مؤسسة الخوئي الإسلامية

مؤسسة الخوئي الإسلامية
  • الإمام الخوئي
  • المكتبة المرئية
  • المكتبة الصوتية
  • المكتبة
  • الاستفتاءات

13- وحدة الوجود

  • ٣٨٢٦

والقائلون بوحدة الوجود من الصّوفيّة إذا التزموا بأحكام الاسلام فالأقوى عدم نجاستهم إلاّ مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد (1) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   


   (1) القائل بوحدة الوجود إن أراد أن الوجود حقيقة واحدة ولا تعدد في حقيقته وأنه كما يطلق على الواجب كذلك يطلق على الممكن ، فهما موجودان وحقيقة الوجود فيهما واحدة والاختلاف إنما هو بحسب المرتبة ، لأن الوجود الواجبي في أعلى مراتب 


ــــــــــــــــــــــــــــ


 


القوّة والتمام والوجود الممكني في أنزل مراتب الضعف والنقصان وإن كان كلاهما موجوداً حقيقة وأحدهما خالق للآخر وموجد له ، فهذا في الحقيقة قول بكثرة الوجود والموجود معاً نعم حقيقة الوجـود واحدة ، فهو مما لا يستلزم الكفر والنجاسـة بوجه بل هو مذهب أكثر الفلاسفة بل مما اعتقده المسلمون وأهل الكتاب ومطابق لظواهر الآيات والأدعية ، فترى أ نّه (عليه السلام) يقول : «أنت الخالق وأنا المخلوق وأنت الرب وأنا المربوب»(1) وغير ذلك من التعابير الدالة على أن هناك موجودين متعدِّدين أحدهما موجد وخالق للآخر ، ويعبّر عن ذلك في الاصطلاح بالتوحيد العامِّي .


   وإن أراد من وحدة الوجود ما يقابل الأول وهو أن يقول بوحدة الوجود والموجود حقيقة وأنه ليس هناك في الحقيقة إلاّ موجود واحد ولكن له تطورات متكثرة واعتبارات مختلفة ، لأنه في الخالق خالق وفي المخلوق مخلوق كما أنه في السماء سماء وفي الأرض أرض وهكذا ، وهذا هو الذي يقال له توحيد خاص الخاص وهذا القول نسبه صدر المتألهين إلى بعض الجهلة من المتصوفين ، وحكى عن بعضهم أنه قال : ليس في جبتي سوى الله ، وأنكر نسبته إلى أكابر الصوفية ورؤسائهم (2) ، وإنكاره هذا هو الذي يساعده الاعتبار فان العاقل كيف يصدر منه هذا الكلام وكيف يلتزم بوحدة الخالق ومخلوقه ويدعي اختلافهما بحسب الاعتبار .


   وكيف كان فلا إشكال في أن الالتزام بذلك كفر صريح وزندقة ظاهرة ، لأنه إنكار للواجب والنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حيث لا امتياز للخالق عن المخلوق حينئذ إلاّ بالاعتبار ، وكذا النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأبو جهل مثلاً متّحدان في الحقيقة على هذا الأساس وإنما يختلفان بحسب الاعتبار .


   وأمّا إذا أراد القائل بوحدة الوجود أن الوجود واحد حقيقة ولا كثرة فيه من جهة وإنما الموجود متعدِّد ، ولكنه فرق بيّن بين موجودية الوجود وبين موجودية غيره من الماهيّات الممكنة، لأنّ إطلاق الموجود على الوجود من جهة أ نّه نفس مبدأ الاشتقاق


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) كما في دعاء يستشير مفاتيح الجنان : 78 .


(2) لاحظ الأسفار 1 : 71  .


 


وأمّا إطلاقه على الماهيات الممكنة فانما هو من جهة كونها منتسبة إلى الموجود الحقيقي الذي هو الوجود لا من أجل أنها نفس مبدأ الاشـتقاق ولا من جهة قيام الوجود بها حيث إن للمشتق إطلاقات فقد يحمل على الذات من جهة قيام المبدأ به كما في زيد عالم أو ضارب لأ نّه بمعنى مَن قام به العلم أو الضرب ، واُخرى يحمل عليه لأ نّه نفس مبدأ الاشتقاق كما عرفته في الوجود والموجود ، وثالثة من جهة إضافته إلى المبدأ نحو إضافة وهذا كما في اللاّبن والتامر لضرورة عدم قيام اللبن والتمر ببائعهما إلاّ أنّ البائع لما كان مسنداً ومضافاً إليهما نحو إضافة وهو كونه بائعاً لهما ، صح إطلاق اللاّبن والتامر على بائع التمر واللّبن ، وإطلاق الموجود على الماهيات الممكنة من هذا القبيل ، لأنه بمعنى أنها منتسبة ومضافة إلى الله سبحانه باضافة يعبّر عنها بالاضافة الاشراقية فالموجود بالوجود الانتسابي متعدِّد والموجود الاستقلالي الذي هو الوجود واحد .


   وهذا القول منسوب إلى أذواق المتأ لِّهين ، فكأن القائل به بلغ أعلى مراتب التأ لّه حيث حصر الوجود بالواجب سبحانه ، ويسمّى هذا توحيداً خاصياً . ولقد اختار ذلك بعض الأكابر ممن عاصرناهم وأصرّ عليه غاية الاصرار مستشهداً بجملة وافرة من الآيات والأخبار حيث إنّه تعالى قد اُطلق عليه الموجود في بعض الأدعية(1) وهذا المدعى وإن كان أمراً باطلاً في نفسه لابتنائه على أصالة الماهيّة ـ على ما تحقّق في محلّه  ـ وهي فاسـدة لأنّ الأصيل هو الوجود إلاّ انه غير مستتبع لشيء من الكفر والنجاسة والفسق .


   بقي هناك احتمال آخر وهو ما إذا أراد القائل بوحـدة الوجود وحدة الوجـود والموجود في عين كثرتهما فيلتزم بوحدة الوجود والموجود وأنه الواجب سبحانه إلاّ أن الكثرات ظهورات نوره وشؤونات ذاته ، وكل منها نعت من نعوته ولمعة من لمعات صـفاته ويسمّى ذلك عند الاصطلاح بتوحيـد أخصّ الخواص ، وهذا هو الذي حقّقه صدر المتأ لِّهين ونسبه إلى الأولياء والعرفاء من عظماء أهل الكشف واليقين قائلاً : بأن


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) وقفنا عليه في دعائي المجير والحزين المنقولين في مفاتيح المحدث القمي ص 81 وهامش 148 .


 


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الآن حصحص الحق واضمحلّت الكثرة الوهمية وارتفعت أغاليط الأوهام (2) ، إلاّ أ نّه لم يظهر لنا إلى الآن حقيقة ما يريدونه من هذا الكلام . وكيف كان فالقائل بوحدة الوجود بهذا المعنى الأخير أيضاً غير محكوم بكفره ولا بنجاسته ما دام لم يلتزم بتوال فاسدة من انكار الواجب أو الرسالة أو المعاد .