب ، وما صار إلى مواليّ من أموال الخرميّة (3) الفسقة ، فقد علمت أنّ أموالاً عظاماً صارت إلى قوم من مواليّ ، فمن كان عنده شيء من ذلك فليوصله إلى وكيلي ، ومن كان نائياً بعيد الشقّة فليتعمّد لإيصاله ولو بعد 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) التوبة 9 : 103 .


(2) الأنفال 8 : 41 .


(3) الخرميّة : هم أصحاب التناسخ والإباحة ، القاموس المحيط 4 : 104 (خرّم) .


ــ[203]ــ


حين ، فإنّ نيّة المؤمن خيرٌ من عمله ، فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤونته ، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤونته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك» (1) .


   ولنأخذ في شرح بعض فقرات هذا الحديث الشريف المروي عن أبي جعفر الجواد (عليه السلام) ودفع ما اُورد عليه من الإشكالات .


   قوله (عليه السلام) : «في سنتي هذه» إلخ ، وهي سنة وفاته (عليه السلام) ، ولعلّ إلى ذلك أشار (عليه السلام) بقوله : «لمعنى من المعاني» وكره تفسيره كلّه ، فأراد (عليه السلام) تطهير مواليه في السنة الأخيرة من عمره الشريف ، اقتداءً بالنبيّ الأكرم المأمور بالأخذ والتطهير في قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) إلخ .


   وقوله (عليه السلام) : «ولم اُوجب عليهم ذلك في كلّ عام» إلخ ، أي من أعوام حياته ، علماً منه (عليه السلام) بعدم بقائه .


   قوله (عليه السلام) : «وإنّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه» إلخ ، يعني : أنّ الكيفيّة التي اختارها (عليه السلام) للتطهير تختصّ بهذه السنة ، وهي إيجاب الخمس في خصوص الذهب والفضّة التي قد حال عليهما الحول ، وإسقاطه عمّا عداهما من المتاع والآنية والدواب والخدم والربح والضيعة إلاّ في ضيعة خاصّة أشار (عليه السلام) إليها بقوله : «ساُفسِّر لك أمرها» يعني (عليه السلام) بذلك ما سيذكره (عليه السلام) في آخر الحديث من التفصيل بين من كانت ضيعته تقوم بمؤونته ففيها نصف السدس ، وإلاّ فلا شيء عليه .


   فإلى هنا أسقط (عليه السلام) الخمس عمّا سوى ذلك في هذه السنة بالخصوص ، ولم يبيّن (عليه السلام) وجهه وكره تفسيره ، وقد عرفت احتمال أن يكون الوجه موته (عليه السلام) في تلك السنة ، فأراد (عليه السلام) تطهيرهم 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 9 : 501 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 5 .


ــ[204]ــ


إلاّ في خصوص الذهب والفضّة .


   هذا ، وصاحب المدارك تعرّض لهذه الرواية وذكر أنّ فيها إشكالاً من جهات تمنعنا عن الأخذ بها وأ نّه لا بدّ من طرحها بالرغم من صحّة السند (1) .


   منها : هذه الجملة : حيث أوجب (عليه السلام) الخمس في الذهب والفضّة مع أ نّه لا يجب فيهما إلاّ الزكاة بالإجماع .


   ولكنّ الظاهر أنّ هذه الشبهة في غير محلّها .


   أمّا لو اُريد من الذهب والفضّة ما كان بنفسه مورداً للخمس كما لو وقع ربحاً في تجارة ـ كما هو غير بعيد ـ فالأمر ظاهر ، إذ عليه يكون هذا استثناء عمّا ذكره (عليه السلام) من السقوط في الأرباح ، فأسقط (عليه السلام) الخمس عن كلّ ربح ما عداهما ، فيجب فيهما بعد حلول الحول لا بعنوانهما الأولي ، بل بما أ نّهما ربح في تجارة ، ولا ضير في ذلك أبداً كما هو ظاهر .


   وأمّا مع التنازل عن ذلك ودعوى ظهورها في إيجاب الخمس فيهما بعنوانهما الذاتي حتى لو لم يتعلّق بهما خمس الأرباح كما لو كان إرثاً وحال عليه الحول ، فلا ضير فيه أيضاً ، لما عرفت من أ نّه (عليه السلام) لم يكن بصدد بيان الحكم الشرعي مطلقاً، بل أوجب (عليه السلام) الخمس في خصوص سنته هذه فقط.


   وقد تقدّم أنّ وليّ الأمر له الولاية على ذلك، فله إسقاط الخمس عن التجارة وجعله في الذهب والفضّة ولو مؤقّتاً، لمصلحة يراها مقتضية لتبديل البعض بالبعض ، سيّما في مثل الذهب والفضّة بعد حلول الحول الكاشف عن عدم الحاجة .


   فهذه الجملة لا توجب سقوط الرواية عن الحجّيّة بوجه كما لا يخفى .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) المدارك 5 : 383 .


ــ[205]ــ


   ومنها : قوله (عليه السلام) : «فالغنائم والفوائد رحمك الله» إلخ ، حيث أورد في المدارك بما لفظه : ومع ذلك فمقتضاها اندراج الجائزة الخطيرة والميراث ممّن لا يحتسب والمال الذي لا يعرف صاحبه وما يحلّ تناوله من مال العدوّ في اسم الغنائم ، فيكون مصرف الخمس فيها مصرف خمس الغنائم .


   وفيه أيضاً ما لا يخفى ، ضرورة أنّ الجائزة من أظهر أنواع الفوائد ، هب أنّ لفظ الغنيمة لا يشملها ولكن الفائدة شاملة للهديّة قطعاً ، وكيف لا يكون العثور على مال مجّاناً من دار أو عقار ونحوهما فائدة ؟! ولا أدري بأيّ وجه استشكل ذلك ؟! بل هي غنيمة أيضاً ، ومع الغضّ ففائدة بلا إشكال . وكذلك الحال في الميراث الذي لا يحتسب ، والمال المأخوذ من عدوّ يصطلم ، فإنّ كون ذلك كلّه فائدة أمر قطعي لا ينكر .


   نعم ، قوله (عليه السلام) : «ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب» لا يخلو عن الإشكال ، نظراً إلى أنّ هذا من مجهول المالك ، والمشهور والمعروف لزوم التصدّق به ، وليس للآخذ تملّكه ليدخل في الفائدة كما في اللقطة ، وإن نُسب ذلك إلى بعضهم استناداً إلى هذه الصحيحة ، ولكن المشهور خلافه كما عرفت ، فكيف عدّ فيها من الفوائد والغنائم ؟!


   ولكن الظاهر أنّ الصحيحة غير ناظرة إلى المال المجهول مالكه ، للفرق الواضح بين قولنا : مالٌ لا يعرف صاحبه، وبين قولنا: مالٌ لا يعرف له صاحب، إذ الصاحب في الأوّل مفروض الوجود، غايته أ نّه غير معروف فيكون من مجهول المالك ، بخلاف الثاني ـ وهو الوارد في الصحيحة ـ حيث لم يفرض له صاحب ومالك ، ولعلّه لا صاحب له أبداً وأ نّه من المباحات الأصليّة التي هي ملك لمن استولى عليها . وهذا ـ كما ترى ـ أجنبي عن باب مجهول المالك وداخل في الفوائد والغنائم بلا إشكال كما تضمّنته الصحيحة .


ــ[206]ــ


   ثمّ إنّ عبارة الصحيحة هكذا : «مال يؤخذ» كما هو كذلك في التهذيب والاستبصار (1) ، فما في مصباح الفقيه من ضبط : «يوجد» (2) بدل : «يؤخذ» غلط من النسّاخ .


   ومنها : قوله (عليه السلام) في آخر الصحيح: «فأمّا الذي اُوجب من الضياع» إلخ ، فقد أورد عليه في المدارك بما نصّه : وأمّا مصرف السهم المذكور في آخر الرواية وهو نصف السدس في الضياع والغلاّت فغير مذكور صريحاً ، مع أ نّا لا نعلم بوجوب ذلك على الخصوص قائلاً .


   أقول : أمّا ما ذكره (قدس سره) من عدم ذكر المصرف فعجيب ، بداهة أنّ الصحيحة من بدايتها إلى نهايتها تنادي بأعلى صوتها بأ نّه (عليه السلام) في مقام تخفيف الخمس إمّا بالإلغاء محضاً كما في المتاع والآنية والخدم والربح ونحوها ، أو بالإلغاء بعضاً كما في الضيعة ، حيث أشار (عليه السلام) في صدرها بقوله : «إلاّ في ضيعة ساُفسِّر لك أمرها» فما ذكره هنا تفسيرٌ لما وعد ، ومعناه : أ نّه (عليه السلام) خفّف الخمس واكتفى عنه بنصف السدس ، فكيف لا يكون مصرفه معلوماً ؟! فإنّه هو مصرف الخمس بعينه .


   وأمّا ما ذكره (قدس سره) أخيراً من أ نّه لم يعرف له قائل ، فحقّ ، ولكنّه (عليه السلام) لم يكن بصدد بيان الحكم الشرعي ليقال : إنّه لا قائل به ، بل في مقام التخفيف عن حقّه الشخصي والاكتفاء عن الخمس بنصف السدس كما عرفت ، فيختصّ بزمانه ، ولا ينافيه قوله (عليه السلام) : «في كل عام» ، إذ الظاهر أنّ المراد : كلّ عام من أعوام حياته وما دامت الإمامة لم تنتقل إلى إمام آخر كما مرّ .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) التهذيب 4 : 141 / 398 ، الاستبصار 2 : 60 / 198 .


(2) مصباح الفقيه 14 : 100 .


ــ[207]ــ


   ويدلّ على ذلك صريحاً صحيحته السابقة (1) المتضمّنة لمكاتبة إبراهيم بن محمّد الهمداني إلى الهادي (عليه السلام) وسؤاله عن كتاب أبيه الجواد (عليه السلام) فيما أوجبه على أصحاب الضياع من نصف السدس، واختلاف الأصحاب في ذلك ، وجوابه (عليه السلام) بوجوب الخمس بعد المؤونة ، الكاشف عن اختصاص نصف السدس بزمان أبيه (عليه السلام) ، وأنّ حكم الضيعة هو الخمس ، غير أ نّه (عليه السلام) اكتفى عنه بهذا المقدار .


   ومنها : قوله (عليه السلام) : «فأمّا الغنائم والفوائد» إلخ ، حيث أشكل عليه المحقّق الهمداني (قدس سره)(2) بأ نّه يظهر منه أنّ الأرباح غير داخلة في الغنائم، ولأجله أسقط الخمس في الأوّل وأثبته في الثاني ، فيظهر التغاير من المقابلة واختلافهما من حيث المصرف ، وأنّ خمس الأرباح يختصّ بالإمام (عليه السلام) ، ولأجله تصرّف (عليه السلام) فيه رفعاً وتخفيفاً .


   وهذا الإشكال أيضاً لا يرجع إلى محصّل ، لأنّ المذكـور فيها لو كان هو الغنائم فقط لأمكن الاستظهار المزبور ، ولكن اقترانها بالفوائد قرينة قطعيّة على أنّ المراد بها معنى عام يشمل مطلق الأرباح وغيرها ، غايته الالتزام بخروج صنف خاصّ من الفوائد ، وهي المذكورة قبل ذلك ممّا اُسقط عنه الخمس ـ  أعني : أرباح التجارات ونحوها  ـ ونتيجته ارتكاب التخصيص الذي ليس بعزيز ، فيثبت الخمس في غير ما ذكر من الفوائد .


   وبعبارة اُخرى : ما يحتمل فيه الاختصاص هو لفظ الغنائم ، فيدّعى ـ كما قيل ـ باختصاصه بغنائم دار الحرب ، وأمّا الفوائد فهي مطلقة قطعاً ولا مجال فيها للتوهّم المزبور بتاتاً ، فاقتران الأوّل بالثاني قرينة قاطعة على اتّحاد المعنى 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) المتقدّمة في ص 201 .


(2) مصباح الفقيه 14 : 201 .


ــ[208]ــ


وأنّ المراد مطلق الفوائد ، فلا تدلّ على عدم دخول الأرباح ، غايته التخصيص بها وأ نّه (عليه السلام) أوجب الخمس في هذه السنة فيما عدا الأرباح من الفوائد .


   والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ هذه الرواية صحيحة السند ، ظاهرة الدلالة على وجوب الخمس في الفوائد والغنائم وإن أسقط (عليه السلام) حقّه الشخصي في بعض السنين ، فيصحّ الاستدلال بها ولا يرد عليها شيء من الإشكالات حسبما عرفت .


   كما اتّضح أ نّه لا ينبغي الشكّ في وجوب الخمس في الفوائد مطلقاً وعدم الاختصاص بغنائم دار الحرب ، للإجماع والكتاب والسنّة المتواترة إجمالاً حسبما أسلفناك .


   الجهة الثانية : لا ريب أنّ هذا الوجوب مشروط باستثناء ما يصرفه في سبيل تحصيل الربح ، فمؤونة الصرف مستثناة عن الوجوب بلا خلاف ولا إشكال كما هو ظاهر من غير حاجة إلى تجشّم الاستدلال وإقامة البرهان ، ضرورة عدم صدق الفائدة إلاّ فيما زاد على هذا المقدار ، فلو فرضنا أنّ تاجراً أو زارعاً أو صانعاً أو صاحب معمل صرف خمسين ديناراً وحصّل على مائة لا يقال : إنّه ربح واستفاد مائة ، بل لم يربح إلاّ خمسين ديناراً لا غير كما هو ظاهر جدّاً ، فلا خمس إلاّ في هذه الخمسين التي هي مصداق للفائدة والعائدة .


   مضافاً إلى ما دلّت عليه صحيحة البزنطي ، قال : كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام): الخمس، أخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة ؟ فكتب: «بعد المؤونة»(1) .


   وقد تقدّمت هذه الصحيحة في بحث المعادن وقلنا : إنّ الظاهر منها مؤونة الصرف لا مؤونة السنة .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 9 : 508 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 12 ح 1 .


ــ[209]ــ


   وتؤيِّده رواية محمّد بن الحسن الأشعري ـ وهو ابن أبي خالد المعروف بشنبولة ، ولم يوثّق ـ قال : كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : أخبرني عن الخمس ، أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع، وكيف ذلك؟ فكتب بخطّه : «الخمس بعد المؤونة»(1)، هكذا في الوسائل تبعاً للتهذيب ، ولكن في الاستبصار : «الضياع» بدل: «الصناع» وهو الصحيح . وكيفما كان، فلا إشكال في استثناء مؤونة الصرف .


   الجهة الثالثة : لا إشكال أيضاً في أ نّه يستثنى ما صرفه في مؤونة سنته لنفسه وعائلته، فإنّ الخمس وإن كان متعلّقاً بكلّ ما يستفيده الرجل من قليل أو كثير ولكن وجوب  الدفع  مشروط  بعدم الصرف في المؤونة كما نطقت به بعض الأخبار:


   منها : صحيحة علي بن مهزيار ، قال : قال لي أبو علي بن راشد : قلت له : أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقّك فأعلمت مواليك بذلك ، فقال لي بعضهم : وأيّ شيء حقّه ؟ فلم أدر ما اُجيبه «فقال : يجب عليهم الخمس» فقلت : ففي أيّ شيء ؟ «فقال : في أمتعتهم وصنايعهم (ضياعهم) » قلت : والتاجر عليه والصانع بيده ؟ «فقال : إذا أمكنهم بعد مؤونتهم» (2) .


   فإنّ الضمير في «مؤونتهم» ضمير جمع للعقلاء ، فيراد مؤونة الأشخاص ، أي الرجل وعائلته ، لا مؤونة الصرف للربح كما لا يخفى .


   ومنها : صحيحته الاُخرى قال فيها : فكتب وقرأه علي بن مهزيار : «عليه الخمس بعد مؤونته ومؤونة عياله» إلخ (3) ، فإنّها صريحة في المطلوب .


 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 9 : 499 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 1 ، التهذيب 4 : 123 / 352 ، الاستبصار 2 : 55 / 181 .


(2) الوسائل 9 : 500 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 3 .


(3) الوسائل 9 : 500 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 4 .


ــ[210]ــ


   ثمّ إنّه لا إشكال في أنّ المراد بالمؤونة في هذه الروايات هي مؤونة السنة ، بل عليه إجماع الأصحاب كما نصّ عليه غير واحد ، وإن كان لم يصرّح بلفظ «السنة» في شيء من تلك النصوص كما اعترف به صاحب الحدائق (1) وغيره .


   نعم ، في صحيحة علي بن مهزيار الطويلة على بعض نسخ الوسائل ـ طبع عين الدولة ـ هكذا : «ومن كانت ضيعته لا تقوم سنة» إلخ .


   ولكن النسخة مغلوطة جزماً والصحيح كما في الأصل هكذا: «لا تقوم بمؤونته» إلخ ، فالنصوص بأجمعها خالية عن تقييد المؤونة بالسنة ، وإنّما هو مذكور في كلمات الأصحاب وهو الصحيح .


   والوجه فيه : انصراف اللفظ إليها عرفاً لدى الإطلاق بعد عدم الدليل على إرادة مؤونة اليوم أو الاُسبوع أو الشهر ، نظراً إلى قيام التعارف الخارجي ولا سيّما في الأزمنة السابقة وخاصّة في القرى على تهيئة مؤونة سنتهم في كلّ فصل من الفصول المناسبة لما يحتاجون إليه من الحنطة والأرز والتمر ونحو ذلك ممّا تمسّ به الحاجة ، فكانوا يدّخرونه للصرف إلى العام  الحاضر . نعم ، سكنة المدن الكبرى في غنىً عن ذلك ، لوفور النعم في أسواقها طوال العام .


   وكيفما كان ، فمؤونة الشخص لدى العرف تقدّر بالسنين لا بالأيّام أو الشهور أو الفصول ، لعدم انضباطها ، ولأجله كان المتبادر من قولنا : فلان يفي كسبه أو ضيعته بمؤونته أو لا يفي ، أو : أ نّه مالك للمؤونة أو غير مالك ، هو مؤونة السنة . وهذا هو السرّ فيما فهمه الأصحاب من مثل هذه الأخبار من التقييد بالسنة بعد


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الحدائق 12 : 353 .


ــ[211]ــ


بل الأحوط ثبوته في مطلق الفائدة (1) وإن لم تحصل بالاكتساب كالهبة والهديّة والجائزة


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


خلوّها عنه حسبما عرفت .


   (1) الجهة الرابعة :  لا إشكال في تعلّق الخمس بكلّ فائدة فاضلة على المؤونة ، حاصلة بالتكسّب من أرباح التجارات والصناعات والزراعات والإجارات ونحو ذلك من الفوائد المقصودة المذكورة في المتن ، حيث إنّها القدر المتيقّن من أخبار هذا الباب .


   وإنّما الكلام فيما يحصل بغير الاكتساب وأنّ الحكم هل يعمّ مطلق الفوائد ، أو لا ؟ وهي اُمور :


   منها :  الهبة والهديّة ، فقد اختلفت فيها الأنظار وكلمات علمائنا الأبرار بمثابة نُسب كلٌّ من القول بالوجوب وعدمه إلى المشهور :


   فعن الحلّي في السرائر: نسبة الوجوب إلى أبي الصلاح الحلبي في كتاب الكافي، ثمّ أنكر عليه وقال : ولم يذكره أحد من أصحابنا إلاّ المشار إليه ، ولو كان صحيحاً لنقل أمثاله متواتراً ، والأصل براءة الذمّة (1) .


   فيظهر منه أنّ عدم الوجوب ممّا تسالم عليه الأصحاب ما عداه .


   وبعكس ذلك ما يظهر من المحقّق والشهيد من نسبة الوجوب إلى الأصحاب(2) ، حيث أسند الخلاف في الدروس إلى ابن إدريس خاصّة ، وفي المعتبر إلى بعض أصحابنا ، ويريد به ابن إدريس ، فكأنّ الوجوب متسالم عليه ولا مخالف غيره .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) السرائر 1 : 490 ، وهو في (الكافي في الفقه) : 170 .


(2) الدروس 1 : 258 ، المعتبر 2 : 623 .


ــ[212]ــ


   وعن الشهيد الثاني والشيخ الأنصاري : إدخال الهبة في عنوان التكسّب ، نظراً إلى أ نّها معاملة تحتاج إلى القبول ، وهو نوع من التكسّب فتشملها كلمات الفقهاء من وجوب الخمس فيما يحصل بالاكتساب (1) .


   ولا بأس بما ذكراه .


   وكيفما كان ، فلا يهمّنا تحقيق الخلاف وتعيين القول المشهور ، وأنّ أيّ النسبتين صحيحة بعد وضوح عدم انعقاد إجماع في المسألة ، والعمدة ما يستفاد من الأدلّة .


   والذي يدلّ على الوجوب أوّلاً : الكتاب العزيز ، بناءً على ما تقدّم من تفسير الغنيمة بما هو أعمّ من غنيمة دار الحرب ، وهو ما يستفيده الرجل إمّا مطلقاً ، أو بقيد بغير مشقّة كما قيل ، وإن كان التقييد ينافيه مورد الآية ، لما في الحرب من مشقّة . وعلى أيّ حال ، فتعمّ الهبة بلا إشكال ، فإنّها فائدة ، سواء أصدق في موردها التكسّب أم لا ، لعدم تقييد الآية بذلك ، فهي بنفسها كافية فى إثبات الوجوب في الهبة كغيرها .


   وثانياً : عدّة من الأخبار وإن كان الكثير منها ضعيف السند ، والمعتبر منها الذي يمكن أن يستدلّ به ثلاثة :


   فمنها : صحيحة علي بن مهزيار الطويلة ، قال (عليه السلام) فيها : «والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر» إلخ (2) ، حيث عدّ فيها من أنواع الفائدة : الهديّة والجائزة .


   والتقييد بالخطير لا يدلّ على المفهوم بالمعنى المصطلح ، بل غايته الدلالة على 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) المسالك 1 : 465 ، كتاب الخمس : 84 ـ 87 .


(2) الوسائل 9 : 501 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 5 .


ــ[213]ــ


عدم تعلّق الحكم بالطبيعي الجامع ، وإلاّ لأصبح القيد لغواً .


   ولعلّ وجه التقييد عدم البقاء إلى نهاية السنة لو لم يكن لها خطر ، بل تصرف في المؤونة غالباً ، ولا خمس إلاّ في فاضل المؤونة ، فلا دلالة فيها على عدم الوجوب إذا لم يكن لها خطر وكانت طفيفة .


   نعم ، لا تدلّ فيها على الوجوب ، لا أ نّها تدلّ على عدم الوجوب .


   وعليه ، فيمكن إثبات الوجوب في غير الخطير ، إمّا بعدم القول بالفصل ، ومع الغضّ فبالإطلاق في بقيّة الأخبار .


   ومنها : موثّقة سماعة ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس «فقال : في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير» (1) .


   دلّت بعمومها الوضعي على تعلّق الحكم بمطلق الفائدة الشاملة للهديّة وغيرها .


   ومنها : ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن هلال، عن ابن أبي عمير ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال : كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هديّة تبلغ ألفي درهم أو أقلّ أو أكثر، هل عليه فيها الخمس؟ فكتب (عليه السلام) : «الخمس في ذلك» إلخ (2) .


   أمّا الدلالة فظاهرة ، كما أنّ السند صحيح ، فإنّ ابن إدريس وإن ذكر في آخر السرائر فيما سـمّاه بالنوادر طرقه إلى أرباب الكتب ولم تثبت لدينا صحّة شيء


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 9 : 503 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 6 .


(2) الوسائل 9 : 504 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 10 ، مستطرفات السرائر : 100 / 28 .


ــ[214]ــ


والمال الموصى به (1) ونحوها ، بل لا يخلو عن قوّة .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


منها فلا يعتمد عليها لا سيّما وأنّ في بعضها كطريقه إلى أبان بن عثمان شيء لا يمكن تصديقه ، ولكن خصوص طريقه إلى محمّد بن علي بن محبوب صحيح ، لأ نّه إنّما يرويه عمّا رآه من خطّ الشيخ ، وطريق الشيخ إلى ابن محبوب صحيح . وقد روى هذه الرواية من طريق ابن محبوب .


   وأمّا أحمد بن هلال فهو وإن كان فاسقاً ينسب إلى الغلو مرّةً وإلى النصب اُخرى ، بل عن شيخنا الأنصاري (قدس سره) : أنّ مثله لم يكن يتديّن بدين ، لما بين النسبتين من بعد المشرقين (1) .


   ولكن الظاهر أ نّه ثقة في نقله وإن كان فاسداً في عقيدته ، حيث توقّف على أبي جعفر ولم يقبل نيابته عن الإمام ، لأ نّه كان يرى نفسه أحقّ بالنيابة ، إذ لا ينافي ذلك ما نصّ عليه النجاشي من كونه صالح الرواية (2) كما لا يخفى .


   وهناك طائفة اُخرى من الروايات دلّت على الوجوب أعرضنا عن ذكرها لما في أسانيدها من الضعف ، وفيما ذكرناه غنىً وكفاية .


   فتحصّل : أنّ الأظهر وجوب الخمس في الهديّة ، سواء أكان هو المشهور أم كان المشهور خلافه .


   (1) ومنها : المال الموصى به ، والظاهر وجوب الخمس فيه أيضاً ، فإنّ الوصيّة إن كانت عهديّة ـ بأن عهد إلى وصيّه أن يعطي زيداً بعد وفاته كذا ـ فالحال فيها كما في الهبة ، إذ المال حينئذ يعطى له كهديّة يتسلّمها ، فيجري فيه ما مرّ فيها .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) لاحظ كتاب الخمس : 86 ، 193 .


(2) رجال النجاشي : 83 / 199 .


ــ[215]ــ


نعم ، لا خمس في الميراث (1) إلاّ في الذي ملكه من حيث لا يحتسب ، فلا يترك الاحتياط فيه ،


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   وإن كانت تمليكيّة ـ كأن قال : ثلث مالي لزيد بعد وفاتي ـ فبناءً على المشهور من اعتبار القبول من الموصى له كان حاله حال الهبة أيضاً ، فإنّها جائزة من الميّت يهديها بعد وفاته ، فيجري فيها ما مرّ ، إذ لا يعتبر في الجائزة أن تكون من الحيّ .


   وأمّا بناءً على أنّ الوصيّة التمليكيّة إنشاءٌ محض ولا يحتاج إلى القبول ـ كما هو الأظهر ـ غايته أ نّه ثبت بالإجماع أنّ له حقّ الردّ ، ومن ثمّ لو مات الموصى له قبل أن يصله الخبر انتقل المال إلى ورثته كما دلّت عليه الروايات .


   فعلى هذا المبنى لا يستلزم القول بالوجوب في الهبة القول به هنا ، لإمكان الفرق بإدخال الهبة في التكسّب من أجل الحاجة إلى القبول كما مرّ ، بخلاف المقام المتضمّن للتملّك القهري بعد عدم الحاجة إليه كما هو المفروض .


   ولكنّ الظاهر أ نّه مع ذلك يجب فيه الخمس ، لدخوله في عنوان الفائدة ، فتشمله الآية والروايات الدالّة على وجوب الخمس في مطلق الغنائم والفوائد حسبما عرفت .


   (1) ومنها : الميراث ، والأقوال في المسألة ثلاثة :


   عدم وجوب الخمس مطلقاً ، ولعلّه المشهور .


   والوجوب مطلقاً ، وقد نسبه ابن إدريس إلى الحلبي مستغرباً قائلاً : إنّه لو كان ثابتاً لنقل بالتواتر كما تقدّم (1) .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في ص 211 .


ــ[216]ــ


   وقول بالتفصيل بين المحتسب وغيره ، واختصاص الوجوب بالثاني .


   أمّا الوجوب المطلق فمع أ نّه لا مقتضي له ـ لانصراف كلمة الغنيمة والفائدة عن مثل الإرث كما لا يخفى ـ يردّه ما أشار إليه ابن إدريس (1) من أنّ مسألة الميراث عامّة البلوى ومحلّ لابتلاء المسلمين في كلّ زمان ومكان ، بل يتّفق في كلّ يوم . فلو كان الخمس ثابتاً فيه لظهر وبان وكان من الواضحات ، مع أ نّه لم يتعرّض له أحد من الفقهاء غير أبي الصلاح ، فهو إذن غير محتمل في نفسه .


   وأمّا التفصيل المزبور فلا بأس به ، وقد دلّت عليه صريحاً صحيحة علي بن مهزيار الطويلة ، ولا موجب لرفع اليد عنها بعد صحّة السند وصراحة الدلالة .


   وما ذكر آنفاً من أ نّه لو كان ثابتاً لنقل بالتواتر ، لا يجري في هذا القسم من الإرث ، لندرته وشذوذه وخروجه عن محلّ ابتلاء العموم ، فعدم التعرّض له في كلمات المتقدّمين من الفقهاء لا يدلّ على عدم التزامهم بالوجوب بوجه ، فلا موجب لطرح الرواية إلاّ أن يدّعى الإجماع على خلافها ، ولم يثبت قطعاً .


   ودعوى وهنها بإعراض المشهور عنها في هذه الفقرة .


   يدفعها : منع الصغرى أوّلاً ، غايته أ نّهم لم يتعرّضوا لا أ نّهم أعرضوا .


   ومنع الكبرى ثانياً ، لعدم سقوط الصحيح بالإعراض عن الحجّيّة ، إلاّ أن نقطع بخلافه عن المعصوم (عليه السلام) ، ولا قطع بالضرورة .


   فالقول بثبوت الخمس في غير المحتسب من الإرث غير بعيد ، ولا يخلوّ عن قوّة .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) السرائر 1 : 490 ، وهو في (الكافي في الفقه) : 170 .


ــ[217]ــ


كما إذا كان له رحم بعيد في بلد آخر (1) لم يكن عالماً به فمات ((1)) وكان هو الوارث له ، وكذا لا يترك الاحتياط في حاصل الوقف الخاصّ ((2)) (2) ،


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) الظاهر أ نّه لا يعتبر في صدق هذا العنوان ـ  أي الإرث الذي لا يحتسب  ـ عدم الكون في بلد الوارث ، ولا عدم العلم بوجوده ، بل يمكن فرضه حتى مع اجتماعهما في بلد واحد ومع العلم بالوجود ، كما لو فرض أخَوان أحدهما أصغر وله أولاد كثيرون بحيث لا يحتمل عادةً موته بجميع أولاده ليرثه الأكبر ولا سيّما إذا كان شيخاً عمره ثمانون سنة ـ مثلاً ـ والأصغر كهلاً عمره خمسون ، فصادف أن وقعت زلزلة أو صاعقة أو حرب فأهلكت الأصغر بجميع أولاده ، إمّا مع تأخّر موته عن أولاده أو مع اشتباه الحال ، وقد بقي الأكبر ، فكان طبعاً هو الوارث . فإنّ مثل هذا الإرث لم يكن بالحسبان .


   وبالجملة : العبرة بعدم كون الإرث محتملاً عادةً . وما في المتن مثالٌ ظاهر لهذه الكبرى من غير انحصار فيه ، ولعلّ الماتن لا يريده أيضاً كما لا يخفى .


   (2) لكونه ملكاً للموقوف عليه بلا حاجة إلى القبول ، إذ الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها ، فيكون كالوصيّة التمليكيّة بناءً على عدم احتياجها إلى القبول ، بل لا مقتضي للاحتياج إليه هنا وإن قلنا به في الوصيّة كما لا يخفى ، فيجري فيه ما مرّ فيها من وجوب الخمس ، لكونه فائدة عائدة إلى الموقوف عليه كالموصى له ، فيدخل في الغنائم بناءً على تفسيرها بذلك كما مرّ ، كما يشمله


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) وقد يتحقّق عدم الاحتساب في الرحم القريب في البلد مع العلم به أيضاً في بعض الفروض .


(2) بل الأظهر ذلك فيه وفي حاصل الوقف العام بعد القبض والتملّك .


ــ[218]ــ


بل وكذا في النذور (1) ، والأحوط استحباباً ثبوته في عوض الخلع والمهر ومطلق الميراث حتى المحتسب منه ونحو ذلك (2) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


قوله (عليه السلام) : «الخمس فيما أفاد الناس من قليل أو كثير» .


   وأمّا حاصل الوقف العام : فبما أنّ الموقوف عليه حينئذ هو الكلّي كعنوان العلماء دون الأشخاص ، ولا خمس إلاّ على ما يملكه المكلّف بشخصه ، فتعلّق الخمس منوط بقبض الموقوف عليه ليدخل في ملكه ، فمتى قبضه وملكه استقرّ عليه الخمس إذا زاد على المؤونة ، إذ يكون حاله حينئذ حال الهبة في أ نّه تكسّب بقبوله وقبضه .


   ومع قطع النظر عنه فهو داخل في عنوان الفائدة .


   (1) الحال فيها كما في الهبة ، فإنّ الملكيّة غير الاختياريّة لا تفرض في النذر كما لا يخفى ، بل تحتاج إلى القبول فتشبه الهديّة ، غايته أ نّها هديّة واجبة من أجل النذر فيجري فيها ما مرّ في الهديّة من أ نّها فائدة يجب تخميسها .


   (2) حذراً عن شبهة القول بالوجوب المحكيّ عن بعضهم ، وإن كان الأقوى ما في المتن من عدم الوجوب .


   والوجه فيه ما ذكره بعضهم من أنّ موضوع الحكم في وجوب الخمس هو الفائدة وما يغنمه الإنسان ويحصّله ، وهذا لا ينطبق على عوض الخلع ولا المهر .


   أمّا في المهر : فلأجل أ نّه إنّما يقع بإزاء الزوجيّة ، حيث إنّ الزوجة تجعل نفسها تحت تصرّف الزوج وسلطانه وطوع رغبته وإرادته ، فتمنحه اختيار نفسها وزمام أمرها في مقابل ما تأخذه من المهر ، فهو شبه معاوضة وإن لم يكن المهر ركناً في العقد ، نظير ما لو بدّل مالاً بمال كالكتاب بالفرس ، إذ قد أعطت 


ــ[219]ــ


شيئاً بإزاء شيء ، ولا يصدق على مثل ذلك الفائدة ، بل هو كما عرفت من قبيل تبديل مال بمال .


   ولا يقاس ذلك بباب الإجارات ، ضرورة أنّ متعلّق الإجارة من عمل أو منفعة ليس له بقاء وقرار ولا يمكن التحفّظ عليه ، فلو لم ينتفع منه هو أو غيره يتلف ويذهب سدى ، فإنّ الخيّاط لو لم يخط في الساعة الكذائيّة ثوب زيد ولا ثوب نفسه فعمله في هذه المدّة تالف لا محالة ، كما أنّ الدار لو بقيت خالية فمنفعتها تالفة ، فليس للعامل أن يبقي نفس العمل لنفسه ، إذ ليس له بقاء في اعتبار العقلاء ، بل هو تالف ـ طبعاً ـ سواء أعمل أم لا . وعليه ، فلو آجر نفسه أو داره من زيد وأخذ الاُجرة فيصحّ أن يقال : إنّه استفاد وربح ، إذ لو لم يفعل يتلف ويذهب سدى كما عرفت .


   وهذا بخلاف الزوجيّة ، إذ للزوجة أن تبقي السلطنة لنفسها وتكون هي المالكة لأمرها دون غيرها ، وهذه السلطنة لها ثبات وبقاء ، كما أنّ لها بدلاً عند العقلاء والشرع وهو المهر ، فما تأخذه من الزوج يكون بدلاً عمّا تمنحه من السلطنة ، فيكون من قبيل تبديل مال بمال ، ولا ينطبق على مثله عنوان الغنيمة والفائدة .


   على أنّ الخمس في باب الإجارة منصوص بالخصوص كما في صحيحة ابن مهزيار المتضمّنة لوجوب الخمس على الصانع وغيرها ممّا تضمنت الخمس في إجارة الضيعة .


   وأمّا المهر فمضافاً إلى أ نّه لا دليل على الخمس فيه بالخصوص ، قد قامت السيرة القطعيّة على خلافه ، إذ المسألة ممّا تعمّ بها البلوى في جميع الأعصار والأمصار ، فلو كان الوجوب ثابتاً لكان واضحاً ولم يقع فيه أيّ إشكال ، مع أ نّه لم يصرّح بوجوب الخمس فيه ولا فقيه واحد .


ــ[220]ــ


   فتحصّل : أنّ الفرق بين المهر والإجارة واضح ولا مجال لقياس أحدهما بالآخر ، فما ذكره من عدم الوجوب هو الأظهر .


   وممّا ذكرناه يظهر الحال في عوض الخلع ، فإنّه أيضاً بإزاء رفع الزوج يده عن سلطانه ، عكس المهر ، فالزوجة تأخذ المهر بإزاء إعطاء السلطنة ، وهنا يأخذ الزوج العوض بإزاء إزالة السلطنة ، فهما من واد واحد ، فلا يجب الخمس لا في نفس المهر ولا في عوض الخلع .


   ثمّ إنّ صاحب الوسائل عنون الباب الحادي عشر من أبواب ما يجب فيه الخمس بقوله : باب إنّه لا يجب الخمس فيما يأخذ الأجير من اُجرة الحجّ ، إلخ (1) . فكأنّ اُجرة الحجّ مستثناة من بقيّة الاجارات .


   وهذا أيضاً ممّا لم يقل به أحد من الفقهاء ، وقد تمسّك (قدس سره) في ذلك بما رواه الكليني بسنده الصحيح ـ في أحد طريقيه ـ عن علي بن مهزيار ، عن الرضا (عليه السلام) ، قال : كتبت إليه : يا سيِّدي ، رجل دُفع إليه مالٌ يحجّ به ، هل عليه في ذلك المال ـ حين يصير إليه ـ الخمس ، أو على ما فضل في يده بعد الحجّ ؟ فكتب (عليه السلام) : «ليس عليه الخمس» (2) .


   وأنت خبير بما فيها من قصور الدلالة وإن صحّ السند :


   أمّا أوّلاً: فلأجل أ نّه لم يفرض فيها أنّ المال المدفوع إليه كان بعنوان الاُجرة، ومن الجائز أن يكون قد بذل للصرف في الحجّ كما هو متعارف ومذكور في الروايات أيضاً من غير تمليك ولا عقد إجارة ، بل مجرّد البذل وإجازة الصرف في الحجّ . ومن الواضح عدم وجوب الخمس في مثل ذلك ، إذ لا خمس إلاّ فيما يملكه الإنسان ويستفيده ، والبذل المزبور ليس منه حسب الفرض .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 9 : 507 .


(2) الوسائل 9 : 507 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 11 ح 1 ، الكافي 1 : 459 / 22 .


ــ[221]ــ


   وأمّا ثانياً : فلقرب دعوى أنّ السؤال ناظر إلى جهة الوجوب الفعلي ، إذ لم يسأل أ نّه هل في المال خمس أو لا حتى يكون ظاهراً في الحكم الوضعي ليلتزم بالاستثناء ، بل يقول : هل عليه خمس ؟ ولا ريب أنّ كلمة «على» إذا دخلت على الضمير الراجع إلى الشخص ظاهرةٌ حينئذ في التكليف وغير ناظرة إلى الوضع . وعليه ، فلو سلّمنا أنّ الدفع كان بعنوان الإيجار فالسؤال ناظر إلى وقت الإخراج وأ نّه هل يجب الخمس فعلاً أو بعد العودة من الحجّ ؟ فجوابه (عليه السلام) : بأ نّه ليس عليه الخمس ، أي ليس عليه ذلك فعلاً ، لا أنّ هذا المال لم يتعلّق به الخمس .


   وعلى كلّ حال ، فلا ينبغي الإشكال في أ نّه لا فرق فيما ينتفع الإنسان بين اُجرة الحجّ وغيرها ، واحتمال التخصيص باطل جزماً .


تنبيه :


   قد عرفت فيما مرّ وجوب الخمس في أرباح عامّة التجارات والتكسّبات التي منها الإجارات .


   وهل يختصّ ذلك بإجارة الأعمال أو المنافع لسنة واحدة ، أو يعمّ الاُجرة المستلمة عن السنين العديدة ؟ فلو آجر نفسه للخياطة أو البناية سنتين ، أو آجر داره للسكنى عشر سنين ـ مثلاً ـ وتسلّم فعلاً تمام الاُجرة، فهل يجب عليه في انتهاء السنةتخميستمامماأخذهـبعداستثناءالمؤونة ـ لكونها بأجمعها من أرباح هذه السنة ؟ أو لا يجب إلاّ تخميس ما يتعلّق بهذه السنة فقط إن كان باقياً ولم يصرف في مؤونة السنة كما هو المفروض ، وأمّا الزائد عليه فهو من أرباح السنين الآتية ، فيراعي اُجرة كلّ سنة في سنتها ؟


   وهكذا الحال فيما لو فرضنا أ نّه آجر نفسه لعمل في السنة الآتية كفريضة الحجّ أو أ نّه آجر داره للسكنى في السنة الآتية وقد تسلّم الاُجرة فعلاً ، فهل 


ــ[222]ــ


يجب تخميسها إذا بقيت ولم تصرف في المؤونة ؟


   أمّا بالإضافة إلى إجارة الأعمال فلا ينبغي الإشكال في عدم احتساب الزائد على السنة الواحدة ، لعدم صدق الفائدة على الأكثر من ذلك ، فإنّه وإن ملك اُجرة السنة الآتية وقد تسلّمها حسب الفرض إلاّ أ نّه بإزاء ذلك مدينٌ فعلاً بنفس العمل في السنة الآتية ، ولا بدّ من استثناء الدين في تعلّق الخمس ، فإنّه من المؤن فلا يصدق أ نّه استفاد بلا عوض ليتعلّق به الخمس .


   فالمقام نظير ما لو استدان مبلغاً وبقي عنده إلى نهاية السنة ، فإنّه لا خمس فيه وإن كان ملكاً له ، لكونه مديناً بمقداره للغير ، ولا فرق في استثناء الدين بين المتعلّق بالأموال أو الأعمال، لاشتغال الذمّة الموجب للاحتساب من المؤونة في الموردين بمناط واحد كما هو ظاهر، فلا يصدق في شيء منهما عنوان الفائدة.


   وأمّا بالنسبة إلى إجارة المنافع فصريح بعض الأعاظم (1) (قدس سرهم) هو الاحتساب ، وكأ نّه لأجل عدم كون المنفعة ديناً فلا تقاس بالعمل ، فكانت الاُجرة منفعة خالصة ومصداقاً للفائدة فوجب تخميسها بعد دخولها في عنوان الإجارات .


   ولكنّه غير ظاهر ، لاستيجاب هذا النوع من الإيجار نقصاً في ماليّة العين بطبيعة الحال ، ضرورة أنّ الدار المسلوبة المنفعة عشر سنين ـ مثلاً ـ أو أقلّ تسوى بأقلّ منها لو لم تكن مسلوبة ، فكانت تقوّم بألف والآن بثمانمائة ـ مثلاً ـ ولا شكّ أنّ هذا النقص لا بدّ من احتسابه ومراعاته عند ملاحظة الفائدة . فلا يستثني من الاُجرة التي تسلّمها خصوص مؤونة هذه السنة ، بل يراعي النقص المزبور أيضاً .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) هو السيِّد الحكيم (قدس سره) في منهاجه في مسألة 45 من كتاب الخمس .


ــ[223]ــ


   [ 2926 ] مسألة 50 : إذا علم أنّ مورثه لم يؤدّ خمس ما تركه وجب إخراجه ((1)) (1) ، سواء كانت العين التي تعلّق بها الخمس موجودة فيها أم كان الموجود عوضها ، بل لو علم ((2)) باشتغال ذمّته بالخمس وجب إخراجه من تركته مثل سائر الديون .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   فلو فرضنا أنّ الدار تسوى ألف دينار ، وقد آجرها عشر سنين بأربعمائة دينار ، وتسلّم الاُجرة بتمامها ، وصرف منها في مؤونته مائة دينار ، فكان الباقي له عند انتهاء السنة ثلاثمائة دينار ، لم يجب الخمس في تمامه ، بل ينبغي تخريج مقدار يجير به النقص الوارد على الدار الناشئ من كونها مسلوبة المنفعة تسع سنين . فلو فرضنا أنّ قيمتها في هذه الحالة ثمانمائة دينار فنقصت عن قيمتها السابقة مائتان ، يستثني ذلك عن الثلاثمائة ، ولم يجب الخمس إلاّ في مائة دينار فقط ، إذ لم يستفد أكثر من ذلك ، ولا خمس إلاّ في الغنيمة والفائدة دون غيرها .


   (1) قد يكون الخمس ديناً في ذمّة الميّت ، واُخرى عيناً في تركته إمّا مع بقائها أو مع تبدّلها بعين اُخرى كما هو المتعارف خارجاً ، حيث يربح أوّل السنة مقداراً ثمّ يشتري به شيئاً آخر ثمّ يبيعه ويشتري به آخر وهكذا ، فيكون الثاني بدلاً عمّا تعلّق به الخمس أوّلاً .


   أمّا في الدين : فلا ينبغي الشكّ في وجوب الإخراج من التركة ، إذ لا إرث إلاّ بعد الدين ، بمقتضى قوله تعالى : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَو دَيْن)(3) .


   وأمّا في العين : فإن كان الميّت ملتزماً بالخمس ولكن لم يحن أوانه فمات


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) على الأحوط .


(2) وجوب الإخراج فيه أظهر من سابقه .


(3) النساء 4 : 11 .


ــ[224]ــ


   [ 2927 ] مسألة 51 : لا خمس فيما ملك ((1)) بالخمس أو الزكاة أو الصدقة المندوبة (1) وإن زاد عن مؤونة السنة . نعم ، لو نمت في ملكه ففي نمائها يجب كسائر النماءات .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أثناء السنة أو أ نّه تساهل وتسامح قليلاً في أدائه فصادف حتفه ، فلا ينبغي الإشكال أيضاً في وجوب الإخراج ، إذ لم يدلّ دليل على السقوط بالموت ، فإنّ المال كان مشتركاً بين المالك وأرباب الخمس ، ولا دليل على رفع الاشتراك وانقلابه إلى الاختصاص بالورثة .


   وأمّا إذا لم يكن ملتزماً بالخمس ، أو لم يكن معتقداً ، فهل تشمل أدلّة التحليل مثل ذلك ، أو لا ؟


   فيه كلام سيأتي البحث حوله إن شاء الله تعالى في المسألة الأخيرة من كتاب الخمس (2) عند تعرّض الماتن لما إذا انتقل المال ممّن لا يعتقد بالخمس ، ونتكلّم في نصوص التحليل من جهة الشمول للإرث وعدمه .


   (1) كما عن جماعة من الأصحاب ، وعلّله بعضهم بأنّ المستحقّ من السادة أو الفقراء يدفع إليه ما هو ملك له ويطلبه ، ومعه يشكل صدق الفائدة ، لانصرافها عنه .


   ولكن هذا الوجه لعلّه واضح الاندفاع :


   إذ فيه أوّلاً : أ نّه لا يجري في الصدقة المندوبة .


   وثانياً : أ نّه لا يجري في الزكاة ، بناءً على ما مرّ من أنّ الفقير مصرف للزكاة 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) فيه إشكال ، والتخميس أحوط إن لم يكن أقوى .


(2) في ص 354 .


ــ[225]ــ


لا أ نّه مالك لها . وعلى تقدير التسليم فالمالك هو طبيعي الفقير ، وأمّا الشخص فإنّما يملكه بالقبض ، فيحصل على ملك وفائدة بعد أن كان بشخصه فاقداً لها ، كما هو الحال في الخمس ، حيث إنّه ملك لكلّي السادة .


   وثالثاً : منع الكبرى ، إذ لا منافاة بين مطالبة الملك وبين صدق الفائدة ، فإنّ الأجير أيضاً يطلب ملكه وهو الاُجرة ، كما أنّ من باع بأكثر من الثمن يطلب ما يملكه مع صدق الفائدة فيهما بالضرورة .


   نعم ، لو كان موضوع الخمس عنوان التكسّب لم يجب في المقام ، لانتفاء الموضوع . أمّا إذا كان الموضوع مطلق الفائدة كما مرّ غير مرّة فهي صادقة على الكلّ ، والملكيّة لو لم تكن معاضدة لم تكن معاندة . فالأظهر وجوب الخمس حتى في الخمس والزكاة فضلاً عن الصدقة المندوبة .


   نعم ، إنّ هاهنا إشكالاً معروفاً تعرّضوا له في بحث حجّيّة الخبر الواحد ، وهو أنّ دليل الحجّيّة لا يشمل الأخبار مع الواسطة ، نظراً إلى لزوم تحقّق الخبر وفرض وجوده قبل تعلّق الحكم عليه بالحجّيّة ، ضرورة سبق الموضوع على الحكم ، مع أنّ خبر الواسطة ـ كالمفيد ـ إنّما يتحقّق لدينا بعد الحكم بحجّيّة خبر العادل لكي نتعبّد بصدق من يخبرنا عنه بلا واسطة كالشيخ ، فخبر المفيد يتوقّف ثبوته على حجّيّة الخبر ، مع أنّ الحجّيّة متوقّفة على فرض وجوده كما عرفت .


   فعلى ضوء هذا الإشكال يستشكل في المقام أيضاً بأنّ ملكيّة السادة للخمس إنّما كانت بأدلّة الخمس ، فهذه الفائدة مترتّبة على تشريع الخمس فلا تكون موضوعاً للخمس .


   والجواب عنه في الموردين بكلمة واحدة ، وهي أنّ القضيّة انحلاليّة ، وكلّ فرد من الحكم يولّد موضوعاً يتعلّق به حكم آخر ، نظير قيام البيّنة على قيام البيّنة ، حيث تثبت بالبيّنة الاُولى بيّنة اُخرى تثبت لها الحجّيّة ، فالحكم الثابت 


ــ[226]ــ


للفرد الأوّل يشكّل الحكم الثابت للفرد الآخر وإن اُنشئ الكلّ بانشاء واحد وعلى سبيل القضيّة الحقيقيّة . فلا مانع إذن من تعلّق الخمس بكلّ ما هو مصداق للفائدة وإن كان تكوّنها معلولاً لتشريع الخمس وإيجابه بعد أن كان الوجوب انحلاليّاً لا حكماً وحدانيّاً . وهكذا الحال في الزكاة .


   وأمّا الصدقة فالأمر فيها أوضح ، إذ هي عين الهبة ، ولا فرق إلاّ من ناحية اعتبار قصد القربة غير المؤثّر في صدق ما هو موضوع الخمس ، أعني : الفائدة بالضرورة .


   نعم ، هناك رواية وردت في خصوص الخمس استدلّ بها صاحب الوسائل على عدم وجوبه فيما يصل من صاحب الخمس ، وهي رواية ابن عبد ربّه ، قال : سرّح الرضا (عليه السلام) بصلة إلى أبي ، فكتب إليه أبي : هل عليّ فيما سرّحت إليّ خمس ؟ فكتب إليه : «لا خمس عليك فيما سرّح به صاحب الخمس»(1) .


   فربّما يتوهّم دلالتها على أنّ ما اُخذ خمساً فلا خمس فيه .


   ولكنّه كما ترى ، فإنّ الرواية ـ لو تمّت ـ خاصّة بموردها أعني : ما إذا كان المعطي هو الإمام (عليه السلام) الذي هو صاحب الخمس دون غيره ، إذ الصاحب هو من له الولاية على الخمس ، وهو خصوص الإمام كما يفصح عنه (عليه السلام) : «والله ما له صاحب غيري» ، فغايته أنّ هديّة الإمام المسرّح بها منه أو من قبل نائبه على القول بملكيّة سهم الإمام (عليه السلام) لا خمس فيها ولا ربط لها بما نحن فيه من عدم الخمس فيما ملك بالخمس .


   وإن شئت قلت : إنّ الرواية تنفي الخمس عن المال المملوك هديّةً لا المملوك خمساً الذي هو محلّ الكلام ، فلا تدلّ بوجه على أنّ السيِّد إذا أخذ المال ممّن


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 9 : 508 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 11 ح 2 .


ــ[227]ــ


   [ 2928 ] مسألة 52 : إذا اشترى شيئاً ثمّ علم أنّ البائع لم يؤدّ خمسه كان البيع بالنسبة إلى مقدار الخمس فضوليّاً ((1)) (1) ، فإن أمضاه الحاكم رجع عليه بالثمن ويرجع هو على البائع إذا أدّاه ، وإن لم يمض فله أن يأخذ مقدار الخمس من المبيع ، وكذا إذا انتقل إليه بغير البيع من المعاوضات ، وإن انتقل إليه بلا عوض يبقى مقدار خمسه على ملك أهله .


   [ 2929 ] مسألة 53 : إذا  كان عنده من الأعيان التي لم يتعلّق بها الخمس


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وجب عليه الخمس لم يجب عليه الخمس .


   وتوهم أنّ المراد بالصاحب هو السيِّد واضح الضعف ، فإنّه مصرفه وليس بصاحبه .


   على أنّ الرواية ضعيفة السند بسهل بن زياد ، فلا يعوّل عليها .


   (1) لأ نّه باع ما لا يملك ، فللحاكم الشرعي الذي هو وليّ الأمر الإمضاء إن رأى فيه مصلحة ، وإلاّ فيبطل ، وله الرجوع حينئذ إلى أيٍّ منهما شاء من جهة تعاقب الأيدي كما في سائر المعاملات الفضوليّة ، وقد تقدّم كلّ ذلك مستقصىً في باب الزكاة وقلنا : إنّ البائع إذا أدّى بعد ذلك يحكم بالصحّة من غير حاجة إلى الإجازة ، لدخوله في كبرى من باع ثمّ ملك ، وذكرنا رواية دلّت عليه وردت في الركاز (2) .


   ولكن هذا كلّه مبني على عدم شمول نصوص التحليل للمقام ـ أعني :


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) لا تبعد صحّة البيع وتعلّق الخمس بالثمن ، وصحّة النقل بلا عوض مع تعلّق الخمس بذمّة الناقل ، كلّ ذلك فيما إذا كان المنتقل إليه شيعيّاً .


(2) شرح العروة 23 : 379 ـ 380 .


ــ[228]ــ


أو تعلّق بها لكنّه أداه فنمت وزادت زيادةً متّصلةً أو منفصلةً وجب الخمس في ذلك النماء(1) ، وأمّا لو ارتفعت قيمتها السوقيّة من غير زيادة عينيّة لم يجب خمس تلك الزيادة ، لعدم صدق التكسّب ولا صدق حصول الفائدة . نعم ، لو باعها لم يبعد وجوب خمس((1)) تلك الزيادة من الثمن . هذا إذا لم تكن تلك العين من مال التجارة ورأس مالها ، كما إذا كان المقصود من شرائها أو إبقائها في ملكه الانتفاع بنمائها أو نتاجها أو اُجرتها أو نحو ذلك من منافعها . وأمّا إذا كان المقصود الاتّجار بها فالظاهر وجوب خمس ارتفاع قيمتها بعد تمام السنة إذا أمكن بيعها وأخذ قيمتها .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الخمس ـ بدعوى اختصاصها بالمال الواصل ممّن لا يعتقد الخمس . وعليه ، فيجري في الخمس ما أسلفناه في الزكاة بمناط واحد .


   وأمّا لو عمّمنا تلك النصوص للمال الواصل من كلّ من لم يؤدّ خمسه ولو عصياناً بحيث تشمل فسّاق الشيعة ـ كما لا يبعد على ما سيجيء إن شاء الله تعالى (2) ـ فالمعاملة حينئذ إذا كان المشتري مؤمناً ممضاة وصحيحة ولم تكن فضوليّة ، غايته أنّ الخمس ينتقل إلى البدل إن كان لها بدل كالبيع ، وإلاّ فإلى الذمّة كما في مثل الهبة .


   (1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة لحكم الزيادة العينيّة من النماء المنفصل أو المتّصل ، أو الحكميّة كارتقاء القيمة السوقيّة بالإضافة إلى المال 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) هذا إذا كان الانتقال إليه بشراء أو نحوه من المعاوضات ، وأمّا في غير ذلك كموارد الإرث والهبة بل المهر فالظاهر عدم الوجوب حتى فيما إذا كان المقصود من الإبقاء الاتّجار به .


(2) في ص 354 .


ــ[229]ــ


الذي لم يتعلّق به الخمس من أصله كالإرث أو الذي قد أدّى خمسه ، فهل يجب الخمس في تلك الزيادة أو لا ؟


   أمّا في النماء المنفصل ـ كنتاج الحيوان ويلحق به ثمر البستان ـ فلا ينبغي الشكّ فيه ، والظاهر أ نّه لم يستشكل فيه أحد ، فإنّه موجود مستقلّ منعزل عمّا لا خمس فيه ، ومصداق بارز للفائدة ، فلا مناص من تخميسه .


   نعم ، بناءً على اختصاص الخمس بالكسب لم يجب ، إذ لا كسب في مورد النماء المزبور ، فإنّه قد ورث مقداراً من الحيوان فأولدت ، أو البساتين فأثمرت ، لكن تقدّم بطلان المبنى وأنّ عنوان التكسّب لا مدخل له ، بل العبرة بصدق الفائدة التي لا ينبغي الشكّ في تحقّقها في المقام .


   وعلى الجملة: ففي النماء المنفصل وما يلحق به ممّا هو في معرض الانفصال ـكالثمارـ لا ينبغي الإشكال في وجوب الخمس .


   وهكذا الحال في النماء المتّصل ممّا كانت للزيادة ماليّة عرفاً كالسمن ونمو الشجر ونحو ذلك، فإنّ الزائد والمزيد عليه وإن كانا في الخارج موجوداً وحدانيّاً لا تعدّد فيه إلاّ أ نّه لا ينبغي التأمّل في صدق الحصول على فائدة كان فاقداً لها ، حيث كانت عنده قبل هذا سخال وزن الواحدة منها عشر كيلوات ـ مثلاً ـ فنمت وأصبحت أغناماً وزن الواحدة منها خمسون كيلو غراماً ـ مثلاً ـ أو أزيد ، أو كان عنده فسيل وهو الآن شجر كبير .


   نعم ، هذه الزيادة لم تتحصّل بالاكتساب وإنّما هي فائدة منحها الله تعالى ، فبناءً على تعلّق الخمس بعامّة الفـوائد وإن لم تستند إلى الكسب ـ كما مرّ ـ وجب الخمس في المقام أيضاً .


   وعلى الجملة : فمنشأ الخلاف في وجوب الخمس في النماء المتّصل صدق عنوان الفائدة وعدمه ، وإلاّ فلم يرد فيه نصّ خاصّ نفياً أو إثباتاً ، وقد عرفت 


ــ[230]ــ


تحقّقه ، فلا ينبغي التأمّل في وجوب تخميس الزيادة العينيّة متّصلة كانت أم منفصلة .


   إنّما الكلام في الزيادة الحكميّة الناشئة عن ارتفاع القيمة السوقيّة التي تتّفق في جميع الأجناس ولا سيّما الأراضي مع بقاء العين على حالها كمّاً وكيفاً ، فهل يجب الخمس في هذه الزيادة ، أو لا يجب ، أو أنّ فيه تفصيلاً ؟


   فنقول : لا كلام في وجوب خمس هذه الزيادة فيما لو حصلت في عين كانت متعلّقة للخمس ولم يؤدّ خمسها ، ضرورة أنّ خمس تمام العين ملك للسادة ، وكما ترقّت قيمة أربعة أخماسها ترقّت قيمة خمسها ، فيجب الخروج عن عهدة خمس العين بقيمتها الفعليّة . وهذا واضح ، بل هو خارج عن محلّ الكلام .


   وإنّما الكلام فيما إذا لم تكن العين متعلّقة للخمس من الأوّل كما في الإرث ، أو كانت ولكن أدّى خمسها فأصبح المال بتمامه ملكاً طلقاً له ، وقد زادت القيمة عندئذ .


   وهذا قد يفرض في المال الذي ملكه من غير معاوضة كالمنتقل إليه بالإرث أو الإحـياء مع حاجته إلى ما أحيا لأجل الصرف في السكنى ـ مثلاً ـ أو الاستيلاء على مال مباح لا ربّ له من البرّ أو البحر أو هبة مصروفة في المؤونة ، كما لو بذل له أحد داراً للسكنى ، أو قلنا : إنّ الهبة لا خمس فيها ، ونحو ذلك ممّا تملّكه بلا عوض ومن غير أن يقع بإزائه مال ، بل انتقل بما له من الخصوصيّة .


   واُخرى : يفرض فيما تملّكه بسبب المعاوضة من شراء ونحوه ، بحيث يكون المقصود التحفّظ على الماليّة والتبدّل في الخصوصيّة كما هو الشأن في عامّة المعاوضات .


   أمّا في الأوّل : فلا ينبغي التأمّل في أنّ زيادة القيمة لا تعدّ فائدة حتى ولو 


ــ[231]ــ


باع العين بأغلى الثمن ، إذ لا يصدق عرفاً أ نّه استفاد شيئاً ، بل غايته أ نّه بدّل عيناً مكان عين اُخرى لا أ نّه ربح وغنم ، إذ لم يشتر شيئاً حتى يربح أو يخسر ، والأمر مع عدم البيـع أوضح ، لبقاء العين عنده كما  كانت بلا زيادة شيء ، والارتفاع أمر اعتباري ينتزع من كثرة الباذل ، فكان مالكاً للبستان ـ مثلاً ـ والآن كما كان يملكه على ما هو عليه ، زادت قيمته أم نقصت .


   وعلى الجملة : فسواء باع أم لم يبع لم يربح ، فلم تتحقّق فائدة حتى يجب خمسها .


   ويلحق به ما هو شبه المعاوضة كالمهر الذي هو بإزاء الزوجيّة ، فلو أمهرها داراً أو عقاراً أو بستاناً فترقّت قيمتها لم يجب خمسها ، سواء باعها أم لا ، لعين ما عرفت .


   ولا يبعد أنّ عبارة الماتن ـ أعني قوله : نعم ، لو باعها لم يبعد ، إلخ ـ منصرفة عن هذا الفرض وناظرة إلى الفرض الآتي ، أعني : ما  كان الانتقال بسبب المعاوضة من شراء ونحوه ، بقرينة قوله (قدس سره) بعد ذلك : كما إذا  كان المقصود من شرائها ، إلخ .


   وكيفما كان ، فلا ينبغي التأمّل في عدم وجوب الخمس في الزيادة في هذه الصورة ، لعدم صدق الفائدة ، من غير فرق بين صورتي البيع وعدمه حسبما عرفت .


   وأمّا في الفرض الثاني ـ أعني : ما لو استند التملّك إلى المعاوضة من شراء ونحوه ـ فقد يكون المقصود منها الاتّجار بالتحفّظ على الماليّة وازديادها من غير نظر إلى خصوصيّة المال كما هو الحال في أغلب التجّار .


   واُخرى : يكون الغرض منها الانتفاع من نفس العين كسكنى الدار أو ركوب السيّارة ، أو من اُجرتها كما لو أعدهما للإيجار ، أو من نمائها أو نتاجها كما لو 


ــ[232]ــ


اشترى غنماً أو بقراً لينتفع من أصوافها أو ألبانها أو ما يتولّد منها ولو ببيع ونحوه مع التحفّظ على أصل العين كما هو المفروض .


   أمّا في القسم الثاني : فلا ينبغي التأمّل في أ نّه ما لم يبع العين لا يصدق الربح ، فلا يستوجب ترقّي القيمة صدق عنوان الفائدة لتخمس . نعم ، يتحقّق الصدق بعد البيع ، إذ كان قد اشترى البقرة بخمسين ـ مثلاً ـ وباعها بمائة ، فتكون الخمسون الزائدة ربحاً وفائدةً عرفاً ، فيصحّ أن يقال : إنّه ربح في هذه المعاملة كذا مقداراً .


   فيفصّل في هذا القسم بين البيع وعدمه ، فلا يجب الخمس في الثاني ، لانتفاء الفائدة ، ويجب في الأوّل ، لحصول الزيادة على ما اشترى ، وهو معنى الربح عرفاً ، فإنّه إنّما يقاس بالإضافة إلى رأس المال ، فكان مائة فصار ألفاً ـ  مثلاً  ـ فقد ربح تسعمائة .


   ثمّ إنّ هذا واضح فيما إذا كان الثمن من جنس ما اشترى كالمثال ، وأمّا إذا باعه بجنس آخر كالعروض ـ كما لو اشترى شياه بالدنانير ثمّ باعها بالبعير ـ فهل يجب الخمس حينئذ ؟


   استشكل فيه بعضهم ، للتشكيك في صدق الفائدة . ولكنّه في غير محلّه .


   ولا فرق في صدق الزيادة المحقّقة لعنوان الفائدة بين كون الثمن من النقود أو العروض ، إذ الاعتبار ـ في نظر العقلاء ـ لدى ملاحظة المعاملة ومقايسة الربح وعدمه بماليّة ما يدخل في الكيس عوضاً عمّا خرج، ولا نظر بوجه إلى الخصوصيّة الشخصيّة . ومن ثمّ تراهم لا يرتابون في صدق الفائدة مع الزيادة المزبورة .


   وإن باعه بنقد آخر غير النقد الذي اشترى به أوّلاً ، كما لو اشترى الشاة بدينار فباعها بليرة ذهبيّة أو ريال سعودي أو إيراني ، فيصحّ أن يقال : إنّه ربح كذا ديناراً ، نظراً إلى أ نّه تلاحظ قيمة الدينار لا شخصه . فلا فرق إذن في


ــ[233]ــ


   [ 2930 ] مسألة 54 : إذا اشترى عيناً للتكسّب بها فزادت قيمتها السوقيّة ولم يبعها غفلةً أو طلباً للزيادة ثمّ رجعت قيمتها إلى رأس مالها أو أقلّ قبل تمام السنة (1) لم يضمن خمس تلك الزيادة ، لعدم تحقّقها في الخارج . نعم ، لو لم يبعها عمداً


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


صدق الفائدة بين كون الثمن الثاني من جنس الثمن الأوّل أو من غيره . وعلى الثاني لا فرق بين النقود والعروض ، لكون الملحوظ هي الماليّة التي هي الميزان عند العقلاء حسبما عرفت .


   وأمّا في القسم الأوّل ، أعني ما إذا كان المقصود من المعاوضة التجارة والازدياد في الماليّة من غير نظر إلى الخصوصيّات الفرديّة ، كما هو شأن عامّة التجّار ، حيث إنّ كلّ من أعدّ نفسه للاتّجار كالبقّال الذي يبيع الأرز والحبوبات ونحوها لا همّ له بعد المحافظة على أصل المال سوى الزيادة على الماليّة والعثور على الغنيمة والفائدة من غير نظر إلى الخصوصيّات والأشخاص ، فحينئذ لو اشترى السلعة أوّل السنة رخيصاً فازدادت القيمة آخر السنة فالظاهر وجوب الخمس في الزيادة ، لصدق الربح والفائدة من غير أن يتوقّف الصدق المزبور عرفاً على تحقّق البيع خارجاً ، فإنّ الاستفادة في نظر العقلاء منوطة بزيادة القيمة المقتضية لإمكان التبديل بمال أكثر ، ولا تعتبر فعليّة التبديل .


   وبهذا الاعتبار يقال : إنّ فلاناً أكثر ثروة من فلان ، أي أنّ الأموال التي يملكها يمكن بيعها بأكثر ممّا يباع به مال الآخر . فالعبرة بأوفريّة القيمة لا بفعليّة التبديل خارجاً . وعليه ، فيجب الخمس في زيادة القيمة ، سواء أباع بالزيادة أم لم يبع ، كما أفاده في المتن .


   (1) فصّل (قدس سره) بين ما إذا كان التنزّل قبل تمام السنة ، وبين ما إذا 


ــ[234]ــ


كان بعدها ، وحكم بالضمان في خصوص الثاني ، وعلّل عدمه في الأوّل بعدم تحقّق الزيادة في الخارج .


   أقول : الظاهر أ نّه (قدس سره) لا يريد الزيادة الماليّة ، كيف؟! وهي لا تتوقّف على البيع الخارجي كما صرّح (قدس سره) به في المسألة السابقة ، ولأجله التزم هناك بوجوب خمس الارتفاع بمجرّد التمكّن من البيع وإن لم يتحقّق خارجاً .


   ولا يبعد أ نّه (قدس سره) يريد به الزيادة على مؤونة السنة ، حيث إنّ الخمس وإن تعلّق أوّل ظهور الربح إلاّ أنّ استقرار الوجوب إنّما هو بعد انتهاء السنة وفيما يزيد على المؤن المصروفة فيها أو التالفة قهراً خلالها كما في المقام ، فلا خمس إلاّ فيما يبقى له خالصاً زائداً عمّا تلف وما صرف ، ولا شكّ أنّ الزيادة بهذا المعنى غير متحقّقة في المقام ، لفرض تنزّل القيمة أثناء السنة بعد ارتفاعها ، فقد تلفت تلك الزيادة خلال السنة وقبل أن يستقرّ الوجوب ، ومن الواضح عدم كونه موجباً للضمان بعد أن رخّص له الشارع في التأخير فضلاً عن استناده إلى الغفلة أو كونه بنيّة صالحة ولغاية عقلائيّة وهي طلب الزيادة فاتّفق العكس ، فلم يكن مثل هذا الإبقاء والتأخير تعدّياً ولا تفريطاً في حقّ السادة ليستتبع الضمان .


   وبذلك افترق هذا الفرض عن الفرض الثاني ـ أعني : ما كان التنزّل في القيمة بعد انقضاء السنة واستقرار وجوب الخمس ـ إذ هنا قد تحقّقت الزيادة على المؤونة خارجاً بحيث يصحّ أن يقال : إنّ هذه زيادة لم تتلف ولم تصرف في مؤونة السنة فيجب خمسها ، فلو أخّر عمداً ضمن لو تنزّلت وإن كان من قصده زيادة الربح ، إذ ليس للمالك الولاية على ذلك حتى إذا كان بصالح أرباب الخمس في اعتقاده .


   وعلى الجملة : يفترق الفرض الأوّل عن الثاني في عدم صدق الزيادة على


ــ[235]ــ


بعد تمام السنة واستقرار وجوب الخمس ضمنه ((1)) (1) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


المؤونة في الأوّل ، فلا خمس كما لا ضمان لو تنزّلت ، لأنّ التأخير كان بترخيص شرعي وإجازة من وليّ الأمر ، وهذا بخلاف الثاني ، إذ بعد فعليّة الوجوب من أجل صدق الزيادة على المؤونة خارجاً كان التأخير غير المستند إلى الترخيص الشرعي ولو كان لغرض عقلائي تعدّياً وتفريطاً ، فيضمن لا محالة بعد كونه عامداً وغير معذور شرعاً في عدم البيع كما افترضه في المتن .


   (1) لا يخفى أنّ ظاهر العبارة تعلّق الضمان بالخمس من تلك الزيادة التالفة بالتنزّل ، فيكون الضمان بمقدار الخمس ممّا تلف ، فلو فرضنا أنّ قيمة العين كانت خمسين ديناراً فزادت وصارت في آخر السنة مائة دينار ثمّ رجعت بعد تمام السنة إلى الخمسين ، ضَمِنَ عشرة دنانير التي هي خمس الخمسين التالفة بعد زيادتها .


   بل قد يفرض استيعاب الخمس لجميع المال ، كما لو كانت قيمة العين عشرين ديناراً فزادت ترقّياً فاحشاً حتى بلغت مائة وعشرين ديناراً ثمّ تنزّلت إلى ما كانت عليه من العشرين ، فيجب حينئذ دفع تمام العشرين الذي هو خمس المائة الزائدة . بل قد يحتاج إلى الإتمام من مال آخر ، كما لو بلغت القيمة في المثال المزبور إلى تمام المائتين فكانت القيمة الزائدة على أصل المال مائة وثمانين ديناراً ثمّ تنزّلت إلى ما كانت عليه من العشرين ، فإنّ اللازم حينئذ دفع ستّة وثلاثين ديناراً خمس القيمة الزائدة ، فيزيد الخمس على أصل المال بستّة عشر ديناراً .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في التعبير بالضمان مسامحة ، والصحيح أن يقال : إنّه لم يسقط الخمس عن الباقي بالنسبة .


ــ[236]ــ


   وعلى الجملة : فظاهر ما في المتن من التعبير بالضمان هو ما ذكرناه ، مع أ نّه لا دليل عليه بوجه ، ضرورة أنّ نقصان الماليّة لا يستوجب الضمان بتاتاً ، لانحصار موجب الضمان بتلف المال ، إمّا ذاتاً أو وصفاً ، كما لو جعله معيباً ، حيث يضمن حينئذ صفة الصحّة ، وأمّا تلف الماليّة التي هي أمر اعتباري لا تكاد تقع تحت اليد فليس هو من موجبات الضمان ، إلاّ إذا أتلف تمام الماليّة بحيث كانت العين معه في حكم التالف وإن كانت موجودة ، كما لو غصب نقداً رائج المعاملة ـ كالدينار ـ فسقط عن الاعتبار وأصبح قرطاساً لا يسوى فلساً واحداً ، فإنّه نظير المال الملقى في البحر في السقوط عن الماليّة وإن كانت العين موجودة . وأمّا دون البلوغ هذا الحدّ بحيث كانت الماليّة باقية وإن نقصت عمّا كانت عليه فطرأ التلف على مقدار من الماليّة لا على نفس المال ، فلم يدلّ أيّ دليل على ضمانها .


   ومن ثمّ لو غصب مالاً فأبقاه عنده حتى نزلت قيمته السوقيّة ثم ردّه إلى المالك خرج عن عهدة الضمان وإن كان آثماً ، إذ أنّ ضمان اليد مغيّى بالأداء بمقتضى ما ورد من قوله أنّ : «على اليد ما أخذت حتى تؤدِّي» (1) ، وقد أدّى العين بنفسها حسب الفرض ، ولا دليل على ضمان الماليّة التالفة التي هي أمر اعتباري لا تقع تحت اليد كما عرفت .


   وعليه ، فالتعبير بالضمان كما جاء في المتن كأ نّه في غير محلّه ، بل كان الأولى أن يعبّر بعدم سقوط الخمس بدلاً عن التعبير بالضمان، إذ لاموجب لسقوط الخمس ـ بعد استقراره ـ بالتنزّل ، بل هو بعدُ باق في العين ، فتخمّس نفس هذه العين بنفس تلك النسبة التي كانت عليها .


   ففي المثال السابق حينما ترقّت العين من العشرين إلى المائة والعشرين وتعلّق الخمس بالمائة الزائدة ، فبما أنّ المالك يملك رأس المال بضميمة أربعة أخماس 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) المستدرك 14 : 7 / كتاب الوديعة ب 1 ح 12 .


ــ[237]ــ


الزيادة فمرجع ذلك إلى تعلّق حقّ السادة بسدس ماليّة العين الفعليّة ، لأنّ نسبة العشرين الذي هو خمس الزيادة إلى المائة والعشرين التي هي القيمة الفعليّة هي السدس ، فإذا تنزّلت القيمة ورجعت إلى ما كانت عليه من العشرين تستحقّ السادة حينئذ من العين نفس النسبة التي كانوا يستحقّونها أوّلاً ـ أعني : السدس ـ فتقسّم العشرون ستّة أجزاء : جزء للسادة ، والباقي للمالك ، لا أ نّه يضمن ذلك الخمس لكي يؤدِّي تمام العشرين .


   وهكذا الحال في بقيّة الموارد ، فلو كان رأس المال ثمانين ديناراً فربح آخر السنة عشرين فكان الخمس أربعة التي نسبتها إلى المائة نسبة الواحد إلى الخمسة والعشرين ، فلو رجعت القيمة إلى الأوّل ـ أعني : الثمانين ـ قسّمت على خمسة وعشرين ، وكان جزء منها خمساً والباقي للمالك ، وهكذا .


   ولكن هذا المعنى لا يساعده ظاهر العبارة ، بل ظاهرها ضمان نفس الخمس من الزيادة التالفة ، وقد عرفت أ نّه لا وجه له ، لعدم استيجاب نقص الماليّة للضمان في أيّ مورد كان، حتى في موارد الغصب الذي هو من أشدّ أنواع الضمان ، بحيث ورد ـ كما قيل ـ أنّ الغاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال ، فمع بقاء العين يجب الأداء من ماليّة العين على النسبة التي كانت عليها سابقاً حسبما عرفت .


   والتحقيق : ابتناء المسألة على كيفيّة تعلّق الخمس بالأعيان :


   فبناءً على أنّ الخمس متعلّق بالعين ـ كما هو ظاهر أدلّة وجوبه ، وقد صرّح به الماتن (قدس سره) في المسألة 75 ـ فلا أثر لتنزّل القيمة بعد تعلّق الوجوب وتأخير الأداء في الضمان ، فإنّ متعلّق الحقّ هو نفس العين الخارجيّة وهي موجودة من دون نقصان ، وإنّما النقيصة في أمر اعتباري وهو القيمة ، ولا موجب للضمان بالإضافة إليه .


   ولا فرق في ذلك بين القول بأنّ التعلّق من باب الإشاعة كما هو الصحيح ، أو 


ــ[238]ــ


من باب الكلّي في المعيّن على ما اختاره ، فإنّ متعلّق الحقّ على كلا التقديرين هو الخمس من العين الموجودة ، وإنّما يفترقان في جواز التصرّف في غير مقدار الخمس قبل أدائه وعدم جوازه ، وهذا أمر آخر خارج عن محلّ الكلام .


   نعم ، إذا قلنا أنّ الخمس متعلّق بالماليّة وأ نّها من قبيل الكلّي في المعيّن ، وجب الخروج عن عهدة ذاك المقدار المعيّن من الكلّي ، ولا أثر لتنزّل القيمة أو ارتفاعها في ذلك أبداً ، نظير ما لو كان الميّت مديناً بمبلغ معيّن ـ كمائة دينار ـ فإنّه يجب إخراج هذا المقدار من عين التركة ثمّ التقسيم بين الورثة ، سواء أترقّت القيمة السوقيّة للتركة لدى إرادة التقسيم أم تنزّلت ، لكونه مديناً بعين هذا المقدار ، ولا إرث إلاّ بعد الدين .


   ونظيره أيضاً ما لو أوصى الميّت بمقدار معيّن من ثلثه ـ كعشرة دنانير ـ ولو بوصيّة عهديّة ، فإنّه يجب إخراج هذا المقدار المعيّن من تركته التي كانت تسوى عند موته مائة دينار ـ مثلاً ـ سواء أترقّت بعد ذلك فصارت مائتين أم تنزّلت فصارت خمسين ، فلا فرق في ذلك بين صعود القيمة ونزولها ، لتعلّق الحقّ بمقدار معيّن من المال تعلّقه بالعين نحو تعلّق الكلّي في المعيّن ، فلا يستوجب تغييرها تبديلاً في هذا التقدير الخاصّ .


   ففي المقام أيضاً ـ بناءً على هذا المبنى ـ حينما ارتفعت القيمة من العشرين إلى المائة والعشرين في المثال المتقدّم واستقرّ عليه خمس الزيادة ـ وهو العشرون ـ لزمه الخروج عن عهدة هذا المقدار المعيّن واشتغلت ذمّته للسادة بهذه الكمّيّة الخاصّة ، ولا تأثير لتنزّل القيمة في تغيير الذمّة عمّا اشتغلت به وإن عادت إلى ما كانت عليه من العشرين على ما هو الشأن في عامّة موارد الكلّي في المعيّن .


   فما ذكره في المتن من ضمان خمس الزيادة مبني على هذا القول ، لكنّه (قدس سره) لا يلتزم به .


ــ[239]ــ


   وأمّا بناءً على ما هو الحقّ من أ نّه من قبيل الشركة والإشاعة في العين كما هو ظاهر قوله تعالى : (فَأَنَّ للهِِ خُمُسَهُ) ، إلخ ، أو القول بأ نّه من قبيل الكلّي في المعيّن في نفس العين ، فلا ضمان حينئذ ، بل اللاّزم إخراج الخمس من ماليّة هذه العين على النسبة التي كانت عليها حسبما بيّناه .


   ونظير المقام : إرث الزوجة ممّا ثبت في الأراضي من بناء وأشجار ونحوها ، حيث إنّها ترث من ماليّتها وقيمتها لا من عينها ، فهي ما لم تدفع إليها القيمة تشارك الورثة في مالية تلك الأعيان بمقدار الثمن . ولأجله كان ما تسلّمته من القيمة تتلقّاه في الحقيقة عن نفس الميّت وبعنوان الإرث منه ، لا أ نّه عطيّة يبذلها إليها الوارث . وعليه ، فيختلف مقدار تلك الماليّة باختلاف القيمة السوقيّة صعوداً ونزولاً ، فلو تنزّلت القيمة عمّا كانت عليه عند الموت يردّ النقص عليها أيضاً ، لأ نّها إنّما تستحقّ بمقدار الثمن ولا يضمنها الوارث بوجه .


   ونظير ذلك أيضاً : الوصيّة بالثلث ، فإنّ تنزّل القيمة يستلزم ورود النقص على الثلث كالأصل من غير أن يضمنها الوارث كما هو ظاهر .


   وملخّص الكلام : أنّ نقصان الماليّة لا ضمان فيه كما أسلفناك ، وأمّا خمس الزيادة التالفة بالتنزّل فضمانه مبني على أنّ تعلّق الخمس من قبيل الكلّي في المعيّن في الماليّة ، وأمّا على المختار من أ نّه من قبيل الشركة في العين أو القول بأ نّه من قبيل الكلّي في المعيّن في نفس العين فلا ضمان ، بل يجب التخميس بنفس النسبة التي كانت عليها قبل التنزّل حسبما عرفت .


ــ[240]ــ


   [ 2931 ] مسألة 55 : إذا عمّر بستاناً وغرس فيه أشجاراً ونخيلاً للانتفاع بثمرها وتمرها لم يجب الخمس في نموّ تلك الأشجار((1)) والنخيل (1) ، وأمّا إن كان من قصده الاكتساب بأصل البستان فالظاهر وجوب الخمس في زيادة قيمته وفي نموّ أشجاره ونخيله .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) فصّل (قدس سره) بين ما إذا كان من قصده الاتّجار والاكتساب بأصل البستان ، وبين ما إذا كان الانتفاع بثمره .


   ففي الأوّل : يجب الخمس في مطلق الزيادة من النماء المتّصل أو المنفصل أو زيادة القيمة ، لصدق الربح في الجميع كما تقدّم . وقد عرفت أنّ المناط في صدقه بالإضافة إلى ما هو معدّ للتكسّب هو الازدياد في الماليّة غير المنوط بفعليّة البيع خارجاً ، وهو متحقّق في المقام .


   وأمّا في الثاني : فقد نفى (قدس سره) الخمس في مطلق الزيادة . ولكنّك خبير بأنّ إطلاق كلامه (قدس سره) ينافي ما تقدّم منه سابقاً من وجوب الخمس في الزيادة المتّصلة والمنفصلة (2) ، فلا بدّ من حمل كلامه (قدس سره) على بستان أعدّه للانتفاع به شخصاً لنفسه وعائلته بحيث كان من المؤونة ، نظير البقرة التي اشتراها لينتفع بلبنها ، فإنّ هذا هو الذي لا خمس فيه مطلقاً ، لا في الزيادة الفعليّة من المتّصلة والمنفصلة ، ولا في الزيادة الحكميّة ، نظراً إلى استثناء المؤونة .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) بل يجب في نموّها إلى أن تبلغ حدّ الانتفاع بثمرها وبعده لا يجب الخمس في خصوص ما يعدّ منها من المؤن .


(2) في ص 228 .


ــ[241]ــ


   [ 2932 ] مسألة 56 : إذا كان له أنواع من الاكتساب والاستفادة (1) ، كأن يكون له رأس مال يتّجر به وخان يؤجّره وأرض يزرعها وعمل يد مثل الكتابة أو الخياطة أو النجارة أو نحو ذلك ، يلاحظ في آخر السنة ((1)) ما استفاده من المجموع من حيث المجموع ، فيجب عليه خمس ما حصل منها بعد خروج مؤونته .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   وأمّا ما أعدّه للاتّجار بالمنافع الذي هو حدّ متوسط بين ما أعدّ للاتّجار بأصله ، وما أعدّ لصرف منافعه في المؤونة ، فعمّر البستان ليتّجر بثماره ، أو اشترى السيارة ليكتسب باُجرتها . ونحو ذلك ممّا يتّجر بمنفعته لا بأصله ، فقد تقدّم سابقاً أنّ هذا يجب الخمس في زيادته المتّصلة والمنفصلة وإن لم يجب في زيادة القيمة(2) . فلعلّ الماتن لايريد هذه الصورة ، لمنافاتها مع ما سبق ، فليحمل كلامه ـ كما عرفت ـ على الصورة السابقة ، أعني : ما أعدّه للانتفاع الشخصي المحسوب من المؤونة ، فلاحظ .


   (1) قد عرفت امتياز خمس الأرباح عن بقيّة أقسام الخمس في استثناء مؤونة السنة ، لكي يتحقّق الفاضل عن المؤونة .


   وحينئذ فهل الأرباح المتدرّجة خلال السنة المتحصّلة من الأنواع المختلفة ينضمّ بعضها إلى بعض ويلاحظ المجموع ربحاً واحداً وتستثنى عنه المؤن المصروفة في مجموع السنة ، فتلاحظ السنة لمجموع الأرباح كما تلاحظ للمؤن من أوّل الشروع في الكسب ، أو أوّل ظهور الربح على الخلاف في مبدأ السنة ؟


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) بل يجوز أن يلاحظ كلّ ربح بنفسه .


(2) في ص 229 وما بعدها .


ــ[242]ــ


   أو أنّ كلّ ربح يلاحظ بحياله وله سنة تخصّه ، فإن صرف في مؤونة السنة المتعلّقة به فلا شيء فيه ، وإلاّ وجب خمس الزائد من غير ملاحظة الاتّحاد والانضمام ، كما كان ذلك هو الشأن في الكنوز والمعادن المتعدّدة على ما تقدّم من مراعاة كلّ منها بحياله وانفراده ؟


   فيه كلام بين الأعلام :


   ذهب جماعة ـ ومنهم الماتن ـ إلى الأوّل .


   وذهب الشهيد الثاني في الروضة والمسالك وكذا غيره إلى الثاني (1) .


   وتظهر الثمرة بين القولين تارةً : في المؤن المصروفة بين الربحين ، فلو ربح أوّل محرّم عشرة دنانير وأوّل رجب ثلاثين وصرف ما بينهما في مؤونته عشرين :


   فعلى القول الأوّل : تستثنى هذه المؤونة في آخر السنة عن مجموع الربحين ـ أي الأربعين ـ فلا خمس إلاّ في العشرين الزائدة .


   وأمّا على الثاني : فلا وجه لاستثنائها إلاّ عن الربح الأوّل دون الثاني ، ضرورة عدم استثناء المؤونة إلاّ بعد ظهور الربح لا قبله ، فلو بقي الربح الثاني إلى انتهاء سنته وجب إخراج خمسه ، فيخمّس الثلاثين بتمامها من غير استثناء المؤونة السابقة عليها .


   واُخرى : في تخميس الربح المتأخِّر وعدمه ، فلو فرضنا أ نّه ربح في شهر محرّم عشرة وصرفها في مؤونته ، وكذا في شهر صفر إلى الشهر الأخير ، كلّما يربح في شهر يصرفه في مؤونته ، فصادف أن ربح في ذي الحجّة مائة دينار وصرف منها عشرة فبقي لديه في نهاية السنة تسعون ديناراً :


   فإنّه على القول الأوّل : يجب خمس هذه التسعين ، لزيادته على مجموع 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) المسالك 1 : 467 ـ 468 ، الروضة البهية 2 : 78 .


ــ[243]ــ


الأرباح الملحوظة في هذه السنة .


   بخلافه على القول الثاني ، إذ عليه مبدأ سنة هذا الربح ـ هو ذو الحجّة ـ وتنتهي في ذي الحجّة القابل ، وله صرفه خلال هذه المدّة في مؤونته ، ولا يجب إخراج خمسه إلاّ في شهر ذي الحجّة من السنة القادمة .


   فثمرة القولين تظهر في هذين الموردين ، وربّما تظهر في موارد اُخر كما لا يخفى على من تدبّروا معن النظر .


   هذا ، وربّما يستدلّ للقول الأوّل بما في صحيحة ابن مهزيار من قوله (عليه السلام) : «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام» إلخ (1) .


   حيث يستظهر منها أنّ العبرة بملاحظة ربح السنة بما هي سنة ، فيلاحظ في كلّ عام مجموع الأرباح وتعدّ بمنزلة ربح واحد كما أنّ المؤونة أيضاً تلاحظ كذلك .


   ولكنّك خبير بعدم كون الصحيحة ناظرة إلى الضمّ ولا إلى عدمه ، وإنّما هي بصدد التفرقة بين الغنائم وغيرها ، حيث إنّه (عليه السلام) أسقط الخمس في سنته تلك عن جملة من الموارد واكتفى في بعضها بنصف السدس . وأمّا في الغنائم والفوائد فلم يسقط خمسها بل أوجبه بكامله في كلّ عام . وأمّا كيفيّة الوجوب من ملاحظة الأرباح منضمّةً أو مستقلّةً فهي ليست في مقام البيان من هذه الناحية بتاتاً ، فلا دلالة لها على ذلك أبداً .


   وعليه ، فالأظهر هو القول الأخير الذي اختاره الشهيد الثاني ، نظراً إلى أنّ المستفاد من الآية المباركة ـ بناءً على شمول الغنيمة لكلّ فائدة ـ وكذا الروايات الدالّة على أنّ الخمس في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير : أنّ الحكم انحلالي ، 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 9 : 501 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 5 .


ــ[244]ــ


فكلّ فرد من أفراد الربح والفائدة موضوع مستقلّ لوجوب التخميس كما كان هو الحال في المعادن والكنوز .


   فلو كنّا نحن وهذه الأدلّة ولم يكن دليل آخر على استثناء المؤونة لالتزمنا بوجوب الخمس فوراً وبمجرّد ظهور الربح ، ولكن دليل الاستثناء أوجب ارتكاب التقييد في الوجوب التكليفي إرفاقاً وإن كان الحقّ ثابتاً من الأوّل ، فلا يجب البدار إلى الإخراج ، بل له التربّص والتأخير ريثما يصرف في مؤونة السنة ، فيتقيّد الوجوب بعدم الصرف فيها .


   وأمّا ارتكاب تقييد آخر ـ أعني : ضمّ الأرباح بعضها إلى بعض ـ بحيث يستثنى حتى المؤن الحاصلة قبل الربح المتجدِّد ـ أي المؤنة المتخلّلة بين الربحين ـ فهذا لم يقم عليه دليل .


   وبعبارة اُخرى : الذي ثبت إنّما هو استثناء المؤونة من الربح المتقدّم لا من الربح المتأخّر ولو كان الربحان في سنة واحدة ، لوضوح عدم عدّ السابق من مؤونة الربح اللاّحق لكي يستثنى منه ، لفرض عدم صرفه فيها ، فما هو الموجب للاستثناء ؟!


   وكذلك الحال فيما لو حصل الربح قبل انتهاء السنة كاليوم الأخير من ذي الحجّة ـ مثلاً ـ فإنّ الالتزام بوجوب تخميسه عند هلال محرّم مع أ نّه لم يمض عليه إلاّ يوم واحد بلا موجب بعد تقييد الوجوب بما دلّ على أ نّه بعد المؤونة ، فإنّ هذا الربح مشمول لدليل الاستثناء ، ومقتضاه جواز صرفه في شهر محرّم وما بعده من الشهور إلى انتهاء سنة هذا الربح في حوائجه ومؤونته من زواج ونحوه ، فلو صرف يصحّ أن يقال : إنّه صرفه في مؤونته أثناء السنة ، ومعه كيف يجب عليه الآن إخراج خمسه ؟!


   والحاصل : أنّ الضمّ يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل .


ــ[245]ــ


   فالظاهر أنّ ما ذكره الشهيد الثاني ـ من أنّ كلّ ربح موضوعٌ مستقلّ وله سنة تخصّه وتستثنى مؤونة السنة عن كلّ ربح بالإضافة إلى سنته ـ هو الصحيح .


   نعم ، قد يكون هناك تداخل في المؤن الواقعة فيما بين الأرباح ، حيث يبقى مقدار من ربح محرّم ويصرف في مؤونة صفر ، ويبقى منه ويصرف في ربيع ، وهكذا ، فيتداخلان في المدّة المشتركة ، ولا ضير فيه كما لا يخفى .


   وما يقال من أنّ لحاظ المؤونة بالإضافة إلى كلّ ربح يوجب الاختلال والهرج والمرج .


   فلا نعقل له معنىً محصّلاً حتى في التدريجيّات مثل العامل أو الصانع الذي يربح في كلّ يوم ديناراً ـ مثلاً ـ فإنّه إن لم يبق كما هو الغالب حيث يصرف ربح كلّ يوم في مؤونة اليوم الثاني فلا كلام ، وإن بقي يخمّس الفاضل على المؤونة .


   نعم ، لا بأس بجعل السنة، لسهولة الأمر وانضباط الحساب ، كما هو المتعارف عند التجّار ، حيث يتّخذون لأنفسهم سنة جعليّة يخرجون الخمس بعد انتهائها واستثناء المؤن المصروفة فيها وإن كانت الأرباح المتخلّلة فيها تدريجيّة الحصول بطبيعة الحال . فإنّ هذا لا ضير فيه، إذ الخمس قد تعلّق منذ أوّل حصول الربح ، غايته أ نّه لا يجب الإخراج فعلاً ، بل يجوز ـ إرفاقاً ـ التأخير إلى نهاية السنة والصرف في المؤونة ، فبالإضافة إلى الربح المتأخّر يجوز إخراج خمسه وإن لم تنته سنته ، فإنّ ذلك كما عرفت إرفاق محض ولا يلزم منه الهرج والمرج بوجه . كما يجوز أن يخرج الخمس من كلّ ربح فعلاً من غير اتّخاذ السنة ، فلاحظ .


ــ[246]ــ


   [ 2933 ] مسألة 57 : يشترط ((1)) في وجوب خمس الربح أو الفائدة استقراره (1) ، فلو اشترى شيئاً فيه ربح وكان للبائع الخيار لا يجب خمسه إلاّ بعد لزوم البيع ومضيّ زمن خيار البائع .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) فإنّ الربح في الشراء المتزلزل الذي هو في معرض الزوال والانحلال بفسخ البائع لا يعدّ ربحاً في نظر العرف ، ولا يطلق عليه الفائدة بالحمل الشائع إلاّ بعد الاتّصاف باللزوم ، فقبله لا موضوع للربح ليخمس . فلو اشترى في البيع الخياري ما يسوى ألفاً بخمسمائة مع جعل الخيار للبائع ستّة أشهر ـ  مثلاً  ـ كما هو المتعارف في البيع الخياري ، لم يصدق عرفاً أ نّه ربح كذا إلاّ بعد انقضاء تلك المدّة .


   هذا ، وقد يقال بكفاية الاستقرار الواقعي بنحو الشرط المتأخّر ، فلو وقع البيع المزبور في أواخر السنة وكان الاتّصاف باللزوم في السنة اللاّحقة ، كشف ذلك عن تحقّق الربح في السنة السابقة وكان من أرباحها لا من أرباح السنة اللاّحقة .


   أقول : الذي ينبغي أن يقال هو التفصيل في المقام ، ولا يستقيم الإطلاق لا في كلام الماتن ولا في كلام هذا القائل .


   وتوضيحه : أ نّه لا ينبغي التأمّل في أنّ العين المشتراة بالبيع الخياري تقلّ قيمتها عن المشتراة بالبيع اللاّزم الباتّ ، ضرورة أنّ التزلزل يعدّ لدى العرف نوع نقص في العين نظير العيب ، أو كون العين مسلوبة المنفعة سنةً ـ مثلاً ـ أو أكثر ، فكما لا يبذل بإزائهما ما يبذل بإزاء العين الصحيحة أو غير المسلوبة فكذا 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) لا يشترط ذلك ، بل العبرة بصدق الربح ، وهو يختلف باختلاف الموارد .


ــ[247]ــ


لا يبذل في البيع الخياري ما يبذل في البيع اللازم المستقرّ . وهذا واضح لا سترة عليه ، للزوم رعاية جميع الخصوصيّات المكتنفة بالبيع ، فإنّ الدار التي تسوى في البيع اللاّزم عشرة آلاف لا تشترى في البيع الخياري أكثر من ثمانية آلاف ـ  مثلاً  ـ وهكذا .


   وحينئذ فالثمن المقرّر في البيع الخياري المفروض في المقام إن كان معادلاً لقيمة العين بوصف كون بيعه خياريّاً ـ كثمانية آلاف في المثال المزبور ـ فلم يتحقّق ثَمّة أيّ ربح في السنة السابقة ، أي في سنة البيع ليجب خمسه ، ولا يكاد يكشف اللزوم المتأخّر عن الربح في هذه السنة بوجه ، لعدم استفادة أيّ شيء بعد أن اشترى ما يسوى بقيمته المتعارفة .


   نعم ، سنة اللزوم التي هي سنة زوال النقص المستلزم بطبيعة الحال لارتقاء القيمة هي سنة الربح ، فيجب الخمس وقتئذ ، لتحقّق موضوعه وهو الربح ، ويكون من أرباح هذه السنة دون السنة السابقة إن كانت العين قد أعدّها للتجارة ، وإلاّ فلا يجب الخمس إلاّ إذا باعها خارجاً ، كما هو الشأن في عامّة موارد ارتفاع القيمة السوقيّة حسبما عرفت سابقاً ، حيث إنّ المقام من مصاديق هذه الكبرى .


   وإن كان أقلّ من ذلك ، كما لو اشتراها في المثال المزبور بخمسة آلاف ، فقد تحقّق الربح عند الشراء ، سواء ألزم البيع بعد ذلك أم لا ، لجواز بيعه من شخص آخر بثمانية آلاف ، فقد ربح فعلاً ثلاثة آلاف فيجب خمسه ويكون من أرباح هذه السنة لا السنة الآتية .


   فينبغي التفصيل في المسألة بين هاتين الصورتين وإن كان الظاهر من عبارة المتن أنّ محلّ كلامه إنّما هي الصورة الاُولى على ما هو المتعارف في البيع الخياري من الشراء بالقيمة العاديّة .


ــ[248]ــ


   [ 2934 ] مسألة 58 : لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار فصار البيع لازماً فاستقاله البائع فأقاله لم يسقط الخمس (1) ، إلاّ إذا كان من شأنه أن يقيله كما في غالب موارد بيع شرط الخيار إذا ردّ مثل الثمن .


   [ 2935 ] مسألة 59 : الأحوط إخراج خمس رأس المال (2) إذا كان من أرباح مكاسبه ، فإذا لم يكن له مال من أوّل الأمر فاكتسب أو استفاد مقداراً وأراد أن يجعله رأس المال للتجارة ويتّجر به يجب إخراج خمسه على الأحوط ((1)) ثمّ الاتّجار به .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) لاستقرار الخمس بعد لزوم البيع وتحقّق الربح ، سواء أكان لازماً من الأوّل أم صار لازماً بانقضاء زمن الخيار ، ومعه لا يسوغ له إتلاف الخمس بالإقالة ، لعدم ولايته عليه ، ولأجله لم يسقط بها إلاّ إذا عُدّت الإقالة من شأنه عرفاً ، كما هو الغالب في البيع الخياري ، سيّما إذا جاء البائع بالثمن بعد ساعة من مضيّ زمن الخيار لمانع عرضه في الطريق أوجب التأخير ، فإنّ عدم الإجابة في مثل ذلك يعدّ مهانة ومخالفاً للإنصاف في أنظار العرف ، فيكون حالها حال الهبة وغيرها ممّا يبذله المالك أثناء السنة من المصارف اللاّئقة بشأنه ، حيث لا يعدّ ذلك إسرافاً ولا تبذيراً ، فإنّها تعدّ من المؤن المستثناة من الأرباح .


   نعم ، لايسقط بالإقالة في غير هذه الصورة ، لما عرفت من عدم جواز إتلاف الخمس بعد استقراره .


   (2) المحتملات في المسألة ثلاثة :


   وجوب الإخراج مطلقاً ، وهذا هو الذي احتاط فيه الماتن (قدس سره) .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) لا يبعد عدم الوجوب في مقدار مؤونة سنته إذا اتّخذه رأس المال وكان بحاجة إليه في إعاشته .


ــ[249]ــ


   وعدم الوجوب مطلقاً وأنّ ما يحتاج إليه الإنسان في رأس ماله ـ أيّ مقدار كان ـ يدخل في عنوان المؤن ، ولا خمس إلاّ بعد المؤونة كاستثناء سائر المؤن من الدار والفراش ونحوها .


   والتفصيل ـ وهو الصحيح ـ بين رأس مال يعادل مؤونة سنته ، وبين الزائد عليه ، فلا خمس في خصوص الأوّل .


   والوجه فيه : استثناء المؤونة ممّا فيه الخمس . ولا ينبغي التأمّل في أنّ المستثنى إنّما هو مؤونة السنة لا مؤونة عمره وما دام حيّاً . وعليه ، فإذا اكتسب أو استفاد مقداراً يفي بمؤونة سنته ، كما لو كان مصرفه في كلّ يوم ديناراً فحصل على ثلاثمائة وستّين ديناراً وكان بحاجة إلى رأس المال في إعاشته وإعاشة عائلته ، جاز أن يتّخذه رأس مال من غير تخميس ، نظراً إلى أنّ صرف المبلغ المذكور في المؤونة يمكن على أحد وجهين : إمّا بأن يضعه في صندوق ويسحب منه كلّ يوم ديناراً ، أو بأن يشتري به سيّارة ـ مثلاً ـ ويعيش باُجرتها كلّ يوم ديناراً ، إذ الصرف في المؤونة لم ينحصر في صرف نفس العين وإتلاف المال بذاته ، بل المحتاج إليه هو الجامع بين صرف العين وصرف المنافع ، لتحقّق الإعاشة بكلّ من الأمرين ، فهو مخيّر بينهما ، ولا موجب لتعيّن الأوّل بوجه .


   إذن لا بدّ من التفصيل بين ما إذا كان محتاجاً إلى رأس المال ولم يكن له رأس مال آخر بحيث توقّفت إعاشته اليوميّة على صرف هذا المال عيناً أو منفعةً فلا خمس فيه ، وبين غيره ففيه الخمس ، ضرورة عدم كون مطلق رأس المال بلغ ما بلغ ـ كعشرة آلاف مثلاً ـ من مؤونة هذه السنة ، وقد عرفت أنّ المستثنى هو مؤونة السنة لا غيرها .


ــ[250]ــ


   [ 2936 ] مسألة 60 : مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد خروج مؤونتها حال الشروع في الاكتساب ((1)) (1) فيمن شغله التكسّب ، وأمّا من لم يكن مكتسباً وحصل له فائدة اتّفاقاً فمن حين حصول الفائدة .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) فصّل (قدس سره) في تعيين مبدأ السنة ـ تبعاً لجمع من الأصحاب ـ بين الربح الحاصل بالاكتساب من تجارة أو زراعة أو صناعة ونحوها ، وبين الفائدة الحاصلة اتّفاقاً كالجائزة والميراث الذي لا يحتسب ونحوهما ممّا يحصل من غير تكسب .


   فذكروا أنّ مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد استثناء مؤونتها في الأوّل هو حال الشروع في الكسب وإن تأخّر عنه الربح بكثير ، وفي الثاني هو زمان ظهور الربح .


   وذلك لا من أجل الاختلاف في مفهوم عام الربح ، بل المفهوم فيهما واحد ، والاختلاف إنّما نشأ من ناحية المصداق والتطبيق الخارجي ، حيث إنّ انطباقه على الكاسب من أوّل الشروع في الكسب ، وعلى غيره من أوّل ظهور الربح .


   وذهب جماعة ـ ومنهم الشهيد (2) ـ إلى أنّ الاعتبار بظهور الربح مطلقاً وفي جميع الموارد ، فلا تستثنى المؤن المصروفة قبل ذلك من غير فرق بين الكاسب وغيره . وهذا هو الصحيح .


   والوجه فيه : أنّ المشتقّ وما في حكمه من الجوامد ظاهرٌ في الفعليّة ولا يستعمل فيما انقضى إلاّ بالعناية ، والوارد في النصوص لو كان عنوان عام الربح أو سنة الربح لأمكن أن يقال بأنّ إطلاقه على الكاسب يفترق عن غيره كما


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الظاهر أنّ المبدأ مطلقاً وقت ظهور الربح .


(2) الدروس 1 : 258 ـ 259 .


ــ[251]ــ


   [ 2937 ] مسألة 61 : المراد بالمؤونة ـ مضافاً إلى ما يصرف في تحصيل الربح (1) ـ :ما يحتاج إليه لنفسه وعياله في معاشه بحسب شأنه اللائق بحاله


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ذكر ، ولكن لم يرد حتى لفظ السنة فضلاً عن عام الربح ، وإنّما الوارد فيها استثناء المؤونة ، فقد ذكر في صحيحة ابن مهزيار : «بعد مؤونته ومؤونة عياله» (1) ، وفي بعض النصوص غير المعتبرة : ما يفضل عن مؤونتهم، والمؤونة بحسب ما يفهم عرفاً المطابق للمعنى اللغوي : كل ما يحتاج إليه الإنسان في جلب المنفعة أو دفع الضرر . وقد عرفت أنّ هذا ظاهر في المؤونة الفعليّة دون ما كان مؤونة سابقاً .


   إذن فالمستثنى عن الربح إنّما هو المؤن الفعليّة لا ما صرفه سابقاً وقبل أن يربح ، إذ لا يطلق عليها فعلاً أ نّها مؤونة له وإنّما هي كانت مؤونة سابقاً ، فلا مقتضي لإخراجها عن الأرباح ، كما لا وجه لإخراج المماثل من ذلك عن الربح واحتسابه عوضاً عمّا صرفه سابقاً ، لعدم الدليل عليه .


   وعلى الجملة : فما صرفه سابقاً لم يكن مؤونة فعليّة ، ولا دليل على إخراج المماثل ، فإن ثبت هذا ـ ولا ينبغي الشكّ في ثبوته ـ فهو ، وإلاّ فيكفينا مجرد الشك في ذلك للزوم الاقتصار في المخصص المنفصل الدائر بين الأقلّ والأكثر على المقدار المتيقّن وهو المؤن المصروفة بعد ظهور الربح . وأمّا إخراج المؤن السابقة عن الربح المتأخّر فهو مشكوك فيرجع إلى إطلاق ما دلّ على وجوب الخمس في كلّ ما أفاد من قليل أو كثير .


   (1) أمّا بالنسبة إلى مؤونة التجارة وما يصرف في سبيل تحصيل الربح فقد دلّت على استثنائه عدّة من الأخبار المتضمّنة : أنّ الخمس بعد المؤونة ، بل لو لم


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 9 : 500 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 4 .


ــ[252]ــ


في العادة من المأكل والملبس والمسكن ، وما يحتاج إليه لصدقاته وزياراته وهداياه وجوائزه وأضيافه ، والحقوق اللازمة له بنذر أو كفّارة أو أداء دين أو أرش جناية أو غرامة ما أتلفه عمداً أو خطأً ، وكذا ما يحتاج إليه من دابّة أو جارية أو عبد أو أسباب أو ظرف أو فرش أو كتب، بل وما يحتاج إليه لتزويج أولاده أو ختانهم، ونحو ذلك مثل ما يحتاج إليه في المرض وفي موت أولاده أو عياله ، إلى غير ذلك ممّا يحتاج إليه في معاشه ، ولو زاد على ما يليق بحاله ممّا يعدّ سفهاً وسرفاً بالنسبة إليه لا يحسب منها .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تكن لدينا أيّة رواية كان ذلك هو مقتضى القاعدة ، ضرورة عدم صدق موضوع الخمس ـ أعني : الغنيمة والفائدة ـ إلاّ بعد إخراجها بأجمعها من اُجرة الدلاّل والدكّان والحمّال وما شاكل ذلك ، فإنّ من اشترى بضاعة باثني عشر ديناراً وباعها بخمسة عشر وأعطى للدلاّل ديناراً واحداً لا يقال : إنّه ربح ثلاثة دنانير ، بل دينارين فقط ، وهكذا ، وهذا ظاهر .


   ولا فرق في ذلك بين طول المدّة بحيث بلغت السنة والسنتين وقصرها ، فمن خرج من بلده لتجارة كاستيراد بضاعة ونحوها فطالت المدّة المصروفة في سبيل تحصيلها من مراجعة الدوائر الحكوميّة ونحو ذلك سنة أو أكثر ، فجميع المؤن المصروفة في هذا الطريق تستثنى عن الربح .


   وبالجملة : فالعبرة بالصرف في سبيل تحصيل المال بلا فرق بين السنة وغيرها . وهذا لا كلام فيه ولا شبهة تعتريه .


   وأمّا بالنسبة إلى ما يصرفه في معاش نفسه وعائلته فما ذكره (قدس سره) ـ  من التفصيل بين ما كان بحسب شأنه وما يليق بحاله في العادة وبين غيره  ـ هو الصحيح ، فإنّ كلمة المؤونة الواردة في الأدلّة ـ التي هي كما عرفت بمعنى : ما 


ــ[253]ــ


يحتاج إليه الإنسان إمّا لجلب المنفعة أو لدفع الضرر ـ منصرفة كسائر الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة إلى المتعارف ، بحيث يصدق عرفاً أنّه محتاج إليه بحسب شؤونه اللاّئقة به لنفسه ولمن ينتمي إليه ، ولأجله يختلف تشخيصه باختلاف الشؤون والاعتبارات ، فربّ مصرف يكون مناسباً لشأن أحد دون غيره بحيث يعدّ اسرافاً في حقّه ، فيستثنى بالإضافة إلى الأوّل دون الآخر .


   هذا كلّه في الاُمور الدنيويّة .


   وأمّا بالإضافة إلى العبادات والاُمور القربيّة من صدقة أو زيارة أو بناء مسجد أو حجّ مندوب أو عمرة ونحو ذلك من سائر الخيرات والمبرات ، فظاهر عبارة المتن وصريح غيره جريان التفصيل المزبور فيه أيضاً ، فيلاحظ مناسبة الشأن ، فمن كان من شأنه هذه الاُمور تستثنى وتعدّ من المؤن ، وإلاّ فلا .


   ولكن الظاهر عدم صحّة التفصيل هنا ،  فإنّ شأن كلّ مسلم التصدِّي للمستحبّات الشرعيّة والقيام بالأفعال القربيّة، امتثالاً لأمره تعالى وابتغاءً لمرضاته وطلباً لجنّته ، وكلّ أحد يحتاج إلى ثوابه ويفتقر إلى رضوانه ، فهو يناسب الجميع ، ولا معنى للتفكيك بجعله مناسباً لشأن مسلم دون آخر ، فلو صرف أحد جميع وارداته بعد إعاشة نفسه وعائلته في سبيل الله ذخراً لآخرته ولينتفع به بعد موته كان ذلك من الصرف في المؤونة ، لاحتياج الكلّ إلى الجنّة ، ولا يعدّ ذلك من الإسراف أو التبذير بوجه بعد أمر الشارع المقدّس بذلك ، وكيف يعدّ الصرف في الصدقة أو العمرة ولو في كلّ شهر أو زيارة الحسين (عليه السلام) كلّ ليلة جمعة أو في زياراته المخصوصة من التفريط والخروج عن الشأن بعد حثّ الشريعة المقدّسة المسلمين عليها حثّاً بليغاً ؟!


   فالإنصاف أنّ كلّ ما يصرف في هذا السبيل فهو من المؤن قلّ أم كثر . والتفصيل المزبور خاصّ بالاُمور الدنيويّة حسبما عرفت .


ــ[254]ــ


   [ 2938 ] مسألة 62 : في كون رأس المال للتجارة مع الحاجة إليه من المؤونة إشكال (1) ، فالأحوط كما مرّ إخراج خمسه أوّلاً ، وكذا في الآلات المحتاج إليها ((1)) في كسبه مثل آلات النجارة للنَجّار وآلات النساجة للنسّاج وآلات الزراعة للزارع وهكذا ، فالأحوط إخراج خمسها أيضاً أوّلاً .


   [ 2939 ] مسألة 63 : لا فرق في المؤونة بين ما يصرف عينه فتتلف مثل المأكول والمشروب ونحوهما ، وبين ما ينتفع به مع بقاء عينه (2) مثل الظروف والفرش ونحوها ، فإذا احتاج إليها في سنة الربح يجوز شراؤها من ربحها وإن بقيت للسنين الآتية أيضاً .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) مرّ أ نّه لا إشكال فيه . ومنه يظهر الحال في الآلات المحتاج إليها في كسبه ، لوحدة المناط ، فلا يجب الإخراج في شيء من ذلك إلاّ إذا كانت أكثر من مؤونة السنة .


   (2) قد تكون المؤونة ممّا لا بقاء له كالمأكول ، وهذا لا كلام في استثنائه .


   وقد تكون ممّا له بقاء كالظروف والفرش ونحوها ، فهل يجب الخمس بعد مضيّ السنة ، أو بعد الاستغناء كما سيتعرّض له الماتن بعد ذلك ، مثل : الحلي التي تستغني عنها المرأة بعد أيّام شبابها ؟


   الظاهر أ نّه لا ينبغي التأمّل في عدم الوجوب ، إذ بعد أن صدق عليه عنوان المؤونة في هذه السنة المقتضي للاستثناء فبقاؤها وكونها مؤونة في السنين الآتية أيضاً لا يمنع عن ذلك .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الظاهر أنّ حكمها حكم رأس المال وقد تقدّم .


ــ[255]ــ


   وبعبارة اُخرى : قد يفرض الاحتياج ولكنّه لا يختصّ بهذه السنة بل في السنة اللاحقة أيضاً يصرف في الحاجة ، واُخرى يستغنى عنه بعد ذلك كما في حليّ النِّساء .


   ومقتضى البَعديّة في قوله (عليه السلام) : «الخمس بعد المؤونة» أنّ تشريع الخمس إنّما هو بعد استثناء المؤونة ، نظير بَعديّة الإرث بالإضافة إلى الوصيّة والدين في قوله تعالى : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَو دَيْن) (1) ، فكما لا إرث إلاّ بعد إخراج الأمرين فكذلك لا خمس إلاّ بعد إخراج المؤونة .


   ومن الظاهر أنّ بقاءها بعد انقضاء السنة أو عدم البقاء لا مدخل له في هذا الاستثناء بعد فرض صدق المؤونة ، فإنّ المتعارف خارجاً تملّك جملة من الاُمور المحتاج إليها في الإعاشة حتى دار السكنى ، إذ الاقتصار على الإيجار يعدّ عرفاً نوعاً من الاضطرار ، فضلاً عن مثل الألبسة والظروف والفروش ونحوها ممّا لا شكّ في تعارف ملكيّتها لا مجرّد الانتفاع بها بإجارة أو عارية ونحوها ، ومن المعلوم جريان العادة على بقاء هذه الاُمور غالباً وعدم استهلاكها في سنة واحدة . وهذا ـ كما عرفت ـ لا يمنع عن الاستثناء .


   على أنّ موضوع الخمس ـ وهو الفائدة والغنيمة بالمعنى الأعمّ ـ ظاهر في الحدوث ، بل لا بقاء لها وإنّما الباقي المال . وأمّا الإفادة فهي أمر حادث تقع في كلّ ربح مرّة واحدة من غير تكرّر . فإذا بقيت العين بعد السنة وخرجت عن الحاجة والمؤنيّة كالحليّ للنسوان أو بعض الكتب لأهل العلم فليست هناك إفادة جديدة ولم تحدث فائدة ثانية ليتعلّق بها الخمس ، فحينما حدثت الإفادة لم يجب الخمس على الفرض ، لأ نّها كانت آنذاك من المؤونة ولا خمس إلاّ بعد


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) النِّساء 4 : 11 .


ــ[256]ــ


   [ 2940 ] مسألة 64 : يجوز إخراج المؤونة من الربح وإن كان عنده مال لا خمس فيه (1) بأن لم يتعلّق به أو تعلّق وأخرجه فلا يجب إخراجها من ذلك


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


المؤونة، وبعد زوال الحاجة والخروج عن المؤنيّة لم تتحقّق فائدة ثانية ليتعلّق بها  الخمس .


   ومن هنا ذكرنا في محلّه عدم وجوب الخمس على الصبي الذي ربح باتّجار وليّه ، لا حال صباه ولا بعد البلوغ . أمّا الأوّل فلحديث رفع القلم عنه تكليفاً ووضعاً . وأمّا الثاني فلعدم حصول فائدة جديدة . فحين حدوث الفائدة لا وجوب لعدم البلوغ ، وبعده لم تتحقّق فائدة اُخرى ليتعلّق بها الخمس . ومن المعلوم أنّ تلك الفائدة لا بقاء لها وإنّما الباقي المال لا الاستفادة التي هي الموضوع للحكم .


   وهذا هو الميزان الكلّي ، وضابطه : أ نّه في كلّ مورد لم يتعلّق الخمس من الأوّل لجهة من الجهات ـ إمّا لكون الربح من المؤونة، أو لعدم استجماع شرائط التكليف، أو لمانع آخرـ لم يتعلّق ثانياً ، لأنّ موضوع الحكم هي الفائدة ولم تتحقّق فائدة جديدة .


   (1) لا شكّ في جواز إخراج المؤونة من الربح إذا لم يكن له مال آخر من رأس مال أو ملك شخصي ، كما قد يتّفق في عامل المضاربة وغيره .


   كما لا شكّ أيضاً في جواز الإخراج فيما لو كان له مال آخر ولكن لم تجر العادة على صرفه في المؤونة كدار السكنى أو أثاث البيت أو رأس المال ونحو ذلك .


ــ[257]ــ


بتمامها ولا التوزيع ، وإن كان الأحوط التوزيع، وأحوط منه إخراجها بتمامها من المال الذي لا خمس فيه .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   وإنّما الكلام فيما لو كان له مال زائد ادّخره لغرض آخر ، فهل يجوز حينئذ صرف الربح في المؤونة ، أو لا ؟


   الذي يظهر من كلماتهم أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة :


   جواز الصرف مطلقاً .


   وعدمه مطلقاً ، كما نسب إلى الأردبيلي (1) .


   والتوزيع بالنسبة ، فتخرج المؤونة عن جميع ما يملك من الربح والمال الآخر بنسبتهما من النصف أو الثلث ونحوهما . فلو كانت المؤونة خمسين والربح مائة والمال الآخر أيضاً مائة يخرج نصف المؤونة من الربح والنصف الآخر من المال الآخر ، وهكذا حسب اختلاف النسب .


   وعلّلوا الأخير بأ نّه مقتضى قاعدة العدل والإنصاف كما علّل ما عن الأردبيلي ـ على ما نسب إليه ـ بأنّ ما دلّ على جواز صرف الربح في المؤونة ضعيف السند ، والعمدة الإجماع ودليل نفي الضرر ، والقدر المتيقّن صورة الاحتياج ، أمّا مع عدم الحاجة لوجود مال آخر فلا إجماع ، ومقتضى اطلاق أدلّة الخمس إخراجه من غير استثناء ، ومع قطع النظر عن المناقشة في السند فالدليل منصرف إلى صورة الاحتياج .


   أقول : لم يظهر وجه صحيح لما اُفيد :


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) مجمع الفائدة والبرهان 4 : 318 .


ــ[258]ــ


ولو كان عنده عبد أو جارية أو دار أو نحو ذلك ممّا لو لم يكن عنده كان من المؤونة لا يجوز احتساب قيمتها من المؤونة (1) وأخذ مقدارها ، بل يكون حاله حال من لم يحتج إليها أصلاً .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   أمّاالمناقشةفيالسند:فغيرواضحة، لأنّمادلّعلىأنّالخمسبعدمؤونتهومؤونةعيالهـكصحيحةابنمهزيار وغيرها ـ معتبرة لم نر أيّ خلل في سندها لنحتاج إلى دعوى الانجبار بعمل الأصحاب .


   وأمّا دعوى الانصراف إلى صورة الحاجة : فهي أيضاً غير ظاهرة ، لأنّ العبرة بالحاجة إلى الصرف ، وهي متحقّقة على الفرض، لأ نّها هي معنى المؤونة .


   وأمّا الحاجة إلى الصرف من خصوص الربح : فلم يدلّ عليه أيّ دليل ، بل مقتضى الإطلاقات عدمه ، إذ مقتضاها أ نّه لدى الحاجة إلى الصرف يجوز الصرف من الربح واستثناء المؤونة منه ، سواء أكان عنده مال آخر أم لا .


   وأمّا حديث التوزيع : فهو أيضاً لا وجه له ، إذ لا أساس لقاعدة العدل والإنصاف في شيء من هذه الموارد . وحينئذ فإن تمّ الإطلاق ـ وهو تامّ حسبما عرفت ـ جاز الإخراج من الربح ، وإلاّ ـ لأجل المناقشة في السند أو الدلالة ـ لزم الإخراج من مال آخر ووجب الخمس في تمام الربح ، فالعمدة ثبوت الإطلاق اللفظي وعدمه .


   فتحصّل : أنّ الأظهر صحّة القول الأوّل ، فلا يجب التوزيع ولا الإخراج من مال آخر وإن كان أحوط .


   (1) لانتفاء موضوع المؤونة والاستغناء عنها بعد تملّك تلك الأعيان ، فلا مقتضي للإخراج عن الربح .


   وأمّا إخراج المقدار واحتساب القيمة فلا دليل عليه بتاتاً ، فإنّ المستثنى في


ــ[259]ــ


   [ 2941 ] مسألة 65 : المناط في المؤونة ما يصرف فعلاً لا مقدارها ، فلو قتّر على نفسه لم يحسب له (1) ، كما أ نّه لو تبرّع بها متبرّع لا يستثنى له مقدارها على الأحوط ، بل لا يخلو عن قوّة .


   [ 2942 ] مسألة 66 : إذا استقرض من ابتداء سنته لمؤونته أو صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح يجوز له وضع مقداره((1)) من الربح(2).


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الأدلّة إنّما هي المؤونة الفعليّة لا التقديريّة وبنحو القضيّة الشرطيّة لكي تحتسب القيمة ، والمفروض انتفاء الفعليّة ، فلا موضوع للاستثناء .


   ولو فرضنا الإجمال في تلك الأدلّة كان المرجع إطلاقات الخمس ، للزوم الاقتصار في المخصّص المنفصل المجمل الدائر بين الأقل والأكثر على المقدار المتيقّن وهي المؤونة الفعليّة ، شأن كلّ عنوان اُخذ في موضوع الحكم ، فيرجع في التقديريّة إلى إطلاقات الخمس في كلّ فائدة كما عرفت .


   (1) فيجب الخمس فيما قتّر ، لزيادته على المؤونة وإن كان لم يجب لو صرفه فيها ، لكون العبرة كما عرفت آنفاً بالصرف الفعلي لا التقديري ، فلا يستثنى المقدار إن لم يصرف إمّا للتقتير أو لتبرّع شخص آخر ، بل المستثنى خصوص ما صرفه خارجاً في المؤونة . فهذه المسألة من متفرّعات المسألة السابقة ونتائجها . فلو كانت مؤونته مائة دينار فصرف خمسين وجب الخمس في الخمسين الباقية .


   (2) هذا وجيه ، بناءً على ما اختاره من أنّ مبدأ السنة من حين الشروع في الاكتساب ، فتُستثنى المؤونة حينئذ من الربح المتأخّر ، ولكن عرفت عدم


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) فيه إشكال ، بل منع ، نعم يستثنى مقداره إذا كان بعد حصول الربح .


ــ[260]ــ


   [ 2943 ] مسألة 67 : لو زاد ما اشتراه وادّخره للمؤونة من مثل الحنطة والشعير والفحم ونحوها ممّا يصرف عينه فيها يجب إخراج خمسه عند تمام الحول (1) ، وأمّا ما كان مبناه على بقاء عينه والانتفاع به مثل الفرش والأواني والألبسة والعبد والفرس والكتب ونحوها فالأقوى عدم الخمس فيها . نعم ، لو فرض الاستغناء عنها فالأحوط ((1)) إخراج الخمس منها ، وكذا في حليّ النسوان إذا جاز وقت لبسهنّ لها .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الدليل عليه ، بل ظاهر الأدلّة أنّ مبدأها ظهور الربح مطلقاً فيجوز صرفه في المؤونة . وأمّا إخراج مقدار المؤونة المصروفة سابقاً ووضعه من الربح المتأخّر فلا دليل عليه بوجه .


   نعم ، قد يتحمّل في بعض الموارد مصارف في سبيل تحصيل الربح ، كالسفر إلى بلاد بعيدة ، كما لو اشترى بضاعة من بغداد بمائة دينار ـ مثلاً ـ وذهب إلى لندن فباعها بخمسمائة ، فإنّ ذلك يتكلّف بطبيعة الحال مصارف مأكله ومسكنه واُجور الطائرة ونحو ذلك . فإنّ هذا كلّه يخرج عن الربح المتأخّر قطعاً ، بل لا ربح حقيقةً إلاّ فيما عداه .


   ولكن هذا خارج عن محلّ الكلام كما مرّ ، فإنّ الكلام في مؤونة الشخص وعائلته ، لا في مؤونة الربح والتجارة ، فإنّه لا كلام في استثنائها ، بل لا يصدق الربح إلاّ بعد إخراجها كما عرفت .


   (1) فإنّ الزائد على ما استهلكه خلال السنة غير معدود من المؤونة ، فلا وجه لاستثنائه ، فتشمله إطلاقات الخمس في كلّ فائدة .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) لا بأس بتركه ، نعم لو باعها وربح فيه تعلّق الخمس بالربح ، وكذا الحال في حليّ النسوان .


ــ[261]ــ


   وأمّا ما كان مبناه على الانتفاع به مع بقاء عينه إذا كان بحيث لا يستهلك في سنة واحدة بل يبقى سنين وقد يبقى طول العمر كبعض أنواع الفرش والألبسة والدور والأواني المعدنيّة ونحو ذلك من الأمتعة الباقية أكثر من سنة واحدة بطبيعة الحال، فقد حكم في المتن بعدم الخمس فيها إلاّ إذا فرض الاستغناء عنها فاحتاط بوجوب الخمس حينئذ . وكذا الحال في حليّ النِّساء إذا جاز وقت لبسهنّ لها للخروج حينئذ عن عنوان المؤونة ، والمرجع بعد ذلك إطلاقات الخمس السليمة عن التقييد .


   ولكن الظاهر عدم وجوب الخمس من غير فرق بين صورتي الاستغناء وعدمه .


   بيان ذلك : إنّا قد ذكرنا في محلّه في الاُصول (1) : أ نّه إذا كان هناك عامّ أو مطلق وقد ورد عليه مخصّص زماني : فإن كان الزمان ملحوظاً فيه بنحو المفرديّة بحيث كان له عموم أو إطلاق أزماني وأفرادي فلوحظ كلّ زمان فرداً مستقلاًّ للعامّ في قبال الزمان الآخر كان المرجع فيما عدا المقدار المتيقّن من التخصيص هو عموم العامّ حتى إذا كان استصحاب المخصّص جارياً في نفسه ـ  مع أ نّه لا يجري ، لتعدّد الموضوع  ـ لتقدّم الأصل اللفظي ـ أعني : أصالة العموم أو الإطلاق ـ على الاستصحاب الذي هو أصل عملي .


   وإن كان ملحوظاً ظرفاً لا قيداً فكان الثابت على كلّ فرد من العامّ حكماً واحداً مستمرّاً لا أحكاماً عديدة انحـلاليّة ، فلا مجال حينئذ للتمسّك بالعـامّ حتى إذا لم يكن الاستصحاب جارياً في نفسه ، إذ لم يلزم من استدامة الخروج تخصيص آخر زائداً على ما ثبت أوّلاً ، ولا دليل على دخول الفرد بعد خروجه عن العامّ ، بل مقتضى الأصل البراءة عنه .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) مصباح الاُصول 3 : 217 وما بعدها .


ــ[262]ــ


   ولكن هذا كلّه مخصوص بما إذا كان التخصيص أزمانيّاً بأن تكفّل دليل المخصّص للإخراج في زمان خاصّ .


   وأمّا إذا كان أفراديّاً بأن أخرج فرداً ـ عرضيّاً ـ من أفراد العامّ ، كخروج زيد عن عموم وجوب إكرام العلماء ، فلا يجري فيه حينئذ ذاك الكلام ، فإنّه خارج عن موضوع ذلك البحث ، فإذا خرج زيد ولو في زمان واحد يؤخذ بإطلاق دليل المخصّص المقدّم على عموم العامّ ، لعدم كون زيد فردين للعامّ كما لا يخفى . فسواء أكان الزمان مفرداً أم لا لا مجال للتمسّك فيه بأصالة العموم ، بل المرجع أصالة البراءة عن تعلّق الحكم به ثانياً .


   وعليه ، فنقول : المستفاد من قوله (عليه السلام) : «الخمس بعد المؤونة» ـ  الذي هو بمـثابة المخصّص لعموم ما دلّ على وجوب الخمس في كلّ غنيمة وفائدة من الكتاب والسنّة ـ أنّ هذا الفرد من الربح وهو ما يحتاج إليه خلال السنة المعبّر عنه بالمؤونة خارجٌ عن عموم الدليل ، والظاهر منه أنّ الخروج لم يكن بلحاظ الزمان ، بل هو متعلّق بنفس هذا الفرد من الربح بالذات كما عرفت ، فهو من قبيل التخصيص الأفرادي لا الأزماني .


   كما أ نّه لم يكن مقيّداً بعدم كونه مؤونة في السنة الآتية ولا بعدم الاستغناء عنه في السنين القادمة فيشمل كلّ ذلك بمقتضى الإطلاق . فهذا الفرد بعد خروجه لم يكن مشمولاً لإطلاقات الخمس فيحتاج شمولها له ثانياً إلى الدليل ومقتضى الأصل البراءة ، فلا موجب للاحتياط إلاّ استحباباً .


   ومع التنازل عن هذا البيان وتسليم كون الخروج بلحاظ الزمان فلا ينبغي التأمّل في عدم مفرديّة الزمان في عموم الخمس المتعلّق بالأرباح ليلزم الانحلال، بل هو ظرف محض ، فلكلّ فرد من الربح حكم وحداني مستمرّ من الخمس تكليفاً ووضعاً ، فإذا سقط الحكم عن فرد في زمان بدليل التخصيص احتاج


ــ[263]ــ


   [ 2944 ] مسألة 68 : إذا مات المكتسب في أثناء الحول بعد حصوله الربح سقط اعتبار المؤونة في باقيه ، فلا يوضع من الربح مقدارها على فرض الحياة (1) .


   [ 2945 ] مسألة 69 : إذا لم يحصل له ربح في تلك السنة وحصل في السنة اللاحقة لا يخرج مؤونتها من ربح السنة اللاحقة (2) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عوده إلى دليل آخر ، بعد وضوح أنّ أصالة العموم لا تقتضيه ، لعدم استلزام التخصيص الزائد .


   وبالجملة : فعلى التقديرين ـ أي سواء أكان التخصيص فرديّاً كما هو الظاهر أم زمانيّاً ـ لم يجب الخمس بعد الاستغناء ، إذ الموجب له كونه غنيمة ، والمفروض أنّ هذا الفرد حال كونه غنيمة لم يجب خمسه ، لكونه من المؤونة ، فعروض الوجوب ثانياً وخروج الخمس عن الملك يحتاج إلى الدليل، ولا دليل.


   بل المرجع حينئذ إطلاق دليل المخصّص أو استصحابه لا عموم العامّ ، وتكفينا أصالة البراءة عن وجوب الخمس ثانياً ، بعد وضوح عدم كون المؤونة في السنة اللاّحقة أو بعد الاستغناء مصداقاً جديداً للربح ليشمله عموم وجوب الخمس في كلّ فائدة .


   (1) لما تقدّم من أنّ الاعتبار في الاستثناء بالمؤونة الفعليّة لا التقديريّة ، فلا يوضع عن الربح إلاّ المقدار الذي صرفه خارجاً ، ويرجع فيما عداه إلى عموم وجوب الخمس ، إذ لا مؤونة بعد الموت ، فإنّها سالبة بانتفاء الموضوع .


   (2) لعدم المقتضي للإخراج بعد اختصاص دليله بمؤونة سنة الربح لا غير .


   نعم ، لو كان ذلك في سنة واحدة ، كما لو استدان للمؤونة أوّل السنة ثمّ حصل الربح ، أمكن القول بالإخراج كما سبق اختياره من الماتن في المسألة السادسة


ــ[264]ــ


   [ 2946 ] مسألة 70 : مصارف الحجّ من مؤونة عام الاستطاعة (1) ، فإذا استطاع في أثناء حول حصول الربح وتمكّن من المسير بأن صادف سير الرفقة في ذلك العامّ احتسب مخارجه من ربحه، وأمّا إذا لم يتمكّن حتى انقضى العام وجبعليهخمسذلكالربح،فإنبقيت الاستطاعة إلى السنة الآتية وجب وإلاّ فلا، ولو تمكّن وعصى حتى انقضى الحول فكذلك على الأحوط((1))، ولو حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعدّدة وجب الخمس فيما سبق على عام الاستطاعة ، وأمّا المقدار المتمّم لها في تلك السنة فلا يجب خمسه إذا تمكّن من المسير ، وإذا لم يتمكّن فكما سبق يجب إخراج خمسه ((2)) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


والستّين ، بناءً منه على أنّ مبدأ السنة هو أوّل الشروع في الاتّجار وإن لم يكن وجيهاً على ما قوّيناه من أنّ مبدأها ظهور الربح .


   وأمّا افتراض ذلك في سنتين بأن تخرج مؤونة سنة لا ربح فيها عن ربح السنة الاُخرى فلا وجه له بتاتاً ، لاختصاص الدليل بمؤونة سنة الربح فقط حسبما عرفت .


   (1) تنحلّ المسألة إلى صور ثلاث :


   اُولاها : ما إذا استطاع أثناء حول الربح وتمكّن من المسير وتلبّس بالسير .


   والظاهر أ نّه لا خلاف كما لا إشكال في احتساب مخارجه من الربح ، ضرورة كونها من أوضح أنحاء المؤونة فلا يجب الخمس فيها قطعاً .


   ثانيتها : ما إذا استطاع أثناءه ولكنّه لم يتمكّن من المسير حتى انقضى العام .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) بل على الأظهر .


(2) وكذا في فرض التمكّن من المسير دون سير .


ــ[265]ــ


   ولا ينبغي التأمّل في وجوب خمس ذلك الربح حينئذ ، لوضوح أنّ عدم التمكّن يكشف عن عدم الوجوب ، ومعه لم تكن مؤونة لكي تستثنى ، وحينئذ فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة الآتية وجب ، وإلاّ فلا كما هو ظاهر .


   ثالثتها : ما لو تمكّن ولكنّه عصى حتى انقضى الحول .


   وقد احتاط الماتن (قدس سره) وجوباً بإخراج الخمس حينئذ أيضاً .


   والظاهر أنّ نظره الشريف في الاحتياط المزبور ـ مع بنائه على عدم الاحتساب في فرض التقتير ووضوح كون ترك الحجّ في محلّ البحث من هذا القبيل ـ إلى اختصاص المقام بجهة بها يمتاز عن سائر موارد التقتير ، وهي تعلّق الوجوب بالصرف في المؤونة ، للإلزام الشرعي بالذهاب إلى الحجّ ، فيحتمل أنّ يكون هذا الإيجاب والإلزام محقّقاً ، لصدق المؤونة المانعة عن وجوب الخمس ، نظير ما ذكروه في باب الزكاة من أ نّه لو وجب الصرف في مورد لم تجب الزكاة ، لعدم التمكّن من التصرّف .


   وهذا الاحتمال وإن لم يكن بعيداً عند الماتن (قدس سره) ولأجله احتاط ولم يجزم في المسألة ، إلاّ أ نّه ضعيف عندنا ، لعدم صدق المؤونة عرفاً إلاّ لدى الصرف الخارجي ، ولا يكفي فيه مجرّد الإلزام الشرعي ، ومن ثمّ كان وجوب الخمس هو الأظهر لا مجرّد أ نّه أحوط .


   ونظير هذا الاحتياط منه (قدس سره) سيجيء في المسألة الآتية ، حيث يذكر (قدس سره) أ نّه إذا لم يؤدّ الدين حتى انقضى العام فالأحوط إخراج الخمس ، فإنّ مستنده هو ما ذكرناه بعين المناط ، حيث إنّ أداء الدين واجب كوجوب الحجّ ، فيحتمل أن يكون نفس التكليف محقّقاً لعنوان المؤونة وإن لم يتحقّق الأداء خارجاً ، فلا موجب لقياس المقام بسائر موارد التقتير ، حيث لا تكليف فيها بالصرف في المؤونة .


   هذا كلّه فيما إذا حصلت الاستطاعة في عام الربح .


ــ[266]ــ


   [ 2947 ] مسألة 71 : أداء الدين من المؤونة إذا كان في عام حصول الربح (1) أو كان سابقاً ولكن لم يتمكّن من أدائه ((1)) إلى عام حصول الربح ، وإذا لم يؤدّ دينه حتى انقضى العام ، فالأحوط إخراج ((2)) الخمس أوّلاً وأداء الدين ممّا بقي .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   وأمّا لو حصلت من أرباح سنين عديدة فلا ينبغي التأمّل في وجوب الخمس فيما سبق على عام الاستطاعة ، لعدم المقتضي للاستثناء ، وأمّا المقدار المتمّم لها الحاصل في السنة الأخيرة فحكمه حكم الاستطاعة بتمامها في عام الربح ، فتجري فيها الوجوه الثلاثة المتقدّمة من التمكّن من المسير وعدمه والعصيان ، فلاحظ .


   (1) تفصيل الكلام في المقام : أنّ الدين على أقسام :


   فتارةً : يفرض بعد حصول الربح في عامه ، واُخرى قبله في نفس العام ، وثالثةً في العام السابق على عام الربح .


   كما أ نّه قد يكون لأجل المؤونة ، واُخرى لغيرها ، إمّا مع بقاء عين ما استدان له ، أو مع تلفها كما في الغرامات ونحوها .


   والسيِّد الماتن وإن لم يذكر إلاّ بعض هذه الأقسام لكنّا نذكر جميعها استيعاباً للبحث .


   فنقول : يقع الكلام في مقامات ثلاثة :


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) بل مع التمكّن أيضاً ، نعم إذا كان بدل الدين موجوداً وجب تخميس الربح قبل أداء الدين إلاّ فيما إذا كان البدل من مؤونته فعلاً كالدار والفراش ونحوهما .


(2) بل الأظهر ذلك إلاّ فيما إذا كانت الاستدانة للمؤونة وكانت بعد ظهور الربح فإنّه لا يجب التخميس وإن لم يؤدّ الدين .


ــ[267]ــ


   المقام الأوّل :  في الدين المتأخّر عن حصول الربح في عامه .


   وتفصيله : أ نّه إذا ربح أوّلاً ثمّ استدان فقد يستدين لمؤونته ، واُخرى لأمر خارجي غير المؤونة .


   فإن كان الأوّل فلا ينبغي الشكّ في جواز أدائه من الربح من غير تخميس ، والظاهر أ نّه لم يستشكل فيه أحد ، إذ كما يجوز أن يشتري ذلك بنفس الربح ، فكذلك يجوز أن يشتريه بالذمّة ويؤدِّي الدين من الربح ، ففي الحقيقة هذا صرف للربح في المؤونة ديناً لا عيناً ، ولا فرق بينهما قطعاً .


   كما لا فرق في ذلك بين ما إذا كانت المؤونة المشتراة ديناً تالفة أم أ نّها كانت باقية كالفرش والدار والفرس ونحو ذلك ، فإنّه على التقديرين إذا أدّى الدين من الربح يعدّ ذلك من صرف الربح في المؤونة حسبما عرفت .


   بل الظاهر أنّ الأمر كذلك وإن لم يؤدّ الدين إلى أن مضت السنة ، فيجوز الأداء منه بعد ذلك من غير تخميس ، لعدم صدق الربح عند العقلاء بعد أن كان واقعاً في قبال الدين ، فإنّ العبرة عندهم في إطلاق الربح أو الخسران بملاحظة مجموع السنة ، فإن زاد في آخرها على رأس المال شيء لم يصرف في المؤونة فهو الربح ، وإلاّ فلا .


   وعليه ، فهم لا يعتبرون الربح ـ الذي بإزائه دين استدانة للمؤونة سواء أكانت مؤونة تحصيل الربح أم مؤونة السنة ـ ربحاً حقيقةً وإن كان كذلك صورةً ، بحيث لو سئل بعد انقضاء السنة هل ربحت في سنتك هذه ؟ لكان الجواب منفيّاً ، إذ لا يرى شيئاً يزيد على رأس ماله بعد اضطراره إلى الصرف في أداء الدين .


   ولو فرض صدق الربح بنحو من العناية فلا ينبغي الإشكال في عدم صدق عنوان الفاضل على المؤونة الذي هو الموضوع لوجوب الخمس ، فلا يدخل في قوله (عليه السلام) : «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام» إلخ .


ــ[268]ــ


   وبالجملة : العادة قاضية وسيرة العقلاء جارية على صرف المؤن المحتاج إليها من الأرباح إمّا من عين الربح ، أو من مماثله من دين أو مال مخمّس أو ما لا خمس فيه ، بحيث يتحفّظ على رأس المال ويصرف من الأرباح عيناً أو مثلاً . وعليه ، فلا ربح ، ولو سلّمنا فلا فاضل .


   ففي هذه الصورة لا حاجة إلى الأداء الخارجي ، بل مجرّد اشتغال الذمّة بالدين كاف في الاستثناء .


   وإن كان الثاني : أعني الدين لغير المؤونة ، كما لو اشترى فرساً ديناً لأن يؤجّره ـ مثلاً ـ فتارةً يكون موجوداً ، واُخرى تالفاً .


   أمّا الموجود فيجوز فيه أداء الدين ـ من الربح ، إذ يجوز له الآن أن يشتري الفرس بالربح فكيف بأداء الدين الآتي من قبل شراء الفرس ؟! ـ به ، لكنّه حينئذ يكون الفرس بنفسه ربحاً ، إذ للمالك تبديل الأرباح خلال السنة ولو عدّة مرّات ، كما هو دأب التجّار في معاملاتهم ، فهو في المقام يجد آخر السنة أ نّه ربح الفرس ، فيجب تخميسه بماله من القيمة ، سواء أكان مساوياً لما اشترى به أم أقلّ أم أكثر ، ففي جميع هذه الأحوال العبرة بنفس هذا المال لا الربح الذي أدّى به دينه .


   ولو لم يؤدّ دينه إلى أن انقضت السنة يقوّم الفرس أيضاً آخر السنة ويلاحظ الدين الذي عليه من الفرس ، فبمقدار الدين لا ربح وإنّما الربح في الزائد عليه لو كان فيجب تخميسه حينئذ .


   فمثلاً : لو اشترى الفرس بخمسين وكانت قيمته آخر السنة مائة فمعناه : أ نّه ربح خمسين فيخمّسه ، أمّا الخمسون الآخر فمدين بإزائه بهذا المقدار . نعم ، لو كانت القيمة بمقدار ما اشترى فضلاً عن الأقلّ لم يكن عليه شيء .


   وأمّا لو كان الفرس ـ مثلاً ـ تالفاً فإن أدّى دينه خلال السنة فلا إشكال ، 


ــ[269]ــ


فإنّ الخروج عن عهدة أداء الدين الثابت عليه ـ تكليفاً ووضعاً ـ يعدّ من المؤونة، بل لعلّ تفريغ الذمّة عنه بالربح السابق على التكليف من أوضح أنحائها ، فلو أدّاه فقد صدر من أهله في محلّه .


   وأمّا لو لم يؤدّ حتى مضت السنة فهل يستثنى كما كان يستثنى الدين للمؤونة؟ فيه كلام وإشكال .


   والاستثناء مشكل جدّاً ، نظراً إلى أنّ تلف هذا المال الخارجي الأجنبي عن التجارة لا ينافي صدق الربح في التجارة الذي هو الموضوع لوجوب الخمس ، فقد ربح في تجارته وفضل عن مؤونته وإن كان في عين الحال قد وردت عليه خسارة خارجية أجنبيّة عن تلك التجارة .


   فاستثناء هذا الدين كما ثبت في المؤونة بدعوى أ نّه لم يربح أو على تقدير الصدق لا يصدق الفاضل على المؤونة ، غير وجيه في المقام ، لما عرفت من عدم ارتباط الخسارة الخارجيّة بصدق الربح في هذه التجارة ، فإنّها نظير الضمان أو الدية الثابت في حقّه الناشئ من إتلاف مال أحد أو كسر رأسه ونحو ذلك في أ نّه لو أفرغ ذمّته وصرف الربح فيما اشتغلت به الذمّة فهو ، ويعدّ حينئذ من المؤونة ، لاحتياج الإنسان إلى تفريغ ذمّته كاحتياجه إلى المأكل والملبس ونحو ذلك . أمّا لو لم يفعل وبقي عنده الربح حتى مضت السنة بحيث صدق أ نّه ربح وفضل عن المؤونة ـ لأ نّه لم يصرفه في المؤونة ـ وجب عليه الخمس ، لأنّ حاله حينئذ حال التقتير كما لا يخفى .


   هذا كلّه فيما إذا كان الدين بعد الربح من هذه السنة .


   المقام الثاني :  فيما إذا كان الدين من السنين السابقة .


   ولا ينبغي الشكّ في عدم استثنائه من أرباح هذه السنة ، لأنّ المستثنى منها خصوص ما يعدّ من مؤن هذه السنة ، ولا ريب أنّ ديون السنين السابقة ـ حتى 


ــ[270]ــ


ما كانت لأجل مؤونتها فضلاً عمّا كانت لغير المؤونة ـ لا تكون من مؤونة هذه السنة . فالاستثناء لا يثبت جزماً .


   وهل يجوز أداء ذاك الدين من هذه الأرباح ، أو لا يجوز إلاّ بعد التخميس ؟


   حكم في المتن بالجواز شريطة إن لم يكن متمكّناً من الأداء إلى عام حصول الربح .


   ولم يظهر لنا وجه لهذا التقييد ، إذ لا مدخل للتمكّن وعدمه في هذا الحكم ، بل العبرة بصدق كون الأداء المزبور مؤونة لهذه السنة ، فإن ثبت بحيث صدق على صرف الربح فيه أ نّه صرفه في المؤونة جاز استثناؤه ، وإلاّ فلا .


   ولا يناط ذلك بعدم التمكّن السابق بوجه كما هو الحال في بقيّة المؤن ، فلو تزوّج أو اشترى داراً من أرباحه ولو مع التمكّن من الصرف من مال آخر صدق عليه بالضرورة أ نّه قد صرف الربح في المؤونة ، فالتمكّن المزبور أو عدمه سيّان في هذا الحكم وأجنبيّان عن صدق الصرف في المؤونة جزماً ، فلا فرق إذن بين الصورتين أبداً .


   والظاهر تحقّق الصدق المذكور ، فإنّ منشأ هذا الدين وإن كان قد تحقّق سابقاً إلاّ أ نّه بنفسه مؤونة فعليّة ، لاشتغال الذمّة به ولزوم الخروج عن عهدته ، سيّما مع مطالبة الدائن ، بل هو حينئذ من أظهر مصاديق المؤونة ، غايته أنّ سببه أمر سابق من استدانة أو إتلاف مال أحد أو ضرب أو قتل بحيث اشتغلت الذمّة بالبدل أو الدية ، فالسبق إنّما هو في السبب لا في المسبّب ، بل المسبّب ـ أعن : كونه مؤونة ـ متحقّق بالفعل .


   فهو نظير من كان مريضاً سابقاً ولم يكن متمكّناً من علاج نفسه إلاّ في هذه السنة ، أو كان متمكّناً وأخّر عامداً ، فإنّه على التقديرين إذا صرف من أرباح هذه السنة في معالجة نفسه فقد صرفه في مؤونته وإن كان سببها المرض 


ــ[271]ــ


السابق ، فليست العبرة بسبق السبب ، بل الاعتبار بفعليّة المؤونة وهي صادقة حسبما عرفت .


   فتحصّل : أنّ الأظهر أنّ أداء الدين السابق ـ سواء أكان متمكّناً منه سابقاً أم لا ـ يعدّ أيضاً من المؤونة وإن لم يكن الدين بنفسه معدوداً منها ، فلا يستثنى من أرباح هذه السنة من غير أداء .


   فيفرّق بين الدين المتأخّر وبين الدين السابق ، فيحسب الأوّل من مؤونة هذه السنة وإن لم يؤدّ خارجاً كما مرّ ، أمّا الثاني فلا يحسب منها إلاّ مع التصدّي للأداء خارجاً ، سواء أكان مصروفاً في مؤونة السنة السابقة أم لا .


   هذا فيما إذا لم يكن بدل الدين موجوداً .


   وأمّا مع وجوده ، كما لو اشترى بالدين السابق داراً أو بستاناً ، فإن كان ذلك لأمر خارجي غير المؤونة فلا ينبغي الشكّ في عدم جواز الأداء بلا تخميس ، إذ بعد أن كان الدين مقابلاً بالمال فلو أدّاه من الربح غير المخمّس يبقى هذا المال خالصاً له بلا دين فيكون زيادة على المؤونة فلا بدّ من تخميسه ، فليس له أن يؤدّي دينه بلا تخميس لا بالنسبة إلى الربح ولا الثمن ، بل لا بدّ وأن يحاسب آخر السنة .


   وأمّا إن كان للمؤونة لاحتياجه إلى الدار ـ مثلاً ـ فعلاً فله أن يؤدّي دينه من أرباح هذه السنة ، لأ نّه من صرف الربح في المؤونة فهو كما لو اشترى فعلاً من هذه الأرباح داراً لسكناه ، فلا يجب الخمس في مثله لا في الربح ولا في بدل الدين بعد فرض كونه مؤونة له بالفعل .


   ومن هذا القبيل أداء مهر الزوجة ، فله أن يؤدّي كلّ سنة مقداراً من مهرها بلا تخميس ، لأ نّه من صرف الربح في المؤونة حسبما عرفت .


   المقام الثالث :  في الدين في هذه السنة ولكن قبل ظهور الربح .


ــ[272]ــ


وكذا الكلام في النذور والكفّارات (1) .


   [ 2948 ] مسألة 72 : متى حصل الربح وكان زائداً على مؤونة السنة تعلّق به الخمس (2) وإن جاز له التأخير في الأداء إلى آخر السنة ، فليس تمام


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   وحكمه يظهر ممّا مرّ ، فإنّه إن قلنا : إنّ مبدأ السنة حال الشروع في الكسب ـ كما هو خبرة المتن ـ فحاله حال الدين بعد الربح ، وإن قلنا : إنّ مبدأه ظهور الربح ـ كما هو الصحيح ـ فحاله حال الدين في السنة السابقة . فهذا إمّا أن يلحق بالقسم الأوّل أو بالقسم الثاني فلاحظ .


   (1) يعني : فيجري فيه الاحتياط المتقدّم في أداء الدين السابق بإخراج الخمس أوّلاً ثمّ الأداء ممّا بقي .


   وقد أشرنا إلى وجه هذا الاحتياط في المسألة السابقة ، وأ نّه احتمال أن يكون التكليف المتعلّق بالحجّ أو بأداء الدين أو بالوفاء بالنذر أو الكفّارة بنفسه محقّقاً لصدق المؤونة ، وأ نّه بذلك يمتاز المقام عن سائر موارد التقتير .


   لكن عرفت ضعفه وأنّه ما لم يتحقّق الأداء أو الوفاء خارجاً لا تكاد تصدق المؤونة عرفاً بمجرّد التكليف والإلزام الشرعي ، وأنّ العبرة بنفس الصرف لا بمقداره ، فلا ينبغي التوقّف عن الفتوى ، بل الأظهر الأقوى هو وجوب إخراج الخمس .


   (2) ينبغي التكلّم في مقامين :


   أحدهما : في زمان تعلّق الخمس وأ نّه حين ظهور الربح ، أم بعد انتهاء السنة .


   ثانيهما : في أ نّه بناءً على الأوّل فهل يجوز له التأخير إلى نهاية السنة أو لا ؟


   أمّا المقام الأوّل :  فالمعروف والمشهور أنّ التعلّق المستتبع لحصول الاشتراك بين المالك ومستحقّ الخمس إنّما هو من أوّل ظهور الربح .


ــ[273]ــ


الحول شرطاً في وجوبه ((1)) ، وإنّما هو إرفاق بالمالك ، لاحتمال تجدّد مؤونة اُخرى زائداً على ما ظنّه ، فلو أسرف أو أتلف ماله في أثناء الحول لم يسقط الخمس ، وكذا لو وهبه أو اشترى بغبن حيلة في أثنائه .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   ونسب الخلاف إلى الحلّي في السرائر وأ نّه ذهب إلى أنّ التعلّق في آخر السنة (2) .


   وهذا على تقدير صدق النسبة لا نعرف له وجهاً صحيحاً ، فإنّ الآية المباركة ولو بضميمة الروايات الكاشفة عن إرادة الغنيمة بالمعنى الأعمّ ظاهرة في تعلّق الخمس من لدن تحقّق الغنيمة .


   كما أنّ الروايات ـ وعمدتها موثّقة سماعة : «ما أفاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس» (3) ـ أيضاً ظاهرة في ثبوت الحكم حين صدق الفائدة الذي هو أوّل ظهور الربح .


   وليس بإزاء ذلك إلاّ قولهم (عليهم السلام) في عدّة من الأخبار : «إنّ الخمس بعد المؤونة» .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) إذا جاز له التأخير إلى آخر السنة فكيف لا يكون الوجوب مشروطاً بذلك ؟! والتحقيق أنّ الخمس يتعلّق بالمال من أوّل ظهور الربح مشروطاً بعدم صرفه في المؤونة إلى آخر السنة ، وبما أ نّه يجوز صرفه فيها فلا يجب الأداء قبل تمام الحول ، وبذلك يظهر أ نّه لا يجب الأداء فعلاً وإن علم أ نّه لا يصرفه في مؤونته ، فإنّ عدم الصرف خارجاً لا ينافي جوازه ، والواجب المشروط لا ينقلب إلى المطلق بوجود شرطه .


(2) السرائر 1 : 489 ـ 490 .


(3) الوسائل 9 : 503 /  أبواب ما يجب فيه ب 8 ح 6 ، بتفاوت يسير .


ــ[274]ــ


   ولكن من الظاهر أنّ المراد بالبَعديّة ليست هي البَعديّة الزمانيّة لتدلّ على أنّ حدوث الخمس متأخّر عن إخراج المؤونة، بل المراد البَعديّة الرتبيّة، نظير قوله تعالى: (مِن بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَو دَيْن)(1)، يعني : أنّ مرتبة الخمس متأخّرة عن المؤونة ، كما أنّ مرتبة الإرث متأخّرة عن الوصيّة والدين ، ومرجع ذلك إلى أنّ إخراج الأمرين مقدّم على الصرف في الإرث ، كما أ نّه في المقام يلاحظ الخمس فيما يفضل على المؤونة من الربح من غير نظر إلى الزمان بتاتاً .


   فمقتضى الجمع بين هذه الروايات الدالّة على أنّ الخمس بعد المؤونة وما دلّ على تعلّقه من لدن ظهور الربح : أنّ الحكم ثابت من الأوّل لكن مشروطاً بعدم الصرف في المؤونة بنحو الشرط المتأخّر ، فإنّ البعديّة الرتبيّة لا تنافي الثبوت من الأوّل كما في الإرث ، غايته أ نّه من قبيل الواجب المشروط بالشرط المتأخّر، فكلّما صرفه في المؤونة لم يتعلّق به الخمس من الأوّل ، وكلّ ما بقي وفضل ـ كما عبّر به في رواية ابن شجاع (2) ـ وجب خمسه . وهذا هو الظاهر من الجمع بين الأخبار .


   وممّا يرشدك إلى إرادة البَعديّة الرتبيّة أنّ لازم إرادة الزمانيّة جواز إتلاف الربح أثناء السنة أو الصرف في غير المؤونة من هبة لا تليق بشأنه ونحوها ، لعدم لزوم حفظ القدرة قبل تعلّق التكليف ، ومرجع هذا إلى سقوط الخمس عنه ، ولعلّ الحلّي أيضاً لا يلتزم بذلك .


   هذا ، ولكنّ الإنصاف أنّ ما ذكرناه إنّما يتّجه بالإضافة إلى مؤونة الاسترباح وما يصرف في سبيل تحصيل الربح ، فإنّ ما ورد من أنّ الخمس بعد المؤونة ناظر إلى ذلك .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) النِّساء 4 : 11 .


(2) الوسائل 9 : 500 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 2 .


ــ[275]ــ


   وأمّا بالنسبة إلى مؤونة السنة التي هي محلّ الكلام فتعلّق الخمس باق على إطلاقه ، وإنّما المتقيّد بعدم الصرف فيها هو الحكم التكليفي ـ أعني : وجوب الخمس ـ لا تعلّقه ، على ما تشهد به نصوص الباب ، حيث إنّ المعلّق على ما بعد المؤونة في صحيحة ابن مهزيار (1) إنّما هو وجوب الخمس ، كما أنّ المعلّق عليه في صحيحته الاُخرى (2) هو قوله (عليه السلام) : «عليه الخمس» ، الظاهر في الوجوب .


   إذن فيكون المشروط بعدم الصرف فيها على سبيل الشرط المتأخّر إنّما هو الوجوب لا أصل التعلّق ، فإنّه باق على إطلاقه .


   وكيفما كان ، فما ذكره المشهور من ثبوت الحكم من الأوّل مشروطاً بعدم الصرف في المؤونة هو الصحيح ، بل لا ينبغي التردّد فيه .


   وأمّا المقام الثاني :  فقد صرّح جماعة ـ بل ادّعي الإجماع عليه في غير واحد من الكلمات ـ بجواز التأخير إلى نهاية السنة ، إرفاقاً واحتياطاً من جهة المؤونة .


   لكن قد يستشكل فيه بأ نّه لولا قيام الإجماع بل إرسالهم له إرسال المسلّمات لَما أمكن تتميمه بالدليل، إذ كيف يسوغ التأخيرفيأداءحتىالغيرالثابت بمجرّد ظهور الربح ـ كما هو المفروض ـ مع إطلاق ما دلّ على عدم حلّ مال المسلم بغير إذنه ؟! واحتمال وجود المؤونة منفي بالأصل .


   مع أ نّه قد يعلم بعدمها سيّما إذا كان الربح كثيراً جدّاً بحيث يقطع عادةً بعدم صرف الجميع ، فغايته استثناء المقدار المتيقّن صرفه في المؤونة دون المشكوك ، فضلاً عمّا يقطع بالعدم ، بل لا معنى للاحتياط حينئذ كما لا يخفى .


   ويندفع بإمكان الاستدلال عليه ـ مع الغضّ عن الإجماع ـ بوجوه :


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 9 : 500 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 3 .


(2) الوسائل 9 : 500 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 4 .


ــ[276]ــ


   أحدها : السيرة القطعيّة العمليّة القائمة من المتشرّعة على ذلك ، فإنّهم لا يكادون يرتابون في جواز التأخير إلى نهاية السنة ، ولا يبادرون إلى الإخراج بمجرّد ظهور الربح بالضرورة ، ولو كان ذلك واجباً لكان من الواضحات التي لا تعتريها شائبة الإشكال .


   ثانيها : قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن مهزيار : «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام» إلخ (1) .


   دلّت على أنّ الإخراج إنّما يجب في كلّ عام مرّة لا في كلّ يوم ، ولدى ظهور كلّ فرد فرد من الأرباح . ونتيجته : جواز التأخير إلى نهاية السنة .


   ثالثها : صحيحة ابن أبي نصر ، قال : كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) : الخمس ، أخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة ؟ فكتب : «بعد المؤونة» (2) .


   فإنّ السؤال عن الإخراج الذي هو نقل خارجي لا عن التعلّق ، والمراد بالمؤونة ـ كما مرّ ـ ليس هو مقدارها ، بل نفس الصرف الخارجي ، فقد دلّت على أنّ الإخراج إنّما هو بعد الصرف في المؤونة في آخر السنة وإن كان التعلّق من الأوّل .


   لكن ذكرنا سابقاً أنّ هذه الصحيحة يمكن أن تكون ناظرة إلى مؤونة الربح لا مؤونة السنة ، فهي حينئذ أجنبيّة عن محلّ الكلام .


   رابعها ـ وهو العمدة في المقام ـ : أنّ المؤونة على قسمين :


   أحدهما : المصارف الضروريّة التي لا بدّ منها من المأكل والمسكن والملبس ونحوها ممّا يحتاج إليه الإنسان في إعاشته ، فإنّها غالباً محدودة بحدٍّ معيّن ربّما يعلم الإنسان بمقداره وربّما يشكّ ويكون لها قدر متيقّن .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 9 : 501 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 5 .


(2) الوسائل 9 : 508 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 12 ح 1 .


ــ[277]ــ


   ثانيهما : المصارف غير الضروريّة ممّا يكون باختيار الإنسان له أن يفعل وأن لا يفعل ، كالهبة اللاّئقة بشأنه والحجّ المندوب والزيارات وما يصرف في سبيل الخيرات والمبرّات ، فإنّ هذه أيضاً تعدّ من المؤن . ومن ثمّ جاز الصرف فيها من غير تخميس كما تقدّم ، وليست محدودة بحدّ ، كما أنّ الجواز لم يكن منوطاً بالصرف الخارجي ، فهو ثابت حتى في حقّ من يقطع من نفسه بعدم الصرف في هذه السنة في شيء من ذلك .


   وقد تقدّم في المقام الأوّل أنّ الخمس وإن تعلّق من لدن ظهور الربح لكنّه مشروط وضعاً أو تكليفاً بعدم الصرف في المؤونة ـ بقسميها ـ بنحو الشرط المتأخّر على ما استفدناه من قوله (عليه السلام) : «الخمس بعد المؤونة» حسبما تقدّم (1) .


   وقد ذكرنا في الاُصول : أنّ الواجب المشروط لا ينقلب إلى الواجب المطلق بحصول شرطه فضلاً من العلم به ، فالحجّ ـ مثلاً ـ مشروط بالاستطاعة دائماً حتى بعد حصولها وتحقّقها خارجاً ، فإنّ موضوع الحكم لا ينقلب عمّا هو عليه بوجه ، ولأجل ذلك كان الواجب المهمّ المشروط بعصيان الأهمّ مشروطاً مطلقاً حتى مع فعليّة العصيان، كما فصّلنا البحث حول ذلك في مبحث الترتّب مشبعاً (2) .


   وعليه ، فلو فرضنا القطع بعدم الصرف في المؤونة إلى نهاية السنة بحيث تيقّنّا بحصول الشرط مع ذلك لم يجب الأداء فعلاً وإن كان متعلّقاً للخمس فيجوز التأخير ، وذلك لجواز الصرف في المؤونة من غير إناطة بفعليّة الصرف كما عرفت ، فإذا جاز الصرف المزبور جاز الإبقاء إلى نهاية السنة بطبيعة الحال ، ومن الضروري أنّ جواز الصرف أو الإبقاء لا يجتمع مع وجوب الأداء فعلاً .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في ص 209 .


(2) محاضرات في اُصول الفقه 3 : 115 ـ 124 .


ــ[278]ــ


   [ 2949 ] مسألة 73 : لو تلف بعض أمواله ممّا ليس من مال التجارة أو سرق أو نحو ذلك لم يجبر بالربح وإن كان في عامه ، إذ ليس محسوباً من المؤونة (1) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   وبالجملة : القطع بعدم فعليّة الصرف خارجاً لا ينافي جوازه شرعاً ، لعدم استلزام الجواز تحقّق الصرف بالضرورة، فهو مرخّص في إعدام موضوع الخمس وإسقاطه بالصرف في المؤونة إلى نهاية السنة ، ومن الواضح أنّ هذا ملازم لجواز الإبقاء ، فكيف يجتمع ذلك مع وجوب الإخراج فوراً ومن لدن ظهور الربح ؟! للتهافت الواضح بين الإلزام بالإخراج في هذا الحال وبين الحكم بجواز الصرف في المؤونة إلى نهاية السنة كما هو ظاهر جدّاً .


   وهذا الوجه هو العمدة في الحكم بجواز التأخير مضافاً إلى ما عرفت من الروايات .


   فتحصّل : أنّ الحقّ والحكم الوضعي وإن كان ثابتاً حين ظهور الربح لكن الحكم التكليفي ـ أعني : وجوب الإخراج ـ لم يكن إلاّ في آخر السنة وعند حلول الحول وإن جاز له الإخراج في الأثناء أيضاً ، وأ نّه لو فعل ذلك كشف عن تعلّق الوجوب به من الأوّل ، لتحقّق شرطه المتأخّر حسبما عرفت .


   (1) تارةً : يفرض أنّ التالف ممّا يحتاج إليه في إعاشته ، كما لو انهدمت داره فاحتاجت إلى التعمير ، وهذا خارج عن محلّ الكلام ، لأ نّه من صرف الربح في المؤونة .


   واُخرى : يفرض أنّ التالف مؤونة ولكنّه لم يصرف الربح في تلك المؤونة ، أو كان مالاً خارجيّاً غير المؤونة ، كما لو كانت له مواشي فتلفت ، فهل يجبر هذا التلف أو الخسارة الواردة من ربح التجارة بحيث لا يكون فيه خمس ، أو لا ؟


ــ[279]ــ


   [ 2950 ] مسألة 74 : لو كان له رأس مال وفرّقه في أنواع من التجارة فتلف رأس المال أو بعضه من نوع منها فالأحوط عدم جبره بربح تجارة اُخرى (1) ، بل وكذا الأحوط عدم جبر خسران نوع بربح اُخرى ، لكن الجبر لا يخلو عن قوّة خصوصاً في الخسارة .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   اختار (قدس سره) عدم الجبر ، وهو الصحيح ، والوجه فيه ظاهر ، فإنّ موضوع الخمس مؤلّف من أمرين : الربح ، وعدم الصرف في المؤونة .


وكلا الأمرين متحقّق ، لصدق الربح والاستفادة وجداناً بحيث يصحّ أن يقال : إنّه استفاد في تجارته كذا مقداراً ولم يصرفه في المؤونة حسب الفرض ، غاية الأمر أ نّه قد وردت عليه خسارة خارجيّة لكنّها لا تستوجب سلب صدق الاستفادة في تجارته هذه بالضرورة ، لعدم ارتباط بينهما ، وأحدهما أجنبي عن الآخر . إذن فالجبر يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل ، ومعه لا مناص من التخميس .


   هذا ، ولا يفرق الحال في ذلك بين القول باختصاص الخمس بأرباح المكاسب ، أو التعميم لمطلق الفائدة من وصيّة أو لقطة أو هبة أو وقف ونحو ذلك ممّا هو خارج عن الكسب ، ضرورة أنّ كلامنا في الجبر لا فيما يجب فيه الخمس ، فمتعلّق الوجوب أيّاً ما كان من العنوان الخاصّ أو العامّ لا تنجبر به الخسارة الخارجيّة ، إذ لا علاقة بينهما ولا ارتباط حسبما عرفت ، وتلك الخسارة كما لا توجب زوال الربح لا توجب زوال الفائدة أيضاً بمناط واحد ، فلا وجه لابتناء الجبر وعدمه على تلك المسألة كما لا يخفى ، فلاحظ وتدبّر .


   (1) الظاهر أ نّه لا خلاف ولا إشكال في جبر التلف أو الخسران بالربح فيما إذا كانا في وقتين أو في فردين من نوع واحد من التجارة ، كالبزّاز الذي يربح في شهر ويخسر في آخر أو يربح في قسم كالماهوت ويخسر في قسم آخر


ــ[280]ــ


   نعم ، لو كان له تجارة وزراعة ـ مثلاً ـ فخسر في تجارته أو تلف رأس ماله فيها فعدم الجبر لا يخلو عن قوّة ((1)) ، خصوصاً في صورة التلف ، وكذا العكس .


   وأمّا التجارة الواحدة فلو تلف بعض رأس المال فيها وربح الباقي فالأقوى الجبر ، وكذا في الخسران والربح في عام واحد في وقتين ، سواء تقدّم الربح أو الخسران ((2)) ، فإنّه يجبر الخسران بالربح .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


كالفاستون ، أو يربح بائع العبي في العباءة الشتويّة ويخسر في الصيفيّة ، وهكذا ، ضرورة أنّ العرف والعادة قد جرت على احتساب الربح والخسارة في مثل ذلك في المجموع لا في واحد واحد ، فيلاحظ المجموع في آخر السنة ويحاسب كمعاملة واحدة قد خسر فيها أو ربح . وهذا لا ينبغي الإشكال فيه كما عرفت ، وقد تعرّض له الماتن في آخر المسألة .


   ولكن الذي ينبغي التنبيه عليه هو أنّ خسارة السنة السابقة لا تنجبر بالربح في السنة اللاحقة ولو من جنس واحد كما نصّ عليه الأصحاب ، كالبزّاز الذي يخسر في سنة ويربح في اُخرى، لأنّ كلاًّ منهما موضوع مستقلّ وله حكم خاصّ .


   فعلى هذا لا تنجبر الخسارة السابقة بالربح اللاّحق ولو في سنة واحدة ، بناءً على ما هو الصحيح من أنّ مبدأ السنة إنّما هو ظهور الربح لا الشروع في الكسب ، فالخسارة قبل الظهور أيضاً لا تتدارك بالربح اللاّحق ، لأنّ العبرة بصرف الربح في المؤونة ولم يصرف فيها ، وواضح أنّ الخسارة السابقة 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في القوّة إشكال ، نعم هو أحوط ، ولا فرق في ذلك بين صورتي الخسران والتلف السماوي .


(2) الجبر في فرض تقدّم الخسران لا يخلو من إشكال بل منع .


ــ[281]ــ


لا توجب عدم صدق الربح في المتأخّر ، فلا تنجبر به حتى في تجارة واحدة ، كما كان كذلك في خسارة السنة السابقة ، ونحوهما ما يصرف في المؤونة قبل ظهور الربح .


   وبالجملة: يختصّ الجبر بالربح السابق والخسارة اللاحقة ، إذ حينئذ لا يصدق أ نّه اسـتفاد ، فإنّ الربح المتعقّب بالخسران في حكم العدم ، فما تسالمت عليه كلماتهم من تدارك الخسارة بالربح في التجارة الواحدة فضلاً عن المتعدّدة لا بدّ من تقييده بالخسارة المتأخّرة ، وأمّا المتقدّمة فحالها حال الخسارة في السنة السابقة في عدم انجبارها بالربح اللاّحق .


   وملخّص الكلام في المقام : أ نّه لا خلاف بين الأعلام في انجبار الخسارة اللاّحقة بالربح السابق ـ في سنة واحدة ـ لأنّ الربح وإن صدق حدوثاً إلاّ أ نّه لا ربح بقاءً بعد تبدّله بالخسران ، ففي الحقيقة لم يربح وإنّما هو صورة الربح .


   وأمّا عكس ذلك ، كما لو خسر في الشهر الأوّل وربح في الشهر الثاني ، فقد حكم الماتن بالجبر فيه أيضاً ، وهو وجيه على مسلكه من جعل مبدأ السنة أوّل الشروع في الكسب .


   ولكنّك عرفت فيما سبق عدم الدليل عليه ، إذ لم نجد في الروايات ما يشهد له ، بل الموضوع فيها الغنيمة والإفادة والاستفادة ونحو ذلك ممّا يكشف عن أنّ المبدأ هو ظهور الربح مشروطاً بعدم الصرف في المؤونة .


   وأمّا ما تقدّم على الربح من صرف شيء في المؤونة أو الخسارة فلم يدلّ أيّ دليل على انجباره بالربح المتأخّر .


   نعم ، لا ريب في الانجبار بالإضافة إلى مؤونة التجارة ، أي ما يصرف في سبيل تحصيل الربح ، فيستثنى ما يبذل لأجل استخراج الكنز أو المعدن أو الاتّجار من ضريبة أو اُجرة حمّال أو مكان أو كتابة أو برقيّة ونحو ذلك ممّا 


ــ[282]ــ


يتوقّف عليه الاستنتاج والاسترباح ، لأنّ الخمس بعد المؤونة ، بل لا ربح إلاّ فيما عداها .


   بل لا يتقيّد ذلك بالسنة أيضاً وإن كان التقييد يظهر من بعض الكلمات ، فلو اشتغل باستخراج المعدن أو نسج السجّاد سنين وبذل خلالها أموالاً فإنّ ذلك كلّه يستثنى من الربح بلا خلاف ولا إشكال ، إذ التقييد بالسنة إنّما ثبت في مؤونة الشخص وعائلته لا في مؤونة الربح كما لا يخفى .


   هذا كلّه في تجارة واحدة .


   وأمّا لو فرّق رأس المال في نوعين أو أنواع من التجارة كتجارة القماش وتجارة الطعام فربح في أحدهما وخسر في الآخر ، فهل يلتزم بالجبر حينئذ على الشرط المتقدّم من تقدّم الربح على الخسارة ، وإلاّ ففي صورة العكس الكلام هو الكلام ، فإنّا إذا لم نلتزم بالجبر في نوع واحد ففي نوعين بطريق أولى ؟


   ربّما يستشكل في ذلك بأنّ كلاًّ منهما موضوع مستقلّ فلا موجب للجبر ، بل نُسب إلى الجواهر أ نّه قوّى ذلك (1) ، ولكن السيِّد الماتن احتاط فيه ، وأخيراً قوّى الجبر وهو الصحيح .


   فإنّ همّ التاجر وغايته الوحيدة إنّما هو الاسترباح وتوفير المال ولا نظر له إلى خصوصيّات الأفراد التي فرّق فيها رأس ماله ، بل العبرة بملاحظة المجموع وإن تشعّبت فروعه وتشتّتت .


   بل أنّ هذا هو الغالب في الكسبة العاديّين من أرباب الحوانيت ، حيث يشتمل محلّ تجارتهم على أنواع مختلفة وبضائع متفرّقة من ماش وعدس وأرز ولبن وصابون ونحوها ممّا قد يتجاوز عشرات المواد ، فإنّ ذلك كلّه كسب 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الجواهر 16 : 61 .


ــ[283]ــ


واحد عرفاً وإن تشكّل من أجناس عديدة قد تفرّق فيها رأس المال في سبيل تحصيل الربح ، فلو ربح في البعض وخسر في البعض الآخر فمعناه : أ نّه لم يربح ، لبقاء رأس ماله على حاله من أجل الخسارة الواردة عليه ، فهو في آخر السنة يحاسب المجموع فيتحصّل الانجبار بطبيعة الحال .


   ولو تنازلنا وفرضنا الشكّ في صدق الاستفادة في هذه السنة من أجل الشكّ في الجبر كان مقتضى الأصل البراءة عن وجوب الخمس ، للشكّ في تحقّق موضوعه وهو الربح الباقي إلى نهاية السنة ، فمجرّد الشكّ كاف في جريان نتيجة الجبر ، مع أ نّا لا نكاد نشكّ أبداً ، بل الظاهر بحسب الصدق العرفي عدم الفرق بين النوع الواحد والنوعين في تحقّق الجبر بمناط واحد حسبما عرفت .


   إنّما الكلام فيما لو كان الشغل مختلفاً ، كما لو كان تاجراً وزارعاً فربح في أحدهما وخسر في الآخر ، فهل يحكم بالجبر حينئذ ؟


   أفتى (قدس سره) بالعدم ، نظراً إلى تعدّد العنوان .


   ولكن للمناقشة فيه مجال ، إذ العنوان وإن تعدّد إلاّ أنّ شيئاً منها لم يكن ملحوظاً بالذات ، بل الكلّ مقدّمة للاسترباح ولتحصيل المال ، والاختلاف إنّما هو في سبل تحصيله ، فهو في آخر السنة يلاحظ مجموع العائد من كسبه المنشعب إلى قسمين أو أقسام ، فإذا ربح في البعض وخسر في الآخر يجري الكلام المتقدّم حينئذ من أ نّه لم يربح بمقدار خسارته ، ولا أقلّ من الشكّ في صدق الاستفادة وشمول الأدلّة له ، ومقتضى الأصل البراءة عن الوجوب، ولكن الاحتياط في محلّه .


   والمتحصّل من جميع ما مرّ : أنّ الأظهر هو الجبر ، سواء أتعدّد العنوان أم اتّحد ، وسواء أتعدّدت الأنواع ـ في العنوان الواحد ـ أم اتّحدت ، مع فرض تقدّم الربح على الخسارة ، دون العكس ، حيث إنّ الربح المتعقّب بالخسارة كأ نّه لا ربح .


ــ[284]ــ


   [ 2951 ] مسألة 75 : الخمس بجميع أقسامه متعلّق بالعين (1) ،


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   ولمزيد التوضيح في وجهه نقول : إنّه يدلّ عليه مضافاً إلى الإجماع والسيرة القطعيّة أ نّك قد عرفت أنّ الخمس وإن كان متعلّقاً بالمال من الأوّل كتاباً وسنّة لكن وجوبه مشروط بعدم الصرف في المؤونة بنحو الشرط المتأخّر ، وعلى هذا بنينا جواز الإبقاء احتياطاً للمؤونة ، بل لم نستبعد الجواز حتى مع القطع بالعدم كما تقدّم . فيكشف الصرف عن عدم الوجوب من الأوّل ، لفقد شرطه ، فله الإبقاء إلى نهاية السنة ، فإنّ صرفه فلا خمس ، وإلاّ خمّسه . ومن ثمّ أوعزنا إلى أنّ الوجوب يثبت آخر السنة وإن كان الحقّ متعلّقاً من الأوّل ، فلا يجب الإخراج أثناء السنة وإن جاز له ذلك . هذا هو المستفاد من مجموع الأخبار .


   ولازم ذلك بحسب الفهم العرفي أنّ موضوع الوجوب هو الربح الباقي ، ولا يكفي فيه مجرّد الحدوث . وعليه ، فمع عروض الخسران لا ربح بقاءً ، إذ لا يصدق عرفاً أ نّه ربح في تجارته في هذه السنة ، بل كان له ربح وقد زال وكان مرخّصاً في التأخير لأجل المؤونة حسبما عرفت ، فلا موضوع للخمس ، وكأ نّه لم يربح ولم يتّجر . ومع التنزّل فلا أقلّ من الشكّ ، إذ لا ندري أنّ موضوع الحكم هل هو الربح الحادث أو الباقي ؟ فيرجع إلى أصالة البراءة عن الوجوب.


   (1) كما في الزكاة من غير خلاف فيه ، وتقتضيه ظواهر الأدلّة من الكتاب والسنّة ، حيث تضمّنت إسناد الخمس إلى نفس العين بتعابير مختلفة من قوله : «خمسه» أو : «فيه الخمس» أو : «الخمس عليه» أو : «فيه» ونحو ذلك ممّا يظهر منه التعلّق بنفس الموضوعات والأعيان الخارجية دون الذمّة .


ــ[285]ــ


ويتخيّر المالك بين دفع خمس العين أو دفع قيمته من مال آخر نقداً أو جنساً ((1)) (1) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) فلا يجب الإخراج من نفس المال ، بل يجوز من مال آخر . ولعلّ هذا هو المتسالم عليه بين الأصحاب وإن لم يذكروا ذلك إلاّ في باب الزكاة ، وكأ نّه لبنائهم على الاشتراك في هذه الأحكام . إنّما الكلام في دليله .


   أمّا جواز التصرّف أثناء السنة في ماله والتبديل بمال آخر فلا إشكال فيه ، لعدم كون المالك محجوزاً ومحجوراً عليه قبل تمام السنة بمجرّد ظهور الربح ، بعد وضوح كون الخمس مشروطاً بعدم الصرف في المؤونة ، وهذا خارج عن محلّ الكلام .


   بل الكلام فيما بعد حلول الحول واستقرار الخمس وأ نّه هل يجوز الإخراج عندئذ عن مال آخر أو لا ؟


   لم يرد في المقام أيّ دليل يدلّ على الجواز حتى من النقود فضلاً عن العروض .


   نعم ، يمكن الاستدلال بما تمسّك به الفقهاء لذلك في باب الزكاة بدعوى شموله للمقام أيضاً ، وهي صحيحة البرقي ، قال : كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : هل يجوز أن اُخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة والشعير وما يجب على الذهب دراهم قيمة ما يسوى ، أم لا يجوز إلاّ أن يخرج عن كلّ شيء ما فيه ؟ فأجاب (عليه السلام) : «أيّما تيسّر يخرج» (2) .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في جواز الدفع من جنس آخر إشكال بل منع ، نعم يجوز بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله .


(2) الوسائل 9 : 192 /  أبواب زكاة الغلاّت ب 9 ح 1 .


ــ[286]ــ


   فإنّ ما يجب في الحرث بعد التقييد بالحنطة والشعير وإن كان ظاهراً في الزكاة ، لكن ما يجب في الذهب مطلق يشمل الخمس أيضاً ، كما لو كان هبة أو اُجرة أو ثمناً ، سيّما في تلك الأزمنة التي كان الذهب شائعاً والمعاملة عليه رائجة .


   فهذه الصحيحة وإن تمسّك بها الأصحاب في باب الزكاة وذكرها صاحب الوسائل في ذاك الباب ، إلاّ أ نّه يمكن التمسّك بإطلاقها وأنّ العبرة بمطلق ما وجب في الذهب ، سواء أكان زكاة أم خمساً ، وقد حكم (عليه السلام) بكفاية الإخراج بكلّ ما تيسّر وإن كان من خارج العين .


   ومع التنازل والغضّ عمّا ذكر فلا ينبغي التأمّل في أنّ نظر السائل لم يكن مقصوراً على خصوص الزكاة ، فإنّ هذا لو كان مذكوراً في كلام الإمام (عليه السلام) لأمكن دعوى الاختصاص وأنّ للزكاة خصوصيّة لا نعرفها ، ولكنّه مذكور في كلام السائل ، ولعلّ من المقطوع به عدم الفرق في نظره بين الخمس والزكاة كما لا يخفى .


   فالاستدلال بهذه الصحيحة للمقام وجيه وفي محلّه .


   إلاّ أنّ الاشكال في التعدّي إلى أموال اُخر غير النقدين ، فإنّ مثل الدرهم ممّا ينتفع به الفقير في حوائجه بل هو أنفع ، حيث يصرفه فيما يشاء كما عبّر به في النصّ . وأمّا غيره وإن كان بقيمته ـ كدفع كتاب الجواهر لفقير يسكن البادية مثلاً ـ فلا يستفيد منه بوجه .


   وبالجملة : فدفع القيمة بما كان من قبيل العروض مشكل جدّاً ، فإن تمّ إجماع ـ ولا يتمّ ـ وإلاّ فالتعدّي في غاية الإشكال .


   نعم ، لا ريب في التعدّي إلى سائر النقود وعدم الاختصاص بالدرهم وإن تضمّنه النصّ ، للقطع بعدم الخصوصيّة كما تقدّم في زكاة الفطرة .


ــ[287]ــ


ولا يجوز له التصرّف في العين قبل أداء الخمس (1) وإن ضمنه في ذمّته ، ولو أتلفه بعد استقراره ضمنه(2)، ولو اتّجر به قبل إخراج الخمس(3) كانت المعاملة


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) أي التصرّف في تمام العين بعد استقرار الخمس ومضيّ الحول ، إمّا تصرّفاً خارجيّاً كلبس العباءة ـ مثلاً ـ أو اعتباريّاً كبيعها . وأمّا التصرّف في البعض فسيتعرّض له في المسألة الآتية إن شاء الله تعالى . فمحلّ كلامه التصرّف في مجموع العين قبل أداء الخمس .


   والوجه في عدم الجواز كون العين مشتركاً فيها بينه وبين أرباب الخمس ولو كان بنحو الشركة في الماليّة ، فلا يجوز التصرّف من دون إذن من الشريك أو من وليّه كالحاكم الشرعي ، ولا دليل على جواز النقل إلى الذمّة بأن يضمن ويبني على الأداء من مال آخر ، إذ لم ينهض دليل على ولايته على ذلك بوجه .


   نعم، لو أدّى خارجاً ملك العين أجمع، وأمّا مجرّد البناء على الأداء فلا أثر له .


   (2) مراده (قدس سره) من الإتلاف مطلق الصرف ولو في المؤونة ، لا خصوص الإتلاف إسرافاً ، كيف ؟! والضمان متحقّق حينئذ حتى قبل الاستقرار ، أي في أثناء السنة ، لما عرفت من أنّ الخمس متعلّق من الأوّل ، غايته بشرط عدم الصرف في المؤونة ، فلو أتلفه سرفاً وفي غير المؤونة ضمن من غير فرق بين أثناء الحول وما بعده . فمراده من الصرف أعمّ ، ولذا عبّر بالاستقرار ، فلو اُتلف يضمن ، لأ نّه أتلف ما ليس له كما هو ظاهر .


   (3) تعرّض (قدس سره) لحكم الاتّجار بالمال بعد استقرار الخمس وقبل إخراجه . وأمّا قبل الاستقرار فقد مرّ أ نّه لا إشكال في جوازه (1) ، لأنّ الوجوب إنّما يستقرّ في آخر السنة ، فقبله مخوّل له التصرّف في المؤونة وغيرها والاتّجار


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في ص 246 ـ 248 .


ــ[288]ــ


فضوليّة ((1)) بالنسبة إلى مقدار الخمس ، فإن أمضاه الحاكم الشرعي أخذ العوض ، وإلاّ رجع بالعين بمقدار الخمس إن كانت موجودة وبقيمته إن كانت تالفة ، ويتخيّر في أخذ القيمة بين الرجوع على المالك أو على الطرف المقابل الذي أخذها وأتلفها .


   هذا إذا كانت المعاملة بعين الربح .


   وأمّا إذا كانت في الذمّة ودفعها عوضاً فهي صحيحة ولكن لم تبرأ ذمّته بمقدار الخمس ويرجع الحاكم به ((2)) إن كانت العين موجودة وبقيمته إن كانت تالفة ، مخيّراً حينئذ بين الرجوع على المالك أو الآخذ أيضاً .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


به على النحو المتقدّم ، أي التخميس آخر السنة لو لم يصرف في المؤونة .


   فالكلام فعلاً في الاتّجار بعد الاستقرار ووجوب الأداء .


   وحينئذ فقد يفرض الاتّجار بثمن أو مثمّن في الذمّة وفي مقام الوفاء يؤدّي من العين الذي استقرّ فيها الخمس عصياناً أو نسياناً ، ففي مثله لا ينبغي الشكّ في صحّة المعاملة ، غايته أنّ في موارد عدم شمول أدلّة التحليل يبقى الخمس في العين ولم يتحقّق الأداء بمقداره فيسترجعه الحاكم الشرعي مع بقائه ، وأمّا مع تلفه فيضمنه كلٌّ ممّن انتقل عنه ومن انتقل إليه على ما هو الشأن في تعاقب الأيدي ، فللحاكم مراجعة كلّ منهما ، غايته أ نّه لو رجع إلى الثاني رجع هو إلى الأوّل ، ولا عكس .


   واُخرى : يفرض الاتّجار بعين الربح ، وحينئذ فإن قلنا بصحّة المعاملة الصادرة


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) تقدّم الكلام فيه [ في المسألة 2928 التعليقة 6 ] .


(2) بل يرجع على الدافع مطلقاً على ما تقدّم .


ــ[289]ــ


   [ 2952 ] مسألة 76 : يجوز له ((1)) أن يتصرّف في بعض الربح ما دام مقدار الخمس منه باقياً في يده مع قصد إخراجه من البقيّة ، إذ شركة أرباب الخمس مع المالك إنّما هي على وجه الكلّي في المعيّن (1) ،


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ممّن لم يؤدّ الخمس إذا باع لشيعي ملتزم بالخمس عملاً بنصوص التحليل ـ كما هو الصحيح ـ فلا إشكال بالنسبة إلى من انتقل إليه ولم يكن عليه أيّ شيء ، لأنّ وليّ الأمر قد أمضى هذه المعاملة ، وأمّا من انتقل عنه فبما أ نّه أتلف الخمس فيكون ضامناً له ويرجع الحاكم الشرعي إليه خاصّة .


   وأمّا لو أنكرنا شمول نصوص التحليل للمقام وألحقناه بالزكاة كما هو المعروف ، أو كان البيع لغير الشيعي ، فيجري فيه ما ذكرناه هناك من فساد المعاملة في حصّة الخمس ، لأ نّه باع مالاً يملك خمسه ، فلا جرم يتوقّف على إجازة الحاكم الشرعي ، فإن أجاز رجع إلى خمس الثمن ، وإلاّ فمع بقاء العين يسترجعها بنفسها ، ومع التلف يرجع إلى كلّ منهما كما في تعاقب الأيدي ، ومع رجوعه إلى الثاني يرجع هو إلى الأوّل ، ولا عكس كما عرفت .


   (1) لا يخفى أنّ القول بجواز التصرّف في بعض الربح مبني على أحد أمرين :


   الأوّل : ما اختاره في كيفيّة التعلّق من كونه من قبيل الكلّي في المعيّن ، إذ عليه لا شركة في نفس الأشخاص ، بل هي باقية على ملك المالك ، فله التصرّف في بعض الأطراف ما دام يبقى للكلّي مقدار يقبل الانطباق عليه .


   ولكن المبنى غير تام ، لعدم الدليل عليه ، بل الدليل على خلافه في المقام ، كما ستعرف .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) فيه إشكال بل منع ، وكونه من قبيل الكلّي في المعيّن ممنوع ولا يبعد أن يكون من باب الإشاعة ولا موجب لقياسه بالزكاة بعد ظهور أدلّته في الإشاعة .


ــ[290]ــ


   الثاني : أ نّه من قبيل الشركة في الماليّة ، كما في الزكاة على ما تقدّم تقريره في محلّه (1) ، وأنّ الشركة في المالية تفارق الإشاعة في أ نّها لا تستوجب المنع عن التصرّف في البعض ، إذ الماليّة كلّي قابل للانطباق على أبعاض العين، فله التصرّف فيما شاء منها .


   ويندفع أوّلاً : بأ نّه لا موقع لقياس الخمس على الزكاة ، بعد ظهور الأدلّة الواردة فيه في الإشاعة ، حسبما تعرفه في التعليق الآتي .


   وثانياً : بأنّ الشركة في الماليّة أيضاً مانعة عن التصرّف ، لعدم كون الماليّة المزبورة كلّيّة ، وإنّما هي سارية في جميع أجزاء العين ، فكلّ جزء من الأجزاء مشترك بين المالك والمستحقّ ، لكن لا بشخصيّته بل بماليّته ، نظير شركة الزوجة مع الورثة في ماليّة البناء وإن لم ترث من نفس الأعيان .


   ومن ثمّ لم يكن للوارث التصرّف قبل أداء حقّ الزوجة ، لسريان الماليّة المشتركة في تمام الأجزاء بالأسر كما عرفت .


   وبالجملة : فالشركة في الماليّة لا تستوجب جواز التصرّف ، بل هي أيضاً مانعة ، كما في إرث الزوجة .


   نعم ، نلتزم بجواز ذلك في باب الزكاة ، استناداً إلى ما ورد فيها من نصوص العزل وجواز الإفراز وأنّ للمالك الولاية على تعيين الزكاة في بعض العين ، وإذا صحّ تعيين تمام الزكاة صحّ تعيين بعضها أيضاً جزماً ، كما لو أراد عزل نصف الزكاة أو ربعها ـ مثلاً ـ لعدم انحصار العزل في عزل مجموع ما عليه من الزكاة بالضرورة .


   وبما أنّ لازم العزل تعيين حصّة المالك في الباقي فنصوص العزل تدلّنا


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) شرح العروة 23 : 172 ـ 173 .


ــ[291]ــ


كما أنّ الأمر في الزكاة أيضاً كذلك وقد مرّ في بابها (1) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بالملازمة العرفيّة على ولاية المالك على تعيين حصّته الشخصيّة من العين بتمامها وإفرازها عن العين المشتركة ، وبالطريق الأولى له تعيين بعض الحصّة .


   فبهذا البيان يمكن الالتزام بجواز تصرّف المالك في بعض العين ، لأنّ تصرّفه في البعض مرجعه إلى تعيين حصّته كلاًّ أو بعضاً وأنّ هذا له والزكاة في الباقي ، فنستفيد من دليل جواز العزل جواز تعيين المالك مقداراً من المال لنفسه بحيث لا يشترك الفقير معه فيه . فإذن جواز التصرّف في المال الزكوي في بعض النصاب مستفاد من هذا الدليل ، وأمّا في باب الخمس فلم يرد مثل هذا الدليل ، إذ لم يدلّ أيّ دليل على جواز العزل فيه بحيث لو تلف المعزول لم يضمن ، ومعلوم أنّ أحكام الزكاة لا تجري بأجمعها في الخمس .


   وعليه ، فمقتضى القاعدة عدم جواز التصرّف في باب الخمس ، لأنّ التصرّف في المال المشترك بدون إذن الشريك يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل حسبما عرفت .


   (1) تقدّم في كتاب الزكاة أنّ النصوص الواردة في العين الزكويّة على طوائف(1) :


   فمنها : ما هو ظاهر في أنّ التعلّق بنحو الفرد المردّد مثل قوله (عليه السلام) : «في كلّ أربعين شاة شاة» ، حيث إنّ ظاهرها أنّ فرداً مردّداً بين الأربعين متعلّق للزكاة وهو المعبّر عنه بالكلّي في المعيّن .


   ومنها : ما هو ظاهر في الإشاعة مثل قوله (عليه السلام) : «فيما سقته السماء العشر» ، فإنّ التعبير بالكسر المشاع ظاهر في الشركة الحقيقيّة .


   ومنها : ما هو صريح في الشركة في الماليّة مثل قوله (عليه السلام) : «في كلّ 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) شرح العروة 23 : 384 ـ 390 .


ــ[292]ــ


خمس من الإبل شاة» ، ضرورة عدم كون الشاة من أفراد الإبل ، فلا معنى للكلّي في المعيّن ولا الإشاعة ، فطبعاً يكون كالصريح في إرادة الشركة في الماليّة . ونحوه ما ورد في نصاب البقر من أ نّه «في كلّ ثلاثين تبيعة ، وفي كلّ أربعين مسنّة» ، إذ قد لا يكون شيء من الثلاثين مشتملاً على التبيعة ولا الأربعين على المسنّة .


   نعم ، لو كان المراد ثبوت الشاة في الذمّة ودفعها من خارج العين الزكويّة أمكن حينئذ أن يكون التعلّق بوجه آخر ، لكنّه خلاف ما تنادي به الأخبار من التعلّق بنفس الأعيان ، وحيث إنّ الشاة لا تكون في الإبل فلا جرم كان المعنى : أ نّها ثابتة في ماليّتها .


   ويعضده ما ورد في بعض الأخبار من أنّ الله أشرك الفقراء في أموال الأغنياء(1) ، فإنّه حيث لا شركة حقيقيّة في نفس العين حسبما عرفت فلا مناص من إرادة الشركة في الماليّة .


   هذا ، وبما أنّ من المقطوع به أنّ كيفيّة التعلّق في جميع الأجناس الزكويّة على نمط واحد وسنخ فارد ، لعدم احتمال الاختلاف باختلاف الأجناس كما يفصح عنه التعبير عن الكلّ بعنوان واحد ـ وهو الصدقة ـ في قوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ) إلخ (2) ، وكذا ما ورد عنه (صلّى الله عليه وآله) من فرض الزكاة في تسعة أشياء (3) ، الظاهر في أنّ الجميع على نسق واحد .


   فلا مناص حينئذ من رفع اليد عن ظاهر بعض النصوص بصراحة الآخر ، فيحمل على إرادة الشركة في الماليّة في الجميع ، لما عرفت من صراحة البعض فيه بحيث لا يقبل التأويل ، أمّا غيره فلا يعدو عن الظهور القابل لرفع اليد عنه 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) انظر الوسائل 9 : 219 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 4 ح 4 .


(2) التوبة 9 : 60 .


(3) الوسائل 9 : 54 /  أبواب ما تجب فيه وما ... ب 8 ح 2 ، 3 ، 4 .


ــ[293]ــ


والحمل على ما عرفت ، جمعاً بين الأخبار .


   ومن ثمّ التزمنا هناك بأنّ التعلّق إنّما هو على سبيل الشركة في الماليّة كما تقدّم .


   وأمّا في باب الخمس فالأدلّة بين ما هو ظاهر في الإشاعة والشركة الحقيقيّة وبين ما لا ينافي ذلك ، فمثل قوله تعالى : (فَأَنَّ للهِِ خُمُسَهُ)(1) ظاهرٌ في أنّ المتعلّق هو خمس المغنم نفسه على نحو يكون الخمس المشاع للمستحقّ، والأربعة أخماس الباقية للمالك ، نظير قولك : بعت أو وهبت خمس الدار ، الذي هو ظاهر في الكسر المشاع بلا إشكال .


   وهكذا قوله (عليه السلام) في موثّقة سماعة : «ما أفاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس» ، فإنّ الكسر المشاع جزء من المركّب المشتمل عليه . وبهذه العناية صحّت الظرفيّة ، إذ الكلّ مشتمل على الجزء ، نظير قولك : الرأس في الجسد أو اليد في البدن .


   وأمّا ما ورد من أنّ الخمس على خمسة أشياء أو من خمسة أشياء (2) فمفاده أنّ الخمس ثابت على هذه الاُمور ، أو يخرج من هذه الاُمور ، وأمّا أنّ كيفيّة التعلّق بتلك الاُمور بأيّ نحو فلا دلالة لهذه الأخبار عليها بوجه ، بل هي ساكتة عن هذه الناحية . فغايته أ نّها لا تدلّ على الإشاعة لا أ نّها تدلّ على خلافها .


   إذن فلا مانع من الأخذ بما عرفت ممّا كان ظاهراً في الإشاعة ، لسلامته عن المعارض . وبذلك يمتاز المقام عن باب الزكاة .


   ودعوى أنّ الخمس قد شُرِّع لبني هاشم بدلاً عن الزكاة أو عوضاً عنها كما


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الأنفال 8  : 41 .


(2) الوسائل 9 : 485 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 .


ــ[294]ــ


   [ 2953 ] مسألة 77 : إذا حصل الربح في ابتداء السنة أو في أثنائها فلا مانع من التصرّف فيه بالاتّجار (1) وإن حصل منه ربح لا يكون ما يقابل خمس الربح الأوّل منه لأرباب الخمس ، بخلاف ما إذا  اتّجر به بعد تمام الحول فإنّه إن حصل ربح كان ما يقابل الخمس من الربح لأربابه مضافاً إلى أصل الخمس فيخرجهما أوّلاً ثمّ يخرج خمس بقيّته إن زادت على مؤونة السنة .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


نطقت به النصوص ، ومقتضى عموم البدليّة المساواة في جميع الأحكام التي منها كيفيّة التعلّق ، فتكون هنا أيضاً على سبيل الشركة في الماليّة كما في الزكاة .


   مدفوعة بأنّ البدليّة ناظرة إلى نفس الحقّ ، إجلالاً لهم عن أوساخ ما في أيدي الناس ـ كما في النصّ ـ ولا نظر فيها إلى الأحكام المترتّبة عليه بوجه . هذا أوّلاً .


   وثانياً : لو سلّمنا تعلّق النظر إلى الأحكام فإنّما يسلم في المقدار الذي لم يثبت خلافه ، فإنّ موارد الاختلاف بينهما في الآثار والأحكام غير عزيزة كما لا يخفى . فليكن المقام من هذا القبيل بعد مساعدة الدليل حسبما عرفت .


   وعليه ، فالقول بأنّ كيفيّة التعلّق في باب الخمس إنّما هي على سبيل الإشاعة والشركة الحقيقيّة غير بعيد بالنظر إلى الأخبار ، على خلاف باب الزكاة .


   (1) تقدّم أنّ الخمس وإن كان متعلّقاً من الأوّل إلاّ أنّ وجوبه مشروط بعدم الصرف في المؤونة ، فيجوز التأخير في الإخراج إلى نهاية السنة ، كما يجوز التصرّف خلالها في الربح كيفما شاء بالتبديل إلى عين اُخرى والاتّجار به ، لعدم كونه محجوراً عن التصرّف بالضرورة .


   إنّما الكلام فيما لو تاجر وربح ثانياً وثالثاً وهكذا قبل انتهاء السنة بحيث حصل من الربح ربح آخر ، فهل المقدار المقابل لخمس الربح الأوّل ـ من الربح 


ــ[295]ــ


الثاني ـ يختصّ بأرباب الخمس ، أو أنّ الربح كلّه للمالك ولا يجب عليه إلاّ تخميس المجموع ؟


   مال في الجواهر إلى الأوّل (1) ، وجعله في نجاة العباد أحوط إن لم يكن أقوى ، نظراً لتبعيّة النماء للأصل .


   ولتوضيح موضوع المسألة نذكر المثال الذي ذكره في الجواهر ، وهو أ نّه لو ربح أوّلاً ستمائة وكانت مؤونته إلى نهاية السنة مائة فأخرجها واتّجر بالباقي ـ  وهو خمسمائة  ـ فربح بها خمسمائة اُخرى بحيث كان كلّ جزء من الربح الثاني ربحاً لما يعادله من الربح الأوّل ، فتمام الخمس حينئذ مائتان وثمانون : مائة من الربح الأوّل ، ومائة اُخرى من الربح الثاني ، من أجل كونها نماءً وربحاً لخمس الربح الأوّل كما عرفت ، حيث إنّ رأس المال في التجارة الثانية مشترك بينه وبين أرباب الخمس ، فلا جرم كان ما بإزاء سهمهم من الربح لهم كنفس الأصل ، فهو كما لو اتّجر بمال مشترك بينه وبين زيد في كون الربح مشتركاً بينهما . وعليه ، فيكون الباقي من الربح الثاني أربعمائة ، وخمسه ثمانون ، فيكون المجموع مائتين وثمانين .


   وأمّا على القول الآخر فالخمس تمام المائتين خمس الألف الذي هو مجموع الربحين .


   ولكن الذي ذكره (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه بوجه كما نصّ عليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) (2) ومن تبعه ، لكونه على خلاف السيرة القطعيّة أوّلاً ، فإنّ عمل المتشرّعة قد استقرّ على ملاحظة مجموع الأرباح آخر السّنة بالضرورة .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الجواهر 16 : 55 .


(2) كتاب الخمس : 217 ـ 219 .


ــ[296]ــ


   وعلى خلاف ظواهر النصوص ثانياً ، مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن مهزيار : «الخمس بعد مؤونته ومؤونة عائلته» (1) ، فإنّ المؤونة ـ  كما مرّ  ـ هي نفس ما يصرف خارجاً لا مقدارها ، فدلّت على أنّ الخمس إنّما يجب في الربح بعد استثناء ما صرفه في مؤونة سنته من مجموع الأرباح لا من بعضها ليجب دفع تمام البعض الآخر خمساً باعتبار كونه ربح الربح .


   وأوضح من ذلك صحيحته الاُخرى ، قال (عليه السلام) فيها : «إذا أمكنهم بعد مؤونتهم» (2) ، فإنّ قوله : «أمكنهم» أي تبقّى لهم بعد مؤونتهم ، فيلاحظ في مقام التخريج الباقي ممّا صرفه خارجاً في مؤونة السنة ، فيتّحد مفادها مع رواية ابن شجاع النيسابوري (3) ـ وإن ضعف سندها ـ المصرّحة بأنّ الخمس ممّا يفضل من مؤونته ، فالعبرة بفاضل المؤونة ، أي ما يبقى بعد تمام الأرباح في نهاية السنة .


   وبالجملة : فلا ينبغي التأمّل في أنّ الأرباح المتتالية خلال السنة تلاحظ بأجمعها عند انتهاء السنة ربحاً واحداً ، ولا وجه لملاحظة كلّ ربح بانفراده .


   نعم ، يتّجه ذلك في الاتّجار بالربح غير المخمّس بعد انتهاء الحول ، لاستقرار الخمس حينئذ في العين ، فتكون كما لو اتّجر بالمال المشترك ، حيث لا مناص من توزيع الربح وقتئذ بنسبة الاشتراك في العين كما هو ظاهر .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 9 : 500 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 4 .


(2) الوسائل 9 : 500 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 3 .


(3) الوسائل 9 : 500 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 2 .


ــ[297]ــ


   [ 2954 ] مسألة 78 : ليس للمالك ان ينقل الخمس إلى ذمّته ((1)) ثمّ التصرّف فيه كما أشرنا إليه (1) . نعم ، يجوز له ذلك بالمصالحة مع الحاكم ، وحينئذ فيجوز له التصرّف فيه ولا حصّة له من الربح إذا اتّجر به ، ولو فرض تجدّد مؤن له في أثناء الحول على وجه لا يقوم بها الربح انكشف فساد الصلح .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) لما تقدّم من عدم الولاية له على ذلك إلاّ بالمصالحة مع الحاكم إذا رأى فيه مصلحة .


   ولكنّه (قدس سره) استدرك ذلك بأ نّه لو تجدّدت مؤن أثناء الحول كشف عن فساد الصلح ، لعدم اشتماله حينئذ على المعوّض ، لأ نّه هو الخمس الواقعي الثابت في هذا المال ، والمفروض انتفاؤه وعدم اشتغال الذمّة به .


   أقول : لم يتّضح المراد من هذا الكلام ، ونظنّ أ نّه سهو من قلمه الشريف ، لأنّ محلّ البحث إن كان هو التصرّف أثناء الحول فقد مرّ أ نّه لا مانع منه من غير حاجة إلى النقل إلى الذمّة ، إذ لا خمس إلاّ بعد المؤونة وله التأخير إلى نهاية السنة والتصرّف كيفما شاء من غير توقّف على المصالحـة مع الحاكم الشرعي ، وقد صرّح (قدس سره) في المسألة السابقة بالجواز في هذا الفرض .


   وإن كان بعد تمام الحول واستقرار الخمس فالمنع عن التصرّف وإن كان في محلّه حينئذ لتحقّق الشركة فلا يجوز إلاّ مع المصالحة المزبورة في فرض وجود


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) موضوع الكلام إن كان قبل الحول فلا مانع من التصرّف بلا حاجة إلى النقل إلى الذمّة ، ولا وجه حينئذ لصحّة المصالحة مع الحاكم ، وقد مرّ منه (قدس سره) جواز التصرّف في هذا الفرض لا عدمه ، وإن كان بعد الحول فلا بأس بالمصالحة في بعض الفروض ، لكنّه لا يلائم قوله : ولو فرض تجدّد مؤن ، إلخ .


ــ[298]ــ


   [ 2955 ] مسألة 79 : يجوز له تعجيل إخراج خمس الربح إذا حصل في أثناء السنة ، ولا يجب التأخير إلى آخرها ، فإنّ التأخير من باب الإرفاق كما مرّ ، وحينئذ فلو أخرجه بعد تقدير المؤونة بما يظنّه فبان بعد ذلك عدم كفاية الربح لتجدّد مؤن لم يكن يظنّها (1) كشف ذلك عن عدم صحّته خمساً ((1))، فله 


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


المصلحة كما عرفت ، إلاّ أ نّه لا معنى حينئذ لما ذكره (قدس سره) من فرض تجدّد مؤن أثناء الحول ، إذ المفروض انقضاء الحول وانتهاؤه ، فأيّ معنى بعد ذلك للتجدّد في الأثناء ؟!


   وأمّا حمل العبارة على الكشف ومقام الإثبات بأن يتّضح له بعد الحول وجود مؤن أثناء الحول لم يكن يعلم بها فهو خلاف ظاهرها جدّاً ، فإنّها صريحة في تجدّد المؤونة لا الكشف عن مؤونة سابقة على المصالحة كما لا يخفى .


   (1) كما لو انهدمت داره فاحتاجت إلى التعمير، أو مرض فاحتاج إلى العلاج،


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) لا مقتضي للكشف المزبور بعد ما فرض أنّ الخمس يتعلّق بالربح من الأوّل ، غاية الأمر أ نّه لا يجب أداؤه أثناء السنة ويجوز له التأخير ، ولكنّه إذا لم يؤخِّره وأدّاه إلى مستحقّه باختياره فقد ملكه المستحق ، ولا يجوز حينئذ استرداده حتى مع بقاء العين فضلاً عن تلفها، وعلى تقدير التنزّل والقول بأن تعلق الخمس يتوقف على عدم الصرف في المؤونة فلا بدّ من التفصيل بين ما إذا صرف شيئاً من ماله أثناء سنته في المؤونة المتجدِّدة وما إذا لم يصرفه ، فيصح ما ذكره (قدس سره) في الأوّل دون الثاني فإنّ العبرة في عدم وجوب الخمس إنّما هو بصرف الربح في المؤونة لا بوجود المؤونة من دون صرف ، والمفروض في المقام أ نّه لم يصرف في المؤونة فكيف يكشف عن عدم تعلّق الخمس به ؟! نعم ، يتمّ ما ذكره (قدس سره) فيما إذا تخيّل أنّ عليه ربحاً فأخرج خمسه وأدّاه ثمّ انكشف أ نّه لم يكن ربح ففي مثل ذلك له الاسترداد مع بقاء العين لا مع تلفها إلاّ إذا كان المعطى له عالماً بالحال .


ــ[299]ــ


الرجوع به على المستحقّ مع بقاء عينه لا مع تلفها في يده ، إلاّ إذا كان عالماً بالحال فإنّ الظاهر ضمانه حينئذ .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أو اضطرّ إلى الزواج، ونحو ذلك من المؤن التي لم تكن بالحسبان، فهل له الرجوع حينئذ إلى المستحقّ ؟


   فصّل (قدس سره) بين بقاء العين فيرجع ، نظراً إلى كشف التجدّد المزبور عن عدم التعلّق من الأوّل ، إذ لا خمس إلاّ بعد المؤونة . وبين تلفها مع جهل الآخذ فلا يرجع إليه ، لكونه مغروراً بعد التسليط المطلق الصادر من المالك . نعم ، يضمن مع علمه بالحال ، إذ قد أخذه بغير استحقاق كما هو ظاهر .


   هذا ، ولكن صاحب الجواهر والشيخ الأنصاري قوّيا عدم الرجوع مطلقاً ، فلا تسوغ المطالبة حتى مع بقاء العين فضلاً عن التلف (1) .


   وكأ نّهما بنيا ذلك على أنّ المستحقّ يملك الخمس بمجرّد ظهور الربح ، والتأخير إرفاق في حقّ المالك ، رعايةً للصرف في المؤونة المحتملة ، فإذا أسقط حقّه وعجّل في الدفع فقد دفع المال إلى مالكه المستحقّ فكيف يسترجعه بعد ذلك ؟!


   أو على أنّ ظنّ المؤونة وتخمينها قد اُخذ موضوعاً لوجوب الخمس ـ لا طريقاً ـ كما عبّر به شيخنا الأنصاري (قدس سره) ، ولعلّه يرجع إلى المعنى الأوّل ، ومحصّله : أنّ الخمس ملك للمستحقّ من الأوّل ، وقد أجاز وليّ الأمر صرف ملك الغير في المؤونة إرفاقاً ، فلو لم يصرفه وأعطاه للمالك وقبضه فبأيّ موجب يؤخذ منه بعدئذ حتى مع البقاء فضلاً عن التلف ؟!


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الجواهر 16 : 80 ، والشيخ الأنصاري في كتاب الزكاة : 384 ، وفي كتاب الخمس : 224 .


ــ[300]ــ


   أقول : ما ذكراه (قدس سرهما) هو الأصحّ ، بناءً على ما عرفت (1) من تعلّق الخمس من الأوّل على سبيل الإطلاق وإن جاز التأخير من باب الإرفاق ، إذ معه لا مقتضي لما ذكره (قدس سره) من الكشف عن عدم الصحّة خمساً ، فإنّ الإخراج المزبور صاد من أهله في محلّه ، غاية الأمر أنّ البدار إليه لم يكن واجباً عليه ، بل كان مرخّصاً في التصرّف فيه ـ من باب التصرّف في ملك الغير بإجازة الولي ـ ولكنّه إذا بادر وأدّاه إلى أرباب الخمس باختياره فقد أوصل الحقّ إلى مستحقّه .


   وعليه ، فلا يسوغ له الاسترداد حتى مع بقاء العين ، فضلاً عن تلفها .


   نعم ، لو تنازلنا عن ذلك وبنينا على أنّ التعلّق وإن كان من الأوّل ولكنّه مشروط بعدم الصرف في المؤونة بنحو الشرط المتأخّر بحيث يكشف الصرف اللاّحق عن عدم التعلّق من الأوّل ويكون من صرف ملكه في مؤونته لا من صرف الخمس بإجازة الولي ، فلا محيص حينئذ من التفصيل .


   وملخّصه : أنّ المؤونة المتجدّدة بعد إخراج الخمس خلال السنة قد لا يصرف في سبيلها أيّ شيء ، إمّا لعدم المال أو لأمر آخر ، كما لو احتاج إلى الزواج أو العلاج ولكنّه لم يتصدّ لذلك إلى نهاية السنة ، والصحيح حينئذ ما ذكره الشيخ وصاحب الجواهر من عدم جواز الاسترجاع حتى مع بقاء العين .


   ووجهه ظاهر ، ضرورة أنّ وجوب الخمس كان مشروطاً بعدم الصرف في المؤونة لا بعدم الحاجة ، والمفروض تحقّق الشرط ، لفرض عدم الصرف الخارجي الذي هو المعدم للموضوع ليس إلاّ ، ولأجله ذكرنا أ نّه لو قتّر على نفسه فلم يصرف وجب عليه الخمس .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) كما تقدّم في مسألة 72 .


ــ[301]ــ


   [ 2956 ] مسألة 80 : إذا اشترى بالربح قبل إخراج الخمس جاريةً لا يجوز له وطؤها (1) ، كما أ نّه لو اشترى به ثوباً لا تجوز الصلاة فيه ، ولو اشترى به ماءً للغسل أو الوضوء لم يصحّ ، وهكذا .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   وبالجملة : عدم الصرف يكشف عن فعليّة الوجوب وقد أدّى الخمس إلى أربابه فليس له استرداده بوجه .


   واُخرى يصرف إمّا من رأس المال أو من مال آخر ولو كان ديناً .


   والظاهر أنّ هذا يكشف عن عدم تعلّق الخمس من الأوّل ، إذ هو بعد المؤونة، ومن المعلوم أنّ المؤونة المستثناة ليست خصوص المصروف من شخص الربح ، لعدم تحقّقه إلاّ نادراً ، والغالب المتعارف في التجّار وغيرهم هو الصرف من مال آخر معادل له بدلاً عنه ممّا خمّسه أو ورثه ونحو ذلك .


   وعليه ، فلو صرف بمقدار الخمس أو أكثر كشف عن عدم ربح فاضل على المؤونة ، فلا موضوع للخمس ، فله استرداد العين مع بقائها ، كما أنّ الآخذ يضمن مع علمه بالحال دون الجهل كما هو ظاهر .


   (1) هذا وجيه في الشراء الشخصي بأن اشترى بعين ما فيه الخمس ، وأمّا الشراء بما في الذمّة والأداء ممّا لم يخمّس فلا ينبغي الإشكال في صحّة المعاملة وجواز التصرّف في تمام ما اشترى ، لكونه ملكاً طلقاً له وإن كان مشغول الذمّة وضامناً للخمس .


   فمحلّ الكلام وقوع المعاملة ـ عوضاً أو معوّضاً ـ على العين الشخصيّة لا على الكلّي والأداء من هذه العين . ولا ينبغي التأمّل حينئذ في عدم جواز التصرّف كما ذكره في المتن ، سواء أقلنا بشمول أدلّة التحليل للمقام وإمضاء المعاملة من قبل وليّ الأمر (عليه السلام) ، أم لا .


ــ[302]ــ


نعم، لو بقي منه بمقدار الخمس في يده وكان قاصداً لإخراجه منه جاز وصحّ(1) كما مرّ نظيره((1)).


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   أمّا على الأوّل : فلأنّ المعاملة وإن صحّت إلاّ أنّ الخمس ينتقل حينئذ إلى العوض ، فتكون الجارية المشتراة بما فيه الخمس بنفسها متعلّقة للخمس فتتحقّق الشركة فيها كالأصل ، ومن المعلوم عدم جواز التصرّف في المال المشترك بدون إجازة الشريك .


   وأمّا على الثاني : فلبطلان المعاملة بعد عدم الولاية على تبديل الخمس بغيره ، فيبقى ما يعادل حصّة الخمس على ملك مالكه المانع عن جواز التصرّف فيه ما لم يؤدّ الخمس .


   (1) بناءً منه ـ كما تقدّم ـ على أنّ التعلّق على سبيل الكلّي في المعيّن ، إذ عليه تكون الشركة في الكلّي ، أمّا الأشخاص فهي ملك له فيجوز له التصرّف إلى أن يبقى بمقدار الخمس ، لثبوت الولاية للمالك على العين كما في سائر موارد الكلّي في المعيّن ، فلو باع صاعاً من الصبرة جاز له التصرّف في عين ماله إلى أن يبقى مقدار الصاع ، ولا يتوقّف ذلك على البناء والقصد ، بل يجوز التصرّف من غير قصد الإخراج من الباقي كما هو الحال في سائر الموارد . فالتقييد بقصد الاخراج كما في المتن في غير محلّه .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) وقد تقدّم الإشكال فيه [ في المسألة 2952 التعليقة 2 ] .


ــ[303]ــ


   [ 2957 ] مسألة 81 : قد مرّ أنّ مصارف الحجّ الواجب إذا استطاع في عام الربح وتمكّن من المسير من مؤونة تلك السنة ، وكذا مصارف الحجّ المندوب والزيارات ، والظاهر أنّ المدار ((1)) على وقت إنشاء السفر ، فإن كان إنشاؤه في عام الربح فمصارفه من مؤونته (1) ذهاباً وإيّاباً وإن تمّ الحول في أثناء السفر ، فلا يجب إخراج خمس ما صرفه في العام الآخر إلاّ في الإياب أو مع المقصد وبعض الذهاب .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) ما أفاده (قدس سره) لا يستقيم على إطلاقه ، فإنّ مصروفات الحجّ على أقسام :


   منها : ما يعدّ من مؤونة هذه السنة وإن كان من شأنه البقاء إلى السنة الآتية ، كشراء المركوب من دابّة أو سيّارة ونحوهما للسفر إلى الحجّ ، فحالها حال شراء الدار أو الفراش أو الألبسة أو التزويج ونحو ذلك ممّا يحتاج إليه فعلاً ـ وإن بقي بعد الحول أيضاً ـ حيث يستثنى عن أرباح هذه السنة تحت عنوان المؤونة بلا كلام ولا إشكال .


   ومنها : ما لا بدّ من صرفه من الآن ولا يمكن الحجّ بدونه وإن وقع مقدار منه بإزاء الإياب ، كالأموال التي تأخذها الحكومات أو الشركات بالعناوين المختلفة ، التي منها اُجور الطائرة ذهاباً وإيّاباً بحيث لا مناص من الإعطاء ولا يمكن الاسترجاع ، فإنّ هذه المصارف تعدّ أيضاً من مؤونة سنة الربح بطبيعة الحال وإن تمّ الحول أثناء السفر كما هو ظاهر .


   ومنها : المصارف التدريجيّة التي تدفع شيئاً فشيئاً، كالمأكولات والمشروبات


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) المدار على الصرف في عام الربح على الأظهر .


ــ[304]ــ


   [ 2958 ] مسألة 82 : لو جعل الغوص أو المعدن مكسباً له كفاه إخراج خمسهما أوّلاً ، ولا يجب عليه خمس آخر من باب ربح المكسب بعد إخراج مؤونة سنته (1) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


واُجور المساكن في المقصد أو الإياب ، كما لو احتاج في رجوعه إلى التوقّف في الكويت أو البصرة يوماً أو أيّاماً فدفع أموالاً لمسكنه ومصرفه وقد تمّ الحول في الأثناء ، فإنّ احتساب هذه المصارف من مؤونة السنة الماضية مع أ نّها من مصارف هذه السنة يحتاج إلى الدليل ، ولم يقم عليه أيّ دليل .


   (1) خلافاً لجماعة ، حيث ذهبوا إلى تعدّد الخمس ، نظراً إلى تعدّد العنوان . غايته أنّ الخمس بعنوان الكسب مشروط بعدم الصرف في المؤونة ، وأمّا بعنوان المعدن ـ مثلاً ـ فلا يستثنى منه إلاّ مؤونة الإخراج والتحصيل .


   ولكن ما ذكروه لا يمكن المساعدة عليه بوجه :


   أمّا أوّلاً : فلأنّ عنوان الكسب لم يذكر في شيء من الأخبار وإن تداول التعبير بأرباح المكاسب في كلمات جماعة من الفقهاء ، بل الوارد في الأدلّة عنوان الفائدة ـ ما أفاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس ـ أو الغنيمة ، بناءً على شمول الآية للمقام . فالموضوع مطلق الفائدة ، والغوص أو المعدن من أحد مصاديقها ، بحيث لو لم يرد فيهما دليل بالخصوص لقلنا فيهما أيضاً بوجوب الخمس من أجل كونهما من أحد مصاديق الفائدة كما عرفت ، غايته أنّ الأدلّة الخاصّة دلّتنا على أنّ الوجوب فيهما فوري كما هو مقتضى الإطلاق أيضاً في مثل قوله (عليه السلام) : «ما أفاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس» (1) وإن خرجنا عنه بالأدلّة الخارجيّة وقيّدنا الوجوب بعدم الصرف في مؤونة 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 9 : 503 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 6 .


ــ[305]ــ


السنة بنحو الشرط المتأخّر .


   وبالجملة : لا يجب الخمس في هذه الموارد بأجمعها إلاّ بعنوان واحد وإن اختلفت في الأحكام من حيث استثناء المؤونة وعدمها ، فلا تكرّر في العنوان ليحتاج إلى التعدّد .


   وثانياً : لا يمكن الالتزام بوجوب خُمسَين حتى لو سلّمنا تعدّد العنوانين ـ عنوان الكسب وعنوان الغوص مثلاً ـ فإنّ النسبة بينهما وإن كانت عموماً من وجه لجواز عدم الاكتساب بالغوص كجواز كون الكسب من غير الغوص ، إلاّ أنّ الالتزام بالخُمسَين إنّما يتّجه لو بنينا على مقالة ابن إدريس من تعلّق خمس الربح آخر السنة (1) ، فيلتزم حينئذ بوجوب خمس عند ما غاص وبوجوب خمس آخر في نهاية السنة .


   لكن المبنى ساقط ، والصحيح ـ كما مرّ ـ تعلّق الخمس من لدن ظهور الربح ، غايته أنّ وجوبه مشروط بنحو الشرط المتأخّر بعدم الصرف في مؤونة السنة . وعليه ، فمرجع الالتزام بالتعدّد أ نّه حينما غاص وجب عليه خمسان : أحدهما بعنوان الغوص وهو مطلق، والآخر بعنوان الكسب وهو مشروط بعدم الصرف في المؤونة .


   وهذا ـ كما ترى ـ مناف لظاهر النصوص الواردة في الغوص والمعدن ونحوهما ، حيث إنّ ظاهرها أنّ ما يستخرج بالغوص يملكه المستخرج بتمامه بعد التخميس بحيث تكون الأربعة أخماس الباقية بتمامها له ، بل قد صرّح بذلك في بعض هذه النصوص ، فلو كان عليه خمس آخر فمعناه أنّ ثلاثة أخماس العين له لا أربعة أخماسها ، وهو خلاف ظواهر الأدلّة كما عرفت .


   على أنّ لازم هذا البيان أنّ من يقول بتعلّق الخمس بمطلق الفائدة ـ كما هو 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) السرائر 1 : 489 ـ 490 .


ــ[306]ــ


الحقّ ـ يلزمه الإذعان بالخُمسَين حتى إذا لم يكن الغوص ـ مثلاً ـ مكسباً له ، كما لو غاص ومن باب الاتّفـاق أخرج اللؤلؤة ، وهذا مقطـوع البطلان كما لا يخفى . فإذا لم يكن متعدّداً في غير موارد الكسب لا يكون كذلك في موارد الكسب أيضاً ، لما عرفت من أنّ الكسب لا خصوصيّة له ، بل هو لأجل صدق الفائدة .


   والحاصل : أ نّا لو قلنا بالتعدّد في الكسب لا بدّ من القول به في غير الكسب أيضاً ، وهو مقطوع البطلان . إذن فليس في البين إلاّ خمس واحد .


   وملخّص الكلام في المقام : أ نّا لو قلنا بأنّ الخمس في أرباح المكاسب لم يكن لخصوصيّة فيها ، وإنّما هو من باب مطلق الفائدة ، فلا فرق إذن فيمن يستخرج المعدن ـ مثلاً ـ بين أن يتّخذه مكسباً ومتجراً له وبين عدمه ، فكما لا خمس في فرض عدم الكسب إلاّ مرّة واحدة بلا خلاف ولا إشكال ، فكذا في فرض الكسب بمناط واحد .


   وأمّا لو قلنا بخصوصيّة في الكسب ، فبين العنوانين وإن كان عموم من وجه ولكن من الظاهر أنّ الغالب الشائع فيمن يستخرج المعدن أو الغوص اتّخاذه مكسباً له .


   وعليه ، فالقدر المتيقّن من نصوص تخمس المعدن ـ مثلاً ـ وأنّ الباقي له هو المتعارف من استخراج المعدن ، أعني : ما يكون مكسباً له كما عرفت ، فلو كان ثمّة خمس آخر لَما كان تمام الباقي له ، وإنّما له ثلاثة أخماس ، لتعلّق خُمسَين من الأوّل : أحدهما مطلق ، والآخر مشروط ، مع أنّ ظاهر تلك الأخبار أ نّه ليس عليه إلاّ خمس واحد ، وتمام الأربعة أخماس الباقية كلّها للمالك .


   فما ذكره في المتن من وحدة الخمس هو الصحيح المطابق لظواهر النصوص حسبما عرفت .


ــ[307]ــ


   [ 2959 ] مسألة 83 : المرأة التي تكتسب في بيت زوجها ويتحمّل زوجها مؤونتها يجب عليها خمس ما حصل لها من غير اعتبار إخراج المؤونة ، إذ هي على زوجها (1) ، إلاّ أن لا يتحمّل .


   [ 2960 ] مسألة 84: الظاهر عدم اشتراط التكليف((1)) والحرِّيّة في الكنز والغوص والمعدن والحلال المختلط بالحرام والأرض التي يشتريها الذمِّي من المسلم ، فيتعلّق بها الخمس ، ويجب على الولي والسيِّد إخراجه (2) ، وفي تعلّقه بأرباح مكاسب الطفل إشكال ، والأحوط إخراجه بعد بلوغه .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) فمع قيامه بها لا موضوع للمؤونة لكي تستثنى ، وقد تقدّم غير مرّة أنّ العبرة بالمؤونة الفعليّة وما يصرف خارجاً لا مقدارها ، ولذا يجب الخمس في موارد التقتير .


   نعم ، لو امتنع زوجها عن البذل وصرفت ربحها في المؤونة لم يجب الخمس بمقتضى استثناء المؤونة .


   وبالجملة : لا خصوصيّة للزوجة، بل كلّ مكلّف متى حصل له الربح فإن صرفه في المؤونة فلا خمس ، وإلاّ ففيه الخمس .


 (2) ذكر جماعة من الفقهاء في خصوص الثلاثة ـ أعني : الكنز والغوص والمعدن ـ عدم الفرق بين المكلّف وغيره والحرّ والعبد ، وممّن صرّح بذلك المحقّق في الشرائع ، فإنّ صدر كلامه (قدس سره) وإن كان في الكنز ولكنّه ذكر بعد ذلك قوله : وكذلك المعدن والغوص(2) . فهو كغيره من المصرّحين بالخمس في 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) بل الظاهر هو الاشتراط ، ولا فرق فيه بين خمس أرباح المكاسب وسائر الأقسام غير الحلال المختلط بالحرام .


(2) الشرائع 1 : 208 .


ــ[308]ــ


هذه الثلاثة ولم يكن مقتصراً على الكنز .


   وربّما يستشعر أو يستظهر من اقتصارهم على هذه الثلاثة اعتبار التكليف والحرّيّة فيما عداها، كالأرض المشتراة من الذمّي أو المال المختلط بالحرام أو أرباح المكاسب ، ولكن الشيخ (قدس سره) استظهر أنّ الحكم عام لجميع الأقسام (1) ، ولعلّه كذلك ، ولا سيّما بملاحظة بعض الروايات الدالّة على ثبوت الخمس في جميع هذه الموارد بعنوان الغنيمة .


   وكيفما كان ، فالظاهر أنّ المشهور هو ثبوت الخمس مطلقاً ، إمّا في هذه الثلاثة فقط أو في الجميع .


   ولكنّه غير ظاهر ، لما أسلفناه في بعض المباحث السابقة من أنّ المستفاد ممّا دلّ على رفع القلم عن الصبي والمجنون استثناؤهما عن دفتر التشريع وعدم وضع القلم عليهما بتاتاً كالبهائم، فلا ذكر لهما في القانون، ولم يجر عليهما شيء (2) .


   ومقتضى ذلك عدم الفرق بين قلم التكليف والوضع ، فترتفع عنهما الأحكام برمّتها بمناط واحد ، وهو الحكومة على الأدلّة الأوّلية .


   اللّهمّ إلاّ إذا كان هذا الرفع منافياً للامتنان بالإضافة إلى الآخرين كما في موارد الضمانات ، أو ورد فيه نصّ خاصّ كموارد التعزيرات الموكول تحديدها إلى نظر الحاكم .


   أمّا فيما عدا ذلك فلم نعرف أيّ وجه لاختصاص رفع القلم بالتكليف بعد إطلاق الدليل ، بل يعمّ الوضع أيضاً .


   وعليه ، فلا خمس في مال الصبي أو المجنون كما لا زكاة ، فإنّ النصّ الخاصّ وإن لم يرد في المقام كما ورد في باب الزكاة إلاّ أ نّه يكفينا حديث رفع القلم بعد 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) كتاب الخمس : 273 ـ 277 .


(2) شرح العروة  23 : 5 و 14 .


ــ[309]ــ


ما عرفت من شموله للوضع كالتكليف ، فلو كان هناك عموم أو إطلاق يشمل مال الصبي لم يكن بدّ من الخروج عنه بمقتضى هذا الحديث .


   وهذا هو الصحيح كما قوّاه في المدارك (1) وإن كان المشهور هو الوجوب .


   ولا فرق فيما ذكر بين الثلاثة المتقدّمة وبين غيرها كأرباح المكاسب ، لوحدة المناط .


   نعم ، يجب الخمس بالنسبة إلى المال المختلط بالحرام ، لأنّ مقداراً من المال حينئذ لم يكن للصبي ، والتخميس طريق إلى التطهير، فليس هذا حكماً ثابتاً عليه ليرتفع بالحديث ، بل ثابت له وبصالحه ، فلا يجوز للولي التصرّف في ماله قبل التخميس الذي هو في مثل المقام منّة على العباد وتخليص للحلال عن الحرام ، وليس من الإيقاع في المشقّة ليرتفع عن الصبي .


   وأمّا المملوك فلا ينبغي الشكّ في شمول إطلاقات الخمس لما يستفيده ويقع في يده بعد صدق الغنيمة ، سواءً أقلنا بأ نّه ملك له أم لسيِّده .


   وما ورد في الروايات من أنّ المملوك ليس في ماله شيء ، فكلّها ناظرة إلى الزكاة ، كما تقدّم في محلّه (2) .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) المدارك 5 : 389 ـ 390 .


(2) شرح العروة  23 : 20 .