مؤسسة الخوئي الإسلامية

مؤسسة الخوئي الإسلامية
  • الإمام الخوئي
  • المكتبة المرئية
  • المكتبة الصوتية
  • المكتبة
  • الاستفتاءات

9- الأمر بين الأمرين

  • ٣٤٨٥

بسم الله الرحمن الرحيم


رسالة في الأمر بين الأمرين


الحمد لله ربّ العالمين ، باعث الأنبياء والمرسلين ، ليهدي بهم الخلق إلى سواء السبيل ، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة ، وصلّى الله على أشرف أنبيائه ورسله وعلى أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً . 


وبعد ، فهذه وجيزة في حلّ غامضة الجبر والتفويض ، المعروفة عند الفلاسفة والمتكلّمين ، المبحوث فيها عن كيفيّة صدور الأفعال من الناس، وقد تعرّض لهذا البحث العظيم سيّد أساتيذنا العظام ، نابغة الزمان ، علاّمة الآفاق ، فريد عصره حامي الشريعة المصطفوية ، وركن الشيعة المرتضوية ، حجّة الحقّ ، آية الله العظمى الحاج السيّد أبو القاسم الخوئي النجفي متّع الله المسلمين بطول بقائه عند البحث في الطلب والإرادة في بحث الاُصول استطراداً ، وفاقاً للمحقّق صاحب الكفاية (قدّس سرّه) .


وما أفاده سيّدنا الاُستاذ (مدّ ظلّه) وإن كان إفادة تامّة مستوفاة ، إلاّ أنّه مع ذلك لا يخلو البحث الاستطرادي من الحاجة إلى التكميل ، ولهذا حاولت الاستقصاء عمّا وقع في المقام من الاستدلال والنقض والإبرام ، وبحثت عمّا كان تكميل المسألة غير مستغن عنه ، بأمر من سيّدي الاُستاذ أدام الله إفاضاته علينا وعلى جميع روّاد العلم والإهداء إلى حضرته الشريفة .


فلابدّ لنا قبل الورود في المسألة من التنبيه على اُمور لا يستغنى عنها في الأبحاث الآتية :


الأوّل : من الغالب على الظنّ أنّ المسألة بعنوانها ليست من المسائل القديمة الملتفت إليها الإنسان من أقدم العصور ، كحديث العلّة والمعلول (العامل والمعمول)


ــ[4]ــ


وقضية أنّ المعلول لابدّ له من علّة ، الساريةُ في جميع النشآت الطبيعية وما وراءها .


ولكن لابدّ من أن يعلم أنّ عدم التعرّض لها قديماً لا يدلّنا على صعوبتها بتوهّم أنّها لو كانت واضحة لالتفت الناس إليها من قديم الأعصار، وذلك لأنّ عدم تعرّضهم لعلّه لكون المسألة بديهية عندهم ، ولم يشكّوا في استناد الفعل إلى فاعله .


 


غير أنّ التصدّي للبحث عنه ـ على ما يحكى في محلّه ـ ابتدأ من نشوء الفلاسفة الإغريقيين ، فإنّهم قاموا بالبحث عن الحقائق الكونية ، ورتّبوا الأبحاث على منوال اصطلاحات ألزموا أنفسهم على التبعية عنها ، فعندئذ وقعت المسألة في غموض الألفاظ ، وجعل الأكثر يميلون على حسب الصناعة ـ كما سوف تقف عليه ـ إلى انتهاء جميع الذوات والصفات والملكات والأفعال إلى الله تعالى بحسب النظام الجملي ، لكنّهم معترفون بمسؤولية الفاعل عن فعله .


 


وهكذا مرّت الأزمنة على المسألة إلى أن حدث قوم مشكّكون ـ المصطلح على تسميتهم بالسوفسطيقيين فأوقعوا الشكّ في الأفعال كما هو ديدنهم في جميع نظرياتهم في الموجودات ، ومع ذلك فقد كان أتباع الفلاسفة معرضين عن مثل تلك الشكوك .


 


وأمّا الملل المقتدية بأنبيائهم في عقائدهم وأعمالهم فهم على ما يظهر من الأدلّة المتقنة ذهبوا إلى إثبات الاختيار ، ومسؤولية الإنسان عن أفعالـه ، ولم يظهر بعد بعثة نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) من يخالفهم إلاّ الأشعري ، فإنّه ذهب إلى ما كان يقول السوفسطيقيين على ما سنشرحه(1).


 


وأمّا الفلاسفة بعد الإسلام ـ أمثال محمّد بن طرخان الفارابي والشيخ الرئيس
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص28 و34 .


 


ــ[5]ــ


 


حسين بن عبدالله بن سينا ـ فقد أخذوا عن الفلاسفة السابقين على اختلاف مسالكهم وبياناتهم ، وذهب قليل منهم إلى استقلال العبد فيما يصدر عنه من الأفعال ، وقد اشتهر التعبير عنهم بالمفوّضة .


 


وأمّا الفلاسفة المتأخّرون من غير المسلمين ، الناظرون في الكون والفساد بغير النظريات القديمة ، فكلماتهم في المقام أيضاً متشتّتة ، ونحن نتعرّض لها ولما يرد على بعضها مع بيان ما هو الحقّ الموافق للعقل والشرع بعونه تعالى وإرشاده .


 


الثاني : أنّ المقصود من هذه الأبحاث إنّما هو إثبات أنّ الفعل إنّما يصدر من الإنسان لا على نحو الاستقلال التامّ ، بحيث يكون مستغنياً عن الله تعالى في إصداره كما عليه المفوّضة ، ولا على نحو الاضطرار التامّ لينتهي أمر الفعل إلى الواجب ، فلا يكون لاختيار العبد دخل فيه كما عليه المجبّرة ، ليتبيّن أنّ الحـقّ هو الأمر بين الأمرين ، كما هو المصرّح به فيما هو المأثور من أهل البيت فيما تواتر عنهم (سلام الله عليهم)(1) وأمّا ترتيب الأبحاث فقد ذكرناه في الفهرست ، فلا حاجة إلى إعادته .


 


الثالث : أنّ ما يقوم بالإنسان من المعاني على قسمين :


 


الأوّل : ما يكون ناشئاً منه ، ويكون قيامه به قيام صدور ، كالأكل والشرب والضرب والمشي .


 


الثاني : ما يقوم به قيام حلول ، من باب قيام الوصف بموصوفه .


 


وكلّ منهما إمّا أن يكون قائماً بالأعضاء والبدن الجسماني ، أو بالنفس . فالأقسام أربعة :


 


1 ـ فعل الأعضاء ، كالحركات الخارجية القائمة بها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 1 : 155 باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ، وبحار الأنوار 5 : 4 / 1 ، 18 ، 27 ، 28 وغيرها ، ويأتي بعضها في ص 94 ـ 95 من هذه الرسالة .


 


ــ[6]ــ


 


2 ـ صفة الأعضاء ، كالطول والقصر ، والسواد والبياض ، القائمة بها .


 


3 ـ فعل النفس ، كالاعتبارات النفسانية ، فإنّ قيامها بالنفس قيام صدور من باب قيام الفعل بفاعله ، وتسمّى هذه في الاصطلاح بأفاعيل النفس .


 


4 ـ صفة النفس ، كالانقباض والانبساط الحاصل منهما الحزن والفرح .


 


وسيظهر لك إن شاء الله تعالى أنّ الإرادة والاختيار من القسم الثالث ، ومن أفعال النفس لا من صفاتها .


 


والضابط في الفرق بين الصفة والفعل وإن كان بحسب العرف في أنّ قيام الصفة بموصوفها قيام حلول ، وقيام الفعل بفاعله قيام صدور ، وكلّ منهما قد يكون اختيارياً وقد يكون غير اختياري ، إلاّ أنّا اصطلحنا على أن نعبّر عن كلّ أمر اختياري بالفعل ، وعن كل أمر قائم بشيء غير اختياري بالصفة ، فإذا قلنا بأنّ الشيء الفلاني من الصفات دون الأفعال أردنا به أنّه لا دخل لاختيار الموصوف وإرادته في وجوده، سواء كان قيامه به قيام صدور أو حلول .


 


الرابع : لا ينبغي لعاقل أن يشكّ في أنّ العقل يدرك الحسن والقبح ، وأنّ إدراكه هذا بديهي وممّا يستقلّ به ، ونعني بإدراك العقل حسنَ شيء أو قبحَه إدراكَه أنّ الإتيان بفعل ما من وضع الشيء في مورده ، أو من وضعه في غير مورده ، وهذا المعنى معنىً جامع لجميع أفراد الحسن والقبح ، وإن كانت تلك الأفراد مختلفة غايته في الشدّة والضعف بحسب الموارد والأزمنة والأمكنة ، واختلاف الأفراد في ذلك لا ينافي بداهة إدراك الجامع وما هو جهة الاشتراك بين الأفراد حقيقة .


 


بل أقول : إنّ إنكار إدراك الإنسان الحسن والقبح على حذو إنكار الإنسان وجود نفسه ، وهل يسع الإنسان أن ينكر أنّه هو وأنّه ليس غيره ، ألا وإنّ استقلال العقل بالحسن والقبح هو المبدأ الوحيد الذي به تقوم جميع الشرائع والاجتماعيات .


 


فلو وجد في الخارج من ينكر الخير والشرّ إن كان مقصوده بذلك اختلاف 


 


ــ[7]ــ


 


أفرادهما ونسبيّتهما فهو صحيح ، إذ لا جامع مقولي يجمع تلك الاُمور النسبية ، بل يختلف الحسن والقبح باختلاف الموارد والإضافات ، كما أنّ جميع الاُمور النسبيّة كذلك .


 


وإن أراد به أنّ العقل لا يدرك الحسن والقبح في محالّهما ، فلا يدرك أنّ هذا الفعل حسن وذاك قبيح ، وهذا ظلم وذاك عدل ، فقد عرفت أنّ القول بذلك على حذو إنكار الإنسان وجود نفسه ، وكيف يمكن القول به مع أنّ المسؤوليات الاجتماعية والشرعية كلّها تدور على ذلك، إذن لا ينبغي هذا القول إلاّ من فاقد الشعور ، أو ممّن حذا حذو السوفسطيقي كإنكاره جميع المحسوسات والمعقولات على خلاف بداهة عقله .
فإذا تبيّن ذلك فاعلم أنّه قد ذهب الأشعريون إلى عدم حكم العقل بالحسن والقبح( )، وقد خالفوا بذلك جميع أهل الأديان وغيرهم ، والذي أوقعهم في ذلك أمران :


 


الأول : أنّه لو كان الكذب مثلا ممّا يحكم العقل بقبحه لم يتغيّر عن ذلك ولو توقّف عليه إنجاء نبي بل مؤمن ، أو إصلاح ذات بين ، ونحو ذلك ، مع أنّ القائلين بإدراك العقل الحسن والقبح لم يتوقّفوا في حسن ذلك عقلا وشرعاً .


 


الثاني : أنّه لو قال قائل : لأكذبنّ غداً ، فإن حسن منه الوفاء بالوعد كان الكذب حسناً ، وهو خلف ، وإن كان الكذب قبيحاً فيكون الوفاء بالوعد قبيحاً وهو خلف أيضاً .


 


والجواب عنهما على ما أفاده المحقّقون من علمائنا (رضوان الله عليهم أجمعين) ومنهم سيّدنا الاُستاذ (مدّ ظلّه) إنّما يتّضح بتنقيح مقدّمة ، وتقريرها أن يقال : إنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع المواقف 3 : 261 / المقصد الخامس ، وشرح المقاصد 4 : 282 .


 


ــ[8]ــ


 


الأفعال الصادرة اختياراً من العباد على أقسام ثلاثة :


 


القسم الأوّل : ما لا يعقل انفكاكه عن الحسن أو القبح كما لا يعقل انفكاك العلّة التامّة عن معلولها ، وذلك مثل العدل والظلم ، فمتى صدق على فعل أنّه ظلم كان قبيحاً لا محالة ، كما أنّه متى صدق عليه العدل كان حسناً بالضرورة ، وفي مثل ذلك يستحيل ارتفاع الحسن أو القبح إلاّ بارتفاع موضوعه وتغيّره ، فلا يكون عدم الاتّصاف بالحسن أو القبح حينئذ من جهة التخصيص في حكم العقل ، بل من جهة التخصّص وكون سلب الحكم من جهة انتفاء موضوعه ، مثلا إنّ ضرب اليتيم للتشفّي أو الإيذاء ظلم ، وهو قبيح ، لكنّه متى كان بقصد التأديب لا يكون ظلماً ، فلا يكون قبيحاً ، لا أنّه ظلم وليس بقبيح .


 


ومن ذلك يظهر الحال في العدل والإحسان وإطاعة المولى الحقيقي ، فإنّها لا تنفكّ عن الحسن أبداً ، إلاّ مع تغيّر في عناوينها ، فينتفي الحكم بانتفاء موضوعه .


 


القسم الثاني : ما يعقل فيه الانفكاك عن الحسن أو القبح بعروض عنوان آخر مغيّر لحكمه مع بقاء العنوان الأوّلي بحاله ، إلاّ أنّ الفعل في ذاته وفي طبعه يكون حسناً أو قبيحاً ، فنسبة الفعل إلى أحدهما كنسبة المقتضي إلى مقتضاه ، وذلك مثل الصدق والكذب ، فإنّهما في نفسهما يتّصفان بالحسن والقبح ، لكنّه لا يمنع العقل من طروء بعض الحالات والاعتبارات الموجب لانقلابهما عمّا كانا عليه .


 


فالصدق في نفسه وإن كان حسناً ، إلاّ أنّه إذا ترتّب عليه سفك الدماء ونهب الأموال بل أقلّ وأيسر من ذلك ارتفع حسنه ، وكان من القبائح الواضحة التي يدركها كلّ عاقل ، وكذلك الكذب فإنّه في نفسه وإن كان قبيحاً ، إلاّ أنّه إذا ترتّب عليه صيانة النفوس وحراسة الأعراض والأموال لم يكن قبيحاً ، بل كان ممّا استقلّ العقل بحسنه وندب الشرع إليه .


 


وإن شئت قلت : إنّ العقل لم يستقلّ بحسن كلّ صدق ولا بقبح كلّ كذب ، بل 


 


ــ[9]ــ


 


إنّما استقلّ بحسن الصدق الذي لا تترتّب عليه مفسدة ، وبقبح الكذب الذي لم يعرض عليه عنوان حسن عقلا وشرعاً .


 


القسم الثالث : ما لا يكون في نفسه متّصفاً بالحسن ولا بالقبح ، وإنّما يكون اتّصافه بواحد منهما بتبع عروض عنوان آخر ، كالمشي بلا غرض يوجبه ، ونحوه من الأفعال المباحة عقلا وشرعاً ، فإنّها في نفسها لا تكون قبيحة ولا حسنة ، كما أنّه إذا كانت لغاية قبيحة أو حسنة كانت قبيحة أو حسنة ، ومع قطع النظر عن عروض العنوان الخارجي لا يتّصف بشيء منهما ، والعقلاء لا يمدحون فاعله بفعله هذا ، ولا يذمّونه .


 


إذا عرفت ذلك ظهر لك جواب الأشعري فيما ذكره من الأمرين ، وتوضيح الجواب : أنّ استقلال العقل بقبح الكذب وحسن الصدق ليس على حذو استقلاله بقبح الظلم وحسن العدل لئلاّ يعقل التخلّف في مورد ما ، وإنّما استقلّ بقبح الكذب فيما لم يتعنون بعنوان حسن عقلا وشرعاً ، كما إذا كان موجباً لإنجاء مؤمن أو إصلاح ذات بين ونحو ذلك ، والكذب في أمثال هذه الموارد لم يكن محكوماً بحكم العقل بالقبح من الأوّل ، لا أنّه كان قبيحاً وارتفع قبحه ، فعدم ثبوت الحكم له إنّما هو لعدم دخوله في موضوع القضيّة العقليّة ، لا أنّه خرج عنها بالتخصيص .


 


وأمّا النقض بالوعد على الكذب فيدفعه أنّ العقل لم يستقل بحسن الوفاء بالوعد مطلقاً ، وإنّما استقلّ به فيما إذا لم يكن الموعود به قبيحاً عقلا وشرعاً ، وإلاّ كان العمل بالوعد قبيحاً لا محالة ، وليس ذلك من باب التخصيص ، بل هو من باب التخصّص وارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه .


 


ثمّ لا يخفى أنّا لم نرد بلفظ الحكم في قولنا : يحكم العقل بقبح الظلم وحسن العدل واللطف على الله تبارك وتعالى ، معناه الاصطلاحي المتبادر إلى الذهن من البعث والإلزام والإيجاب ونحو ذلك كي يقال باستحالته ، إذ كيف يعقل حكومة 


 


ــ[10]ــ


 


العقل المقهور على خالقه القاهر جلّ شأنه ليلزمه بشيء أو يزجره عنه ، وهو الحاكم على عباده والقاهر عليهم ، بل المراد بذلك هو إدراك الواقع وما هو أمر ثابت في نفس الأمر، وهو على حذو قولنا : إنّ العقل يحكم باستحالة اجتماع النقيضين ، وبأنّ الاثنين مكرّر الواحد ، وأنّ الواحد نصف الاثنين ، فهل يتوهّم عاقل أنّ معنى الحكم في أمثال ذلك هو البعث أو ما يقاربه من المعاني ؟ كلاّ .


 


وبالجملة : إذا قلنا : يحكم العقل بوجوب فعل ما أو قبحه على الله تعالى أردنا به إدراك العقل استلزام الوجوب الذاتي والغناء المطلق لوجود شيء وعدمه فحكمه هذا من فروع الحكمة النظرية ، لا من قبيل الحكمة العملية .


 


وبما ذكرنا تندفع شبهة اُخرى للأشاعرة ، حيث منعوا قبح الظلم على الله تعالى ، بتوهّم أنّه تعالى هو الحاكم المطلق في سلطانه ، ولا يحكم أحد عليه بالقبح . وهذه الشبهة إنّما نشأت من الجهل بمعنى الحكم في المقام ، وبعد ما ظهر لك ذلك لا يبقى للشبهة المزبورة وقع علمي أبداً ، إلاّ أنّه مع ذلك سنتعرّض لأصل الشبهة وجوابها تفصيلا فيما بعد إن شاء الله تعالى(1).


 



في قاعدة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد


 


الخامس : في بيان معنى قول الفلاسفة(2): إنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، أو إنّ الشيء ما لم يوجد لم يجب . وهذه القاعدة قد ذكرها الفلاسفة في باب لزوم معيّة المعلول ، وهي من الاُصول الموضوعة عندهم في الفلسفة العالية وغيرها من أبواب الفلسفة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص47 .
(2) راجع الأسفار 1 : 221 ، نهاية الحكمة : 54 .


 


ــ[11]ــ


 


قال الشيخ الرئيس في كتاب الشفاء في البحث عن وجوب معيّة المعلول لعلّته ما لفظه : فلا يبعد أن يكون الشيء مهما وجد وجب بالضرورة(1).


 


وقال صاحب الأسفار في حاشيته على الكتاب : يريد بيان أنّ العلّة ما لم يجب كونها علّة لم تكن علّة بالحقيقة ، وأنّ المعلول ما لم يجب وجوده بالغير لم يكن موجوداً(2).


 


وقد صرّح بهذه القاعدة كثير منهم في مواضع عديدة ، والمهمّ لنا هو معنى القاعدة وما قصدوا بها عند استدلالاتهم ، وبيان أنّها صحيحة أو فاسدة .


 


الذي ظهر لنا في معنى أصل القاعدة من كلماتهم : أن تكوّن كلّ شيء وتحصّله في الأعيان أو الأذهان فرع تمامية علّته بما لها من الأجزاء والشرائط وارتفاع الموانع ، وعند ذلك يجب وجود المعلول ، فوجود كلّ شيء مسبوق بضرورة سابقة وتعيّن وجوبي في مرتبة علّته .


 


ولا يخفى أنّ هذا المعنى من الضروريات الأوّلية في الجملة ، إذ كلّ عاقل يحكم بضرورة عقله بأنّ المعلول لا يتحقّق في موطن وجوده بأدنى إخلال في ناحية علّته بعدم تمامية مقتضيه ، أو بعدم وجود شرطه ، أو من جهة وجود مانعه ، وإنّما الكلام في سعة هذه القاعدة وضيقها .


 


فنقول : لو كان المراد بوجوب الشيء قبل وجوده وجوده الاضطراري الناشئ عن استحالة تخلّف المعلول عن علّته ولزوم معيّته لها في الزمان، بحيث لا يتخلّل بين وجوديهما جزء من الزمان ، وإن كان أحدهما مترتّباً على الآخر ، ومن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشفاء (الإلهيات 1) : 165 فصل في المتقدّم والمتأخّر وفي الحدوث [ وفيه : ... وجب ضرورة أن يكون ... ] .
(2) تعليقة صدر المتألّهين على الشفاء : 156 (المقالة الرابعة من الشفاء) .


 


ــ[12]ــ


 


ثَمّ يقال : وجدت العلّة فوجد معلولها ، فهو معنى معقول مطابق للبرهان في المعاليل والمسبّبات الصادرة عن عللها وأسبابها من غير إرادة واختيار، وذلك فإنّ الشيء بعد ما فرض ممكناً احتاج في وجوده إمّا إلى إرادة فاعل مختار أو إلى بلوغه مرتبة الوجوب بالغير من جهة علّته ، وإلاّ كان وجوده مع إمكانه ترجّحاً بلا مرجّح ، وهو محال .


 


وإن اُريد به لزوم وجوب الشيء قبل وجوده ولو فيما كان الوجود مستنداً إلى إرادة الفاعل المختار ، ليرجع محصّل القاعدة إلى استحالة وجود كلّ ممكن اختيارياً كان أو غير اختياري ما لم يصل إلى حدّ الوجوب وضرورة الوجود ، فهو معنى يخالفه الوجدان ، ولم يقم على طبقه برهان .


 


وإيفاء البحث في هذا المقام بأن يقال : إنّ الممكن بما أنّه ممكن لا يقتضي في نفسه الوجود والعدم ، فهما بالإضافة إليه ككفّتي الميزان ، فلا يعقل أن يوجد في الخارج إلاّ وله موجد ، وإلاّ لزم الترجّح بلا مرجّح ، وهو باطل بضرورة العقل وقد اُشير إليه في قوله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)(1) فالممكن يستحيل أن يوجد من غير موجد ، كما يستحيل أن يكون هو الموجد لنفسه .


 


ثمّ إن كان الموجد فاعلا بالاضطرار فلابدّ في صدور الممكن منه من وصوله إلى حدّ العلّية التامّة ، الذي يستحيل معه تخلّف المعلول عنه ، إذ قبل ذلك كان الممكن باقياً على إمكانه فيستحيل وجوده ، لأنّه ترجح بلا مرجّح .


 


وهذا معنى أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، بمعنى أنّ الممكن الصادر من الفاعل بغير الاختيار إن لم يصل إلى حدّ الإلجاء والوجوب يستحيل وجوده ، فوجود الممكن مساوق لوجوبه ، كما أنّ عدمه مساوق لامتناعه ، فإنّه لا يكون معدوماً إلاّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الطور 52 : 35 .


 


ــ[13]ــ


 


بعدم علّته التامّة ، وفي هذا الفرض كان وجوده محالا ، وإلاّ لزم الترجّح بلا مرجّح .


 


وبالجملة : أمر الممكن دائر بين الوجوب والامتناع الغيريّين ، فإنّه مع فرض وجود علّته التامّة واجب ومع عدمها ممتنع ، لكن مثل هذا الوجوب والامتناع لا ينافي الإمكان الذاتي الذي هو بمعنى عدم اقتضاء الماهية في نفسها للوجود والعدم وعدم إبائها لشيء منهما .


 


وأمّا لو كان الفاعل فاعلا بالاختيار فهو وإن كان ممّا لابدّ منه في صدور الفعل وتحقّقه ، لما عرفت من استحالة وجود الممكن بلا موجد له، إلاّ أنّه لا يعتبر فيه وصول الأمر إلى حدّ الإلجاء والاضطرار ، بل لابدّ من أن لا يكون كذلك ، وإلاّ خرج الفعل عن كونه اختيارياً ، وهو خلف .


 


وبالجملة : فرض كون الفعل اختيارياً يستلزم كون أمره وجوداً وعدماً بيد الفاعل وتحت سلطانه ، فلو فرض وجود جميع المقدّمات التي يتوقّف عليها وجود الفعل ، وكان شوق الإنسان إليه في غاية مرتبة القوّة والشدّة ، لم يكن الفعل مع ذلك خارجاً عن تحت قدرة الإنسان ، بل كان أمره بيده ، فله أن يعمل قدرته في وجوده الذي نعبّر عنه بالاختيار ، وله أن لا يعملها فيه .


 


فتحصّل : أنّ قاعدة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد لا تجري في الأفعال الاختيارية ، ومَن أسراها إليها قد التبس عليه الأمر ، فلم يميّز بين الفاعل بالاختيار والعلّة الاضطرارية .


 


نعم إنّ لنا بحثاً آخر ، وهو أنّ العقل يستقلّ بقبح الترجيح بلا مرجّح فالفاعل بالاختيار إذا كان حكيماً لابدّ في فعله من مرجّح له ، وهذا بحث آخر أجنبي عمّا نحن فيه ، وسيجيء الكلام فيه عن قريب إن شاء الله(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص39 .


 


ــ[14]ــ


 


وممّا ذكرنا بطل قول من زعم قدم العالم ، بدعوى أنّه يستحيل تخلّف المعلول عن علّته التامّة ، وأنّ المفروض أنّه لا علّة غيره تعالى ، وهو قديم ، فالعالم يلزم أن يكون قديماً .


 


والجواب : أن لا علّية في ذلك المقام الشامخ ولا اضطرار فيه إلى إيجاد فعل ما
وإنّما هو تحت إرادته وسلطانه ، فمتى شاء إيجاد فعل حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية أوجده ، ومتى لم يشأ لم يوجده ، ولعلّنا نتكلّم في ذلك فيما بعد مستوفى(1)، والله الهادي إلى سواء السبيل .
 


 


البحث عن صفات الله الذاتية والفعلية


 


السادس : العناوين الاشتقاقية المحمولة على الله تعالى على قسمين :


 


الأوّل : ما يكون مبدأ العنوان الاشتقاقي متّحداً مع الذات المقدّسة خارجاً
كالعالم والقادر والحي ، فإنّ القدرة والعلم والحياة من الصفات التي هي متّحدة مع الذات المقدّسة ، ولا مغايرة بينها وبين الذات ، بخلاف الذوات الممكنة المتّصفة بها حيث إنّ بينها التغاير خارجاً تغاير الصفة والموصوف والعرض والمعروض ، وأمّا الذات المقدّسة فيستحيل اتّصافها بالعرض ، لاستحالة التركيب فيها ، فعلمه عين قدرته وهما عين ذاته .


 


الثاني : ما لا يكون مساوقاً للذات ولا اتّحاد بينهما ، بل تكون حادثة ومنتزعة من فعله ، ويسمّى هذا القسم بالصفات الفعلية ، كالرازقية والخالقية وغيرهما ، وسيجيء الفرق بين القسمين من الصفات بعد هذا إن شاء الله( ).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع ص50 ـ 51 .
(2) في ص17 .


 


ــ[15]ــ


 


ثمّ إنّ في كون هذه الاُمور المتغايرة من الصفات الذاتية ـ وهي العلم والقدرة والحياة مثلا ـ عين الذات مع أنّها واحدة بسيطة من جميع الجهات غموضاً أوجب إشكالات ثلاثة ، لا بأس بالتعرّض لها والجواب عنها .


 


الأوّل : أنّ مبادي هذه الصفات لما كانت متّحدة مع الذات فكان حملها عليها من قبيل حمل الشيء على نفسه ، الذي لا فائدة فيه .


 


والجواب عنه كما ذكره المحقّق صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) أنّ المدّعى هو اتّحاد الذات مع تلك الصفات خارجاً لا مفهوماً ، والذي يستلزم حمل الشيء على نفسه هو الاتّحاد في المفهوم ، دون الخارج والمصداق .


 


الثاني : أنّه يعتبر في حمل العنوان الاشتقاقي على شيء مغايرة مبدئه لذلك الشيء ، وإذ قلنا باتّحاد المبادي مع الذات المقدّسة استلزم ذلك القول بمجازية استعمال هذه المشتقّات عند حملها على الله تعالى ، وهو خلاف الأصل ، بل خلاف الوجدان ، لأنّا لا نرى عناية في هذه الاستعمالات أصلا .


 


وقد أجاب عن ذلك صاحب الكفاية (قدّس سرّه) بما حاصله : أنّ المعتبر هو التغاير المفهومي ، وهو حاصل ، وأمّا التغاير الخارجي فهو غير معتبر أصلا(2).


 


والصحيح في الجواب : أنّ التغاير لا يعتبر أصلا ، لا في المفهوم ولا في المصداق ، ويشهد لذلك صحّة قولنا : الضوء مضيء ، وغير ذلك ، والمستشكل قد التبس عليه الأمر ، فخلط المغايرة المعتبرة بين الموضوع والمحمول من وجه بالمغايرة بين الذات ومبدأ المشتقّات ، والذي يقتضيه البرهان هو الأول دون الثاني ، ففي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 56 .
(2) كفاية الاُصول : 56 .


 


ــ[16]ــ


 


قولنا : الله عالم ، محمول القضية هو لفظ عالم ، وقد حقّقنا في بحث المشتق(1) أنّه دالّ على الذات المقيّدة بثبوت المبدأ لها نحو ثبوت ، ومن الضروري أنّ مفهوم الذات المقيّدة بثبوت العلم لها مغاير لما هو المفهوم من لفظ الجلالة ، فقد حصل التغاير المعتبر في القضية بين الموضوع والمحمول ، وأمّا التغاير بين موضوع القضية ومبدأ الاشتقاق فلم يدلّ على اعتباره دليل .


 


الثالث : إشكال استحالة انتزاع مفاهيم متعدّدة مختلفة من ذات واحدة بلا اختلاف جهات وحيثيّات ، وقد ذكر صاحب الأسفار(2) بداهة استحالة انتزاع مفهوم واحد من اُمور متعدّدة بلا جهة اشتراك بينها ، فالعكس أيضاً كذلك .


 


والجواب : أنّ الذات المقدّسة بما أنّه لا نقص فيها أصلا فالعقل إذا توجّه إلى كماله الذاتي غير المتناهي ينتزع منه مفاهيم عديدة حسب اختلاف اعتباراته وجهات لحاظه ، فإذا لاحظ حضور جميع الموجودات لديه ينتزع من هذا الحضور مفهوم العالم ، وإذا لاحظ كون الممكنات بأجمعها تحت سلطانه ينتزع عنه مفهوم القادر ، فاختلاف الجهات إنّما هو في لحاظ العقل واعتباره ، وهو لا ينافي بساطة الذات على الإطلاق وعدم تركّبه أصلا .


 


                                        عباراتنا شتّى وحسنك واحد           وكلّ إلى ذاك الجمال يشير


 


وأمّا الصفات الفعلية التي ليس بينها وبين الذات اتّحاد فإنّها تنتزع من نفس الأفعال ، كالخالق والرازق والمحيي والمميت وغيرها ، فهي حادثة بحدوث الأفعال . ولا يخفى أنّ إرادته ومشيّته تعالى وتقدّس من قبيل القسم الثاني ، ويظهر ذلك بعد إيضاح الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 1 (موسوعة الإمام الخوئي 43) : 305 .
(2) راجع الأسفار 1 : 133 .


 


ــ[17]ــ


 


وما ذكروه من الفرق بينهما اُمور ثلاثة :


 


الأوّل : عدم جواز اتّصاف الذات المقدّسة بنقيض في الصفات الذاتية ، فيستحيل أن لا تكون الذات عالماً ولا قادراً ولا حيّاً ، بخلاف الصفات الفعلية فإنّها تنفكّ عن الذات وتتّصف بنقيضها ، فيصحّ أن يقال : إنّه تعالى لم يكن خالقاً قبل خلقه ، ولم يكن رازقاً قبل رزقه .


 


ولا يخفى أنّ الصفات الفعلية على قسمين ، فإنّها تارة تكون من العناوين الأوّلية لنفس الفعل كالخالقية والرازقية ، واُخرى تكون من العناوين المنتزعة منه كالصدق والعدل .


 


وفي القسم الأوّل يصحّ اتّصاف الذات به وبعدمه ، بخلاف القسم الثاني فإنّ سلبه إنّما هو بسلب منشأ انتزاعه لا بسلب نفسه ، فلا يصدق على الله تعالى أنّه ليس بصادق ، ولكن يصدق أنّه لم يحدث كلاماً كان على تقدير صدوره صدقاً .


 


الثاني : أنّ الملاك في كون الصفة ذاتية عدم صحّة تعلّق القدرة بها إيجاداً وإعداماً ، فلا يعقل أن يعمل القدرة في سلب العلم والقدرة عن نفسه ، بخلاف الصفات الفعلية فيجوز فيها تعلّق القدرة بالفعل والترك ، كالخلق والرزق ، فإنّه تعالى قادر على أن يخلق ويرزق ، كما أنّه قادر على أن لا يخلق ولا يرزق . وكذلك الأوصاف الفعلية المنتزعة عن الفعل ، كالصدق والعدل على ما عرفت .


 


الثالث : صحّة تعلّق الإرادة بوجودها وعدمها ، فالصفة إذا كانت من الصفات الذاتية امتنع تعلّق الإرادة بوجودها أو بعدمها ، بخلاف ما إذا كانت من الصفات الفعلية ، فيجوز فيها تعلّق الإرادة بكلّ من وجودها وعدمها .


 


ولا يخفى أنّ هذا الوجه إن كان مرجعه إلى الوجه الثاني ـ وهو إمكان تعلّق القدرة وعدمه ـ فهو ، وإلاّ فهو ليس بسديد ، لأنّ الإرادة نفسها من الصفات الفعلية على ما نشرحها بعد هذا ، ومع ذلك لا تكون متعلّقة لإرادة اُخرى ، فلا يكون ما 


 


ــ[18]ــ


 


ذكر ضابطة بين القسمين .


 


إذا عرفت الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية فاعلم أنّه قد وقع الخلاف بين المتكلّمين في بعض الأوصاف ـ كالإرادة ـ في أنّها من أي القسمين ، ومن جميع ما ذكرنا تحصّل أنّها أيضاً من الصفات الفعلية ، نعم القدرة على الإرادة قديمة ومن الصفات الذاتية ، وهذا ليس مختصّاً بها ، بل القدرة على جميع الصفات الفعلية من هذا القبيل ، وأمّا نفس الإرادة والخلق والإحياء والإماتة ـ مثلا ـ فهي من الصفات الفعلية .


 


وأمّا الاستدلال على كونها من الصفات الفعلية بتعلّقها بالاُمور الجزئية المتغيّرة الموجبة لتغيّر الصفة ، فلو كانت من الصفات الذاتية لزم التغيّر المستحيل في الذات المقدّسة فمحلّ نظر .


 


والجواب عنه عين الجواب عن إشكال العلم ، فكما أنّ تعلّقه بالاُمور الجزئية المتغيّرة لا يوجب تغيّراً في الذات ، لأنّ المتغيّر من العلم جهة إضافته إلى المعلوم ، لا نفس العلم وحقيقته المساوقة للذات ، وكذلك الإرادة لو كانت من الصفات الذاتية .


 


والعمدة في الفرق هو ما ذكرناه من صحّة تعلّق القدرة بها وعدمها .
 


 


في الردّ على ما استدلّوا به للكلام النفسي


 


السابع : ذهبت الأشاعرة إلى أنّ التكلّم من الصفات الذاتية لله تعالى القائمة بالذات ، وسمّوه بالكلام النفسي(1)، فلابدّ قبل تحقيق ذلك من بيان مرادهم من الكلام النفسي .


 


فنقول : قد حكي عنهم أنّ للكلام ـ غير ألفاظه ومفاهيمه وغير التصديق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح المواقف 8 : 91 ، شرح المقاصد 4 : 143 .


 


ــ[19]ــ


 


بثبوت النسبة في الخارج وعدمه في الأخبار ، وإيجاد النسبة من الطلب والتمنّي والترجّي وغيرها في الإنشاء ـ أمراً يسمّى بالكلام النفسي، قائماً بالنفس وراء العلم والإرادة وغيرهما من الصفات النفسية المعروفة ، وهو مدلول الكلام اللفظي .


 


ولكن لا يخفى ما في هذه الحكاية ، فإنّ ظاهر كلماتهم كما يشهد عليه النظر فيها هو أنّ هناك أمراً قائماً بالنفس يكشف عنه الكلام اللفظي ، وهو فرد من نوع الكلام ، لا أنّه من مداليل الكلام اللفظي كي يستشهد عليه بقول القائل :


 


                                           إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما        جعل اللسان على الفؤاد دليلا


 


فعليه تكون نسبة الكلام اللفظي إلى الكلام النفسي نسبة الكاشف إلى المنكشف ، نظير كشفه عن حياة المتكلّم وعقله وشعوره ، لا نسبة الدالّ إلى المدلول .


 


ثمّ إنّهم استدلّوا على إثبات الكلام النفسي بوجوه أربعة :


 


الأوّل : ما ورد في القرآن الكريم من الآيات الدالّة على ثبوت التكلّم له تعالى ، كقوله عزّوجلّ : (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً)(1) وحيث كان الكلام اللفظي مركّباً من الحروف المتعاقبة المتدرّجة المتصرّمة ، فلو كان هو المقصود في هذه الآيات لزم أن تكون الذات المقدّسة محلا للحوادث ، وهو يخالف القدم والبساطة بخلاف ما لو كان المراد منه الكلام النفسي ، حيث إنّه ليس من مقولة الألفاظ ، فلا يلزم المحذور .


 


الثاني : أنّ لازم صدق المتكلّم عليه تعالى هو أن يكون قيام التكلّم به قيام الصفة بالموصوف ، إذ لو كان من باب قيام الفعل بالفاعل لما صحّ هذا الصدق ، ومن ثمّ لا يصحّ إطلاق النائم والقائم والذائق عليه تعالى مع أنّه خالقها ، وذلك ليس إلاّ من جهة أنّ قيام مثل هذه المبادي بالذات من باب قيام الفعل بالفاعل ، لا الصفة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 164 .


 


ــ[20]ــ


 


بالموصوف .


 


ولا يخفى أنّ عدّ هذا وجهاً مستقلا لا يخلو عن مناقشة ، إذ هو كما تراه أصل موضوعي لتتميم الوجه الأوّل ، لأنّ إثبات اللازم الفاسد في الفرض الأوّل بعد إثبات أنّ قيام التكلّم بالذات قيام الصفة بالموصوف ، والمتكفّل لإثباته هو هذا الوجه .


 


والجواب عنه : هو أنّ المراد من المبدأ في المتكلّم لا يخلو عن أحد أمرين : إمّا نفس الكلام الذي هو الكيف المسموع المتحصّل من تموّج الهواء واصطكاكه ، أو التكلّم .


 


وعلى الأوّل فلا يصحّ اتّصاف أيّ شخص به اتّصاف الموصوف بصفته ، من دون فرق بين الله تعالى وغيره ، ضرورة أنّ المتكيّف بهذا الكيف والمتّصف به هو الهواء ، لا الشخص المتكلّم به .


 


وعلى الثاني فالواجب أو الممكن وإن كان متّصفاً به ، إلاّ أنّ من الظاهر كونه من قبيل الأفعال دون الأوصاف ، فيكون معنى قولنا : الله متكلّم ، أنّه موجد للكلام(1)، وعليه يكون المقصود من الكلام المأخوذ مبدأً هو الكلام اللفظي بلا استلزام المحذور .


 


وبما ذكرناه من كون المبدأ هو التكلّم دون الكلام بطل النقض بعدم صدق النائم أو الذائق عليه تعالى مع أنّ مباديها مخلوقة له تعالى ، على أنّ المبدأ لو فرض كونه الكلام أيضاً لم يكن النقض وارداً ، إذ لا اطّراد في صدق ما كان على زنة فاعل كغيره من الأوزان ، فقد يكون ذلك فيما كان المبدأ من الأوصاف كالأمثلة المزبورة وقد يكون المبدأ من الأفعال كالخالق والرازق والباسط والقابض ، فلا ملازمة بين
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يخفى أنّ المناسب : للتكلّم .


 


 


 


ــ[21]ــ


 


عدم صدق النائم ونحوه عليه تعالى وبين كون الكلام أمراً نفسياً وراء الكلام اللفظي .


 


هذا كلّه مضافاً إلى أنّه لا إشكال في صحّة إطلاق المتكلّم عليه تعالى بلحاظ كلامه اللفظي ، فلو كان صحّة الإطلاق كاشفة عن قيام المبدأ بالذات قيام الصفة بموصوفها لزم كون الكلام اللفظي أيضاً من صفاته تعالى ، فيلزم كونه محلا للحوادث ، فلا مناص من الالتزام بكون الإطلاق من جهة قيام الكلام به قيام الفعل بفاعله .


 


وأمّا الوجه الأوّل فيظهر الجواب عنه بما ذكرناه في الأمر السادس(1) من الفرق البيّن بين الصفات الذاتية والصفات الفعليّة ، وأنّ التكلّم من قبيل القسم الثاني كما عرفته ، نعم لو كان المقصود من التكلّم القدرة عليه فهي من الصفات الذاتية ، كما هو في جميع الصفات الفعلية ، فإنّ القدرة على جميعها ذاتية ، هذا أوّلا .


 


وثانياً : أنّ قدم الكلام كما يستلزم قدم متكلّمه كذلك يستلزم قدم مخاطبه في هذه الموارد ، أي أمثال (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً) إذ المقصود من الكلام فيها هو الكلام القائم بالطرفين ، فعليه يلزم قدم موسى (على نبيّنا وآله وعليه السلام) .


 


الوجه الثالث : ما ورد من الآيات الدالّة على علمه تعالى بما يكون في النفس وحسابه عليه ، كقوله عزّ من قائل : (إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)(2) فما يكون مخفياً في النفس وغير ظاهر هو المراد من الكلام النفسي .


 


ويرد عليه : أنّ المقصود من كلمة (مَا) الموصولة في هذه الآية الشريفة هو نيّة السوء والحسن ، وأنّ معناها على الظاهر : إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص17 .
(2) البقرة 2 : 284 .


 


ــ[22]ــ


 


النيّات الحسنة والقبيحة يحاسبكم به الله ، وهكذا جميع ما ورد بهذا المضمون من الآيات والروايات .


 


وقد أيّدوا هذا الوجه بقول القائل : إنّ في نفسي كلاماً لا اُريد إبرازه .


 


وفيه : أنّ المراد منه في أمثال هذه المقامات أنّ المعاني التي رتّبها في النفس لا يريد إبرازها كما كان يبرزها بالكلام فيما لو كان في مقام الإبراز ، هذا مضافاً إلى أنّا لا ننكر وجود الكلام في النفس وجوداً تصوّرياً قبل وجوده الخارجي ، كغيره من الأفعال الاختيارية على ما سيجي بيانه(1)، وإنّما الكلام في وجود أمر آخر غير العلم ونحوه من الاُمور النفسانية مسمّى بالكلام النفسي ، وليس في شيء من الآيات المزبورة والتأييد إشعار بذلك ، فضلا عن الدلالة .


 


الوجه الرابع : هو أنّ كل متكلّم ولا سيّما لو كان مخاطبه من ذوي المراتب العالية لا يصدر الكلام بالبديهة والصدفة ، بل لابدّ له من التروّي وترتيب الكلمات والجمل وتنظيمها في النفس ثمّ إلقائها إلى المخاطب ، وكثيراً يشاهد هذا في الموارد التي تكون فيها عناية خاصّة بالألفاظ ، كالخطابة والشعر وغيرهما ، فهذا المرتّب والمنظّم في النفس أوّلا هو المقصود من الكلام النفسي .


 


والجواب عنه : أنّ هذا التروّي والترتيب في النفس لا يختصّ بالكلام ، بل كلّ فعل صادر من الفاعل المختار الملتفت يتوقّف صدوره منه على تصوّره والعلم به وترتيبه ، وحينئذ لابدّ للأشعري من الالتزام بأنّ كلّ فعل صادر من الفاعل له فردان : فرد خارجي وهو ما يصدر عنه في الخارج ، وفرد نفسي وهو تصوّر ذلك الفعل الخارجي ، فتنقسم الكتابة والمشي والقيام إلى خارجي ونفسي ، ولا نظن أن يلتزم به الأشعري .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بعد قليل .


 


ــ[23]ــ


 


ثمّ إنّ الدليل الحاصر المتحصّل من السبر والتقسيم على نفي الكلام النفسي من رأسه هو أن يقال : إنّ ما نجده للكلام اللفظي من الاُمور منحصر في سبعة : الأوّل : ألفاظه المفردة من دون ملاحظة معانيها وهيئتها ، الثاني : معاني تلك الألفاظ ، الثالث : الألفاظ مقيّدة بهيئتها التركيبية ، الرابع : المعنى المتحصّل من الكلام بهيئته ، الخامس : تصوّر تلك الاُمور جميعاً ، السادس : التصديق بثبوت النسبة ، ثبوتية كانت أو سلبية ، السابع : مطابقة النسبة للواقع وعدمها .


 


والأخيران منها يختصّان بالجملة الخبرية .


 


وأمّا في الجمل الإنشائية فالاُمور الخمسة المتقدّمة مع أمر سادس ، وهو الصفة القائمة بالنفس من الاعتبارات الإنشائية ، كالطلب ونحوه .
وليس للكلام أمر وراء هذه الاُمور المذكورة كي نسمّيه بالكلام النفسي المنكشف بالكلام اللفظي .


 


أمّا الثلاثة الاُول فليست هي بالكلام النفسي ، إذ ليس اللفظ ولا معناه ولا هيئته التركيبية كلاماً نفسياً حتّى عند الأشعري .


 


وأمّا الرابع ـ وهو معنى الهيئة التركيبية ـ فلما عرفته من أنّ الكلام النفسي ليس من مدلول الكلام اللفظي ، بل هو منكشف به .


 


وأمّا الخامس فلأنّ الكلام النفسي عندهم ليس من قبيل التصوّر والعلم ، ولا غيرهما من الصفات المعروفة .


 


وأمّا السادس ـ وهو التصديق بثبوت النسبة ـ فلوضوح أنّ المتكلّم ربما يعلم بكذب كلامه وأنّ النسبة ليست بثابتة في الخارج ، مضافاً إلى تصريحهم بأنّه ليس من قبيل التصديق أيضاً .


 


وأمّا السابع ـ وهو مطابقة النسبة في الخارج وعدمها ـ فليس من الكلام النفسي بالبداهة .


 


ــ[24]ــ


 


فتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّه وإن لم يقم البرهان العقلي على استحالة الكلام النفسي ، إلاّ أنّ الوجدان أقوى شاهد على عدمه ، وما ذكروه من الوجوه لإثباته قد عرفت أنّه لا يصلح شيء منها لذلك .
 


 


في أنّ الوجدان من أقوى الأدلّة الضرورية


 


الثامن : لابدّ في كلّ مطلوب من أن ينتهي إلى إحدى الضروريات الست فإنّها التي يكتسب بها جميع المطالب النظرية ، وهي كما ذكرها الفلاسفة في محلّها(1) منحصرة في الست :


 


الاُولى : الأوّليات ، وهي التي لا تحتاج في تصديقها إلى أزيد من التفات النفس إليها بعد تصوّر طرفيها ، كالتصديق بأنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان وبأنّ الكلّ أعظم من الجزء .


 


الثانية : الحسّيات ، كالشمس مضيئة ، والنار حارّة ، وأمثالهما ممّا لا يحتاج في التصديق به إلاّ إلى التفات الحاسّة إليه .


 


الثالثة : الوجدانيّات ، وهي التي تحضر في النفس بإحدى قواها الباطنية كإدراك أنّ لنا شهوة وغضباً ، وكعلمنا بذواتنا .


 


والفرق بين الثانية والثالثة أنّ الإدراك في الثانية لا يكون إلاّ بالحواس الظاهرية ، وفي الثالثة بالحواس الباطنية ، وأنّ المدرك في الثانية لا يكون إلاّ من الاُمور الجزئية ، وأمّا في الثالثة فهو قد يكون اُموراً كلّية ، وذلك فيما كانت آلة الحضور عند النفس هي القوّة العقلانية .


 


الرابعة : الفطريات ، وهي التي يكون الحكم بها مستغنياً عن التفات الحاسّة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإشارات والتنبيهات 1 : 213 / النهج السادس ، شرح المنظومة (المنطق) 1 : 323 .


 


ــ[25]ــ


 


إليها ، وقد يعبّر عنها بالتي قياساتها معها ، كانقسام الزوج إلى عددين متساويين .


 


الخامسة : التجربيّات ، وهي التي تتحصّل من تكرّر المشاهدة ، أو مقارنتها لقياس استثنائي خفي في بدو النظر ، مثل قولنا : لو كانت هذه القضية اتّفاقية لما تكرّرت دائماً ، إلاّ أنّها متكرّرة دائماً فليست باتّفاقية .


 


والفرق بين التجربيّات والاستقراء الناقص أنّ التجربيّات ممّا تفيد العلم والاستقراء الناقص لا يفيد إلاّ ظنّاً ، وأمّا الاستقراء التامّ فالظاهر أنّه يلحق بالتجربيّات .


 


السادسة : المتواترات ، وهي ظاهرة لا تحتاج إلى بيان .


 


وهذا البحث له تفصيلات أعرضنا عن ذكرها لعدم ارتباطها بالمقام ، وإنّما المقصود من ذكر هذه الاُمور الست التنبيه على أنّها هي التي ينقطع السؤال عند انتهاء المطلوب إليها ، وقد أوجبت الغفلة عن تعيين محالّها وتميّزها أن يكون الاستنتاج بها عقيماً ، فربما يدّعي أحد المتخاصمين الوجدان على إثبات مطلوبه وفي الموضوع نفسه يدّعي الآخر الوجدان على نفيه ، وليس هذا إلاّ ناشئاً عن عدم الوصول إلى معنى الوجدان .


 


فإن قلت : على هذا تخرج القضية الوجدانية عن الضرورية ، وإلاّ فكيف يستدلّ بها الخصمان في موضوع واحد وتكون مدركاً لمطلوبين متناقضين ، وقد وقعت في الحكمة الطبيعية والإلهية مسائل قد ادّعى كلّ واحد من الطرفين البداهة والوجدان على خلاف صاحبه ، وهذا ممّا يوجب الوهن في التمسّك بالوجدان .


 


قلت : نعم ، ولكن أمثال هذه الموارد التي تعارضوا في ادّعاء الوجدان فيها إنّما كان للمغالبة في المسألة ، أو من جهة خلط مقدّمة ضرورية إلى مقدّمة نظرية كحديث إثبات الهيولى ، حيث كان استدلال كلّ من الطرفين مركّباً من مقدّمتين : نظرية وبديهية ، وهناك موارد اُخرى أوجبت دعوى الوجدان فيها القصور في 


 


ــ[26]ــ


 


الالتفات إليها ولو من ناحية ما ، فلربما لا تلتفت النفس تمام الالتفات إلى أمر وهي تتخيّل حضوره فيها بجميع ما له من الشؤون ، فيدّعى الوجدان مع أنّ الالتفات لو كان تامّاً لكان الوجدان على خلافه ، وما ذلك إلاّ لاختلاف ما هو شرط في دعوى الوجدان .


 


ونظير هذا في المطالب المفتقرة إلى الاستدلال ما عن بعض المعاصرين من الفلاسفة ، حيث يقول : إنّ كثيراً ما تكون جميع المقدّمات المرتّبة لتحصيل مطلوب صحيحة تامّة ، ولكن الغفلة عن اشتراط شرط في المقدّمة أو اشتراط عدمه يوجب كون الاستنتاج عقيماً ، وهذا منبّه جيّد .


 


فما يدور في ألسنة البعض من أنّ الوجدان ليس حاكماً لأنّ الخصم أيضاً يدّعيه ، فهو من القصور وعدم التنبّه لما ذكرناه من أنّ قصوراً ما في شؤون الحكم الوجداني من اكتساب طرفي القضية وغيره يوجب منافرة الحكم عن النفس .


 


التاسع : لا يعقل وقوع التعارض بين دليلين موجبين للقطع ، ضرورة رجوعه إلى اجتماع النقيضين ، من دون فرق بين كون الدليلين عقليين أو نقليين أو مختلفين ، فإنّ القطع بشيء يستلزم إلغاء احتمال خلافه ، فضلا عن القطع به .


 


ومن ذلك يتبيّن أنّه لا يجتمع القطع الحاصل من دليل مع الظنّ الحاصل من دليل آخر على خلافه ، كما أفاده شيخنا العلاّمة أعلى الله مقامه في الرسائل بقوله : فليت شعري إذا فرض حكم العقل على وجه القطع بشيء كيف يجوز حصول القطع أو الظنّ من الدليل النقلي على خلافه(1).


 


ثمّ إنّ مباحث التعارض وإن كانت في نفسها كثيرةً مذكورة في الاُصول ، إلاّ أنّ الذي يرتبط بمسألتنا منها هو أمران ، الأوّل : معنى التعارض ، الثاني : تعيين
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فرائد الاُصول 1 : 63 / الأمر الثاني . 


 


ــ[27]ــ


 


المرجع بعد تحقّق التعارض بين الدليلين .


 


أمّا الأمر الأوّل فنقول : التعارض على ما عرّفه جمع من المحقّقين ومنهم شيخنا العلاّمة الأنصاري (قدّس سرّه) هو تنافي الدليلين وتمانعهما مع اتّحاد الموضوع(1) فما لم يتحقّقا في دليلين لا يكونان من المتعارضين ، فعليه ليس بين الدليل المجمل والدليل المبيّن والعام والخاص والحاكم والمحكوم تعارض أصلا ، فإنّ الدليل المبيّن يكشف عن مراد المتكلّم من الإجمال ، وكذلك الخاص والحاكم يعيّنان المراد الواقعي من العام والمحكوم .


 


وأمّا أنّ تقدّم الخاص والحاكم على العام والمحكوم من جهة كون الأوّلين نصّين في مدلولهما أو من جهة كونهما من باب القرينة وذي القرينة فهو بحث خارج عمّا نحن بصدده .


 


فالمدار في تحقّق التعارض عدم إمكان الجمع بينهما ودفع التمانع عنهما بالطرق التي يبني عليها العقلاء في محاوراتهم ، فما دام يمكن الجمع بينهما ورفع التمانع عنهما لا يكون التعارض محقّقاً .


 


ولا يخفى أيضاً أنّ التعارض إنّما يكون دائماً في الأدلّة النقلية ، وأمّا الأدلّة العقلية فلا نفهم للتعارض فيها معنى محصّلا ، فإنّ فرض الدليل عقلياً آب عن كونه مشكوكاً ، بل لا يبقى احتمال الخلاف حتّى يعارضه دليل آخر ، إلاّ أن يكون مغالطة في صورة البرهان ، وهو ليس بدليل حتّى يكون تخصيصاً فيما ادّعيناه ، كما ذكرناه في مسألة دليلية الوجدان ، وقد ذكرنا وجه التهافت في بعض الأدلّة العقلية في بعض المسائل الحكمية ، وأنّه ناشئ عن قصور في شرط من شرائط المقدّمات أو ترتيبها .


 


وأمّا الأمر الثاني : فبعد فرض التعارض وعدم إمكان الجمع بينهما بأحد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فرائد الاُصول 2 : 750 .


 


ــ[28]ــ


 


الوجوه المذكورة لابدّ من ملاحظة الترجيح بينهما ، والأخذ بما يقتضيه ، وهو كما ذكروه في محلّه(1) يكون باُمور ، منها الترجيح بجهة الصدور ، وهو الذي يكون الترجيح بها في مسألتنا على الأكثر ، وستعرف إن شاء الله(2) شهرة القول عند العامّة في زمان الأئمّة (عليهم السلام) بعدم اختيار العباد في أفعالهم ، بل لا يخفى أنّ أكثر الروايات الواردة في باب المعارف من أهل بيت العصمة (عليهم السلام) المخالفة للدليل العقلي إنّما صدرت تقيّة وخوفاً من الظالمين .


 


فهذه هي الاُمور التي رأينا من اللازم تقديمها على المقصود ، لترتّب فوائد عظيمة عليها .
 


 


في بيان المذاهب في أفعال العباد


 


ونشرع بعد ذلك فيما اشتهر في أفعال العباد من الأقوال ، وهي أربعة :


 


الأوّل : ما ذهب إليه الأشاعرة(3) من أنّ كلّ ما يصدر عن العبد فهو اضطراري له ، بمعنى أنّه ليس له اختيار أن يفعل وأن لا يفعل ، فالفعل والترك لا يستند شيء منهما إلى اختياره ، وإنّما هو مقهور في كلّ ما يصدر عنه ، زعماً منهم أنّ في القول بذلك التزاماً بالتوحيد وفراراً من الشرك ، وقد غفلوا عمّا يترتّب عليه من التوالي الفاسدة .


 


وربما يعبّر عن الأشاعرة بالقدرية ، باعتبار إسنادهم جميع ما يصدر عن العبد إلى القضاء والقدر .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الاُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 495 وما بعدها .
(2) في ص101 ـ 102 .
(3) راجع شرح المواقف 8 : 145 ـ 146 / المقصد الأوّل من المرصد السادس .


 


ــ[29]ــ


 


الثاني : مذهب المفوّضة(1)، وهو يقابل المذهب الأوّل مقابلة تامّة ، حيث يرى الذاهبون إليه عدم استناد الأعمال والأفعال إلى الله تبارك وتعالى بوجه من الوجوه ، وأنّ العبد هو الفاعل التامّ المستقلّ في جميع شؤونه ، وليس لله عزّ سلطانه أيّ مدخلية في وجود الفعل غير إحداث القدرة ، نعم له تعالى أن يمنع عن نفوذ إرادة العبد .


 


وربما يسمّون هذه الطائفة أيضاً بالقدرية ، لأنّهم يسندون الأفعال إلى قدرة العبد لا غير .


 


وهذه الطائفة أرادوا أن يتحفّظوا على عدل الله جلّ شأنه فسلبوا عنه سلطانه ، كما أنّ الطائفة الاُولى أرادوا التحفّظ على سلطانه فسلبوا عنه عدله ، فهم بين إفراط وتفريط .


 


الثالث : ما يظهر من كلمات الفلاسفة ، أعني بهم من كان قبل القرون الوسطى ، ومن يميل إلى مبانيهم من فلاسفة المسلمين ، كالفارابي وابن سينا وابن رشد والشيخ المقتول وغيرهم ، وخلاصة ما يظهر منهم أنّ صدور الأفعال وإن كان مستنداً إلى العباد وأنّهم الفاعلون لها ، إلاّ أنّ فاعليّتهم بالواسطة ، أي أنّ إرادتهم من علل الأفعال الطولية الواقعة في النظام الجملي ، وأنّ كلّها مستند إلى الإرادة الأزلية .


 


وبين هذا القول وقول الأشاعرة فرق واضح ، لأنّ إسنادهم الأفعال إلى الله عزّوجلّ إسناد بغير توسيط إرادة العبد واختياره ، فلا قدرة له على الفعل والترك أبداً ، وأمّا الفلاسفة فالفعل عندهم صادر بقدرة العبد وإرادته واختياره وإن كان جميع ذلك منتهياً إلى إرادة الله الأزلية ، ونتيجة ذلك أنّ العبد مختار في فعله ومضطرّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع شرح المواقف 8 : 146 / المقصد الأوّل من المرصد السادس .


 


ــ[30]ــ


 


في اختياره وإرادته ، كما يشير إليه بقوله في البيت : وباختياره اختيار ما بدا .


 


وهذا القول وإن كان دون القول الأوّل في وضوح فساده ، إلاّ أنّه يشترك معه في أصل الفساد ، وفي ترتّب التوالي الفاسدة عليه .


 


وهناك عقائد مختلفة ببيانات متشتّتة للفلاسفة المتأخّرين ، فمنهم من يريد إثبات الاختيار بمقدّمات تنتهي إلى الجبر ، ومنهم بالعكس ، وبعضهم يرى منشأ صدور الأفعال هو الأوصاف النفسية التي ليست تحت اختيار الإنسان بوجه من الوجوه ، إمّا من جهة كونها مخلوقة لله تعالى بجميع شؤونها ، أو من جهة انتقالها عن الآباء والاُمّهات بقاعدة الوراثة .


 


ومن المباني المهمّة عندهم المذهبان المعروفان : قانون العلّة العامّة وقانون الغاية ، فالجبر مقتضى المذهب الأوّل والاختيار مقتضى المذهب الثاني ، ونحن نتكلّم فيهما أيضاً بقدر الحاجة والكفاية إن شاء الله تعالى .


 


الرابع : مذهب الإمامية العادلة ، وهو المذهب الحقّ الصحيح ، وذهابهم إليهم إنّما هو من نتائج تمسّكهم بأهل بيت العصمة ، الراسخين في العلم ، المطّلعين على الحقائق برمّتها .


 


وخلاصة مذهبهم في الأفعال : أنّ القدرة على الفعل والسبيل إليه إنّما هو من الله عزّوجلّ ، وأمّا إعمال القدرة والسلطنة فمن العبد ، فالعبد هو فاعل الفعل وموجده حقيقة ، فعليه تكون لكلّ ما يصدر من العبد جهتان وإضافتان : إضافة إلى الله تعالى لأنّه معطي القدرة ، وإضافة إلى العبد لأنّه أعملها وأخرجها إلى الفعل .


 


وهذا هو معنى ما تواتر عنهم (سلام الله عليهم) في باب الأفعال ، المعبّر عنه في ألسنتهم (سلام الله عليهم)(1) بالأمر بين الأمرين ، والمنزلة بين المنزلتين ، ولطف من ربّك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الكافي 1 : 160 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح13 ، البحار 5 : 22 / 30 ، 91 ، المصدر المتقدّم من الكافي ح8 .


 


ــ[31]ــ


 


بين ذلك . فإذا عرفت هذا المذهب بحقيقته فقد تحفّظت على التوحيد ، ولا تلزمك التوالي الفاسدة .


 


وإن شئت التعبير عن خلاصة مذهبهم بعبارة لطيفة فقل : بحول الله وقوّته أقوم وأقعد .


 


ولتوضيح كلّ من الأقوال لابدّ من التمثيل باُمور قريبة من الذهن ، فنبدأ أوّلا بمثال الأمر بين الأمرين ، وهو مثالان :


 


الأوّل : نفرض إنساناً مبتلى بمرض الفالج ، بحيث ليس في استطاعته أن يتحرّك ولو تحرّكاً ما ، ونفرض أنّ طبيباً قد ربط به سلكاً كهربائياً فحرّكته القوّة بسبب إيصال الطبيب السلك إليه ، بحيث لو قطع الطبيب السلك عنه فهو على حالته الأوّلية من الفلج والسكتة ، فلمّا قدر على الحركة قام فمشى فقتل شخصاً ، فهذا القتل الصادر منه له جهتان من الإضافة :


 


الاُولى : إضافته إلى الطبيب الموصل للقوّة الموجبة لتحرّكه ، بحيث كانت إفاضة القوّة في حين الفعل مستمرّة من الطبيب حقيقة .


 


والثانية : إضافته إلى نفس الفاعل الذي قد صدر الفعل عن اختياره في أن يفعل وأن لا يفعل ، بمعنى تمكّنه من إعمال القدرة في تركه أو فعل غيره من الأفعال . وهذا أوضح مثال سمعناه من سيّدنا الاُستاذ (مدّ ظلّه) في مجلس درسه .


 


المثال الثاني : أن نفرض كأسين في مكان عال مملوء أحدهما من السمّ القاتل ، وثانيهما من العسل أو أحد الشرابت الطيّبة ، فرفع أب ابنه معرّفاً للابن ما في الكأسين ومكانهما ، فأخذ الابن السمّ القاتل وشربه ، ففي هذه الحالة للشرب إضافتان :


 


الاُولى : إضافته إلى الأب ، حيث إنّه رفعه وكان له إلقاء الابن في تلك الحالة .


 


الثانية : إضافته إلى الابن ، حيث إنّه كان متمكّناً من ترك الشرب من الكأس


 


ــ[32]ــ


 


 المملوء بالسمّ ، واختيار الكأس المملوء بالعسل .


 


وأمّا المثال على قول المجبّرة فبما إذا فرضنا إنساناً مبتلىً بارتعاش اليدين ، بحيث ليس في استطاعته إسكانهما بالمرّة ، وفرضنا أيضاً أنّا قد شددنا بيده آلة قتل ، وأقعدنا تحت يديه إنساناً بحيث تصل إليه الآلة عند ارتعاش اليدين فقتله بضرب الآلة ، المعلول من ارتعاش اليد الاضطراري ، فإنّه ليس لهذا القتل جهة استناد إلى العبد بوجه من الوجوه ، إذ المفروض أنّه صادر عن ضرب الآلة المشدودة بيده ، المعلول من ارتعاش اليد ووقوع الإنسان تحت يديه ، وكل ذلك اضطراري له ، فالعبد ليس إلاّ آلة محضة .


 


وأمّا المثال على قول الفلاسفة فبأمرين :


 


الأوّل : أن تفرض زجاجتان مقعّرتان ، إحداهما مواجهة للشمس بحيث يصل الضوء من الشمس إليها ، وثانيتهما موضوعة مقابل الاُولى بحيث يقع الضوء فيها بمجرّد الانكسار من الاُولى ، فالنور الواقع في الثانية مثل الفعل الصادر عن العبد ، فكما أنّ الزجاجة الثانية تتّصف بنفسها بالنور ، كذلك العبد هو المتّصف بالفاعلية حقيقة ، إلاّ أنّ هذه الفاعلية مسبّبة عن الإرادة المسبّبة عن الإرادة الأزلية ، كمسبّبية نور الزجاجة الثانية عن نور الاُولى ، المسبّب عن ضوء الشمس .


 


الثاني : عروض الارتعاش للبدن المسبّب عن الخوف ، المعلول من رؤية السبع ، فمَثَل الفعل عندهم مثل الارتعاش المسبّب عن الخوف ، ومَثَل الإرادة المعلولة للإرادة الأزلية مثل الخوف المسبّب عن رؤية الأسد .


 


وأمّا المثال على قول المفوّضة فباُمور ثلاثة :


 


الأوّل : لو أعطى الملك سلاحاً لجنده ليقاتل به عدوّه ، فقتل الجند ابن الملك فهذا القتل فعل الجند من دون احتياجه فيه إلى الملك ، لا في بقاء القدرة حين إعمال السلاح ولا في إعمال القدرة واختياره ، فإنّ قاطعية السلاح وكذلك قدرة الجند


 


ــ[33]ــ


 


في إعماله لم تكن مفتقرة إلى إفاضة من الملك ، فليس له ارتباط بالفعل إلاّ من ناحية إعطائه السلاح إيّاه .


 


الثاني : الأفعال الصادرة من الوالي المنصوب من قبل السلطان المفوّض إليه اُمور البلد ، فالأفعال الواقعة من الوالي كلّها منتهية إليه وغير مستندة إلى السلطان إلاّ من جهة نصبه والياً .


 


الثالث : لو أرسلنا أسداً ضارياً من القيد فحمل على إنسان فقتله ، فإنّ القتل حينئذ يصدر من الأسد مستقلا ، ولا يستند إلى المرسِل إلاّ من جهة فكّه عن القيد .


 


فإذا عرفت الأمثلة لجميع الأقوال تعرف الفرق بينها ، وأنّه في غاية الوضوح ، إلاّ الفرق بين التفويض وبين ما اختاره الإمامية من الأمر بين الأمرين ولذلك نوضّح الفرق بينهما أيضاً ببيان واضح ، وهو يبتني على ذكر مقدّمة وهي أنّه قد وقع الخلاف في محلّه(1) أنّ الموجود هل يحتاج بعد علّته المحدثة إلى العلّة المبقية أم لا .


 


ذهبت المفوّضة إلى الثاني ، وأنّ ما يحتاج إليه الموجود منحصر في العلّة المحدثة ، بمعنى أنّ سدّ جميع أبواب العدم وما يكون مانعاً عن دخول الممكن في دار الوجود لا يفتقر إلى أزيد من مرجّح ابتدائي ليخرجه من العدم إلى الوجود ، وأمّا بعد وجوده فلا يحتاج بقاؤه إلى العلّة والمؤثّر .


 


وأمّا الإمامية وكثير من الفلاسفة فبرهنوا على أنّ الممكن كما يفتقر في حدوثه إلى العلّة ، لأنّه غير مقتض للوجود ولا للعدم في حدّ ذاته ، فكذلك يحتاج في بقائه واستمرار وجوده إلى العلّة المبقية ، فمع قطع النظر عن إفاضة الوجود من الفيّاض المطلق يكون حاله في البقاء كحاله في الحدوث ، من جهة عدم الاقتضاء له في نفسه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأسفار الأربعة 1 : 219 ، بداية الحكمة : 53 ، نهاية الحكمة : 83 ، كشف المراد : 81 .


 


ــ[34]ــ


 


ولا سيّما بناءً على الحركة الجوهرية التي صارت في يومنا من البديهيّات . وتفصيل الكلام في محلّه وقد تعرّضنا لها نحن أيضاً في «التعليم»(1).


 


فإذا عرفت المقدّمة يتّضح الفرق الواضح بين الرأيين ، حيث إنّ بقاء القدرة والتمكّن من الفعل والترك يحتاج إلى الله المفيض ، بحيث لو انقطعت الإفاضة من الفيّاض لم يكن في العبد مقتض للفعل أصلا ، كما كان مفتقراً إليه في حدوثه ، هذا .


 


وأمّا بناءً على رأي المفوّضة فالممكن لا يحتاج في استمرار وجوده ـ المعبّر عنه ببقائه ـ إلى العلّة ، بل تكفي العلّة الاُولى المحدثة ، نعم له قطع الاستمرار والبقاء . وعليه يكون الفعل حال صدوره أجنبياً عن الله تعالى بالكلّية ، فإنّه من جهة إفاضة القدرة عليه وغيرها من المبادي غير الاختيارية مستغن عن المؤثّر بقاءً على الفرض ، ومن جهة إعمال القدرة فيه مستند إلى العبد فقط ، فهو الفاعل بالاستقلال والمتصرّف في سلطان الله تعالى بغير قضائه وإرادته على هذا الرأي الفاسد ، أعاذنا الله منه ومن أمثاله .


 


ثمّ إنّه بعد ما ظهر لك الفرق بين الأقوال بذكر الأمثلة لها لابدّ لنا من الشروع في ذكر أدلّة كلّ من الأقوال الأربعة ، مع بيان ما هو الحقّ منها ، ونقدّم البحث عن مذهب الجبرية ونذكر أدلّتهم العقلية والنقلية(2) مع الجواب عنها .


 


أمّا الأدلّة العقلية فهي اُمور :


 


الأوّل : هو أنّه لا شكّ ولا ريب في أنّ المؤثّر الوحيد في الوجود بجميع شؤونه وأحواله هو الله الواحد ، إذ هو مقتضى سلطنته المطلقة وفاعليته التامّة ، وعبّروا عن هذا المعنى بعبارة معروفة في الكتب الكلامية والفلسفية : «لا مؤثّر في الوجود إلاّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم نعثر عليه ، نعم ذكر المقرّر ذلك في كتاب جبر واختيار : 267 ، 15 (باللغة الفارسية) .
(2) وسيأتي البحث عنها في ص82 .


 


ــ[35]ــ


 


الله» فليس غيره مؤثّراً ومتصرّفاً في الكون والفساد ، وكيف يكون العبد مؤثّراً مع أنّه محتاج في جميع شؤونه وأطواره إلى الله تعالى ، بل قد تحقّق في محلّه(1) أنّ الممكن في ذاته نفس الافتقار ، لا أنّه ذات ثبت لها الافتقار ، هذا .


 


مع أنّه لو كان غيره تعالى مؤثّراً في الوجود وخالقاً لشيء لزم الشرك وتعدّد الخالق . هذا ملخّص ما بيّنوه من الأمر الأوّل .


 


ونقول في الجواب : إنّ إطلاق المؤثّر والخالق على من يكون الفعل ناشئاً عنه ليس على معنى واحد ، وقد بيّن في محلّه(2) أنّ هذا الإطلاق يقع على أنحاء كثيرة ولابدّ لنا من بيان أقسام ثلاثة منها توطئة للجواب :


 


الأوّل : المؤثّر الحقيقي القائم بنفسه ، المستغني في فعله عمّا سواه ، وهو منحصر في الله الواحد إذ هو القائم بنفسه ، المستغني في فعله حتّى عن الرويّة والآلة .


 


الثاني : ما يصدر منه الفعل ويتّصف بالمؤثّرية ، ولكن ليس له أيّ قدرة واختيار في فعله وتركه ، وشأنه شأن الآلة التابعة للإرادة الفاعلة ، كالأدوات الصناعية .


 


وهذا القسم وإن كان اتّصافه بالفعل صحيحاً كاتّصاف السيف بالقاطعية ، إلاّ أنّ استناد التأثير إليه تابع لصدور الفعل عن الفاعل ، ولضعف الاستناد إليه يوشك أن يصحّ سلبه عنه .


 


الثالث : ما يكون وسطاً بين القسمين ، وذلك بأن كان اتّصافه بالفاعلية اتّصافاً بالحقيقة بلا عناية ، إلاّ أنّ كونه قادراً على الفاعلية تابع لإرادة الغير وإفاضته ، وهذا كالإنسان المختار ، فإنّ القدرة على اختياره ـ كجميع أطوار
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الأسفار 3 : 253 ، نهاية الحكمة : 301 .
(2) راجع نهاية الحكمة 172 ـ 177 .


 


ــ[36]ــ


 


وجوده ـ وإن كان منه تعالى مع دوام الإفاضة وتجدّدها في جميع الآنات الممتدّة ، إلاّ أنّ اتّصافه بالفاعلية بإعمال قدرته مستند إلى نفسه .


 


إذا تحقّقت ذلك ظهر لك أنّه لا ملازمة بين الالتزام بصدور الأفعال من العباد على النحو الثالث وبين القول بالشرك وتعدّد الخالق ، نعم القول باستقلال العبد في فعله كما عليه المفوّضة مرتبة من القول بالشرك ، كما اُشير إليه في روايات أهل البيت (عليهم السلام) وسيأتي التعرّض لذلك فيما بعد إن شاء الله(1).


 


الثاني : هو أنّه تعالى عالم بجميع الموجودات ومنها أفعال العباد ، وذلك يوجب وقوعها منهم في الخارج ، وإلاّ انقلب علمه جهلا ، تعالى الله عن ذلك .


 


وتوضيحه : أنّ العلم لمّا كان متعلّقاً بالفعل الذي يوجده زيد ـ مثلا ـ لزم وجوده في الخارج ليطابق علمه معلومه ، فلو فرضنا قدرة زيد على الفعل والترك وأنّه لم يفعل باختياره كان العلم المزبور جهلا ، والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدّم مثله .


 


ثمّ إنّ بناء هذه الشبهة يمكن أن يكون على أحد أمرين :


 


الأوّل : ما فهمه خاتم المحقّقين نصير الدين الطوسي وغيره من المحقّقين(2)(قدّس الله أسرارهم) من أنّ أساس الشبهة على دعوى أنّ العلم الأزلي علّة لصدور الفعل من العبد .


 


والجواب عنه حينئذ ظاهر ، فإنّ العلم بالأمر المتأخّر وانكشافه لدى العالم به ليس علّة لوجوده ، سواء في ذلك علمه تعالى وعلم غيره .


 


الثاني : ما يظهر من بعضهم من أنّ أساس الشبهة على دعوى استلزام العلم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص101 و96 .
(2) راجع نقد المحصل : 328 ، الأسفار 6 : 384 ، كشف المراد : 332 ، 246 ـ 247 .


 


ــ[37]ــ


 


الأزلي وقوع الفعل في الخارج ، وإن لم يكن بينهما علّية ومعلولية .


 


والجواب عنه : أنّ العلم الأزلي إذا كان متعلّقاً بصدور الفعل من الفاعل باختياره وإرادته فهو لا يستلزم وقوعه على أي نحو وقع في الخارج، بل يستلزم وقوعه عن إرادة واختيار ، والسرّ فيه : أنّ العلم هو انكشاف الواقع على ما هو عليه ، فإذا كان الواقع في نفسه اختيارياً لم يوجب انكشافه لدى العالم به انقلابه إلى كونه اضطرارياً ، بل لو فرض الانقلاب لزم انقلاب العلم جهلا ، إذ المفروض تعلّق العلم به بما هو اختياري ، فكيف يمكن أن يصدر بغير اختيار من الفاعل وإرادته .


 


وهذا الذي ذكرناه هو المراد بقول من قال : إنّ العلم تابع للمعلوم(1)، دون العكس .


 


وإن شئت توضيح ذلك فلاحظ المرآة إذا كان في قبالها جسم وقعت صورته فيها ، فهل الواقع فيها يغاير الصورة الخارجية ، أو أنّ الصورة الخارجية على ما هي عليها تنعكس في المرآة ؟ لا سبيل إلى الأوّل بالضرورة ، بل الموجود في الخارج تنعكس صورته فيها على ما هو عليه ، والانكشاف لا يغيّر الواقع ولا يبدّله .


 


ولا يخفى أنّا لم نرد بهذا التمثيل إلاّ تقريب الذهن ، وبيان أنّ انكشاف شيء لا يغيّر واقعه ، لا التمثيل التامّ كي يقال بأنّ علم الله تعالى بالأفعال حاصل قبل تحقّقها فكيف يقاس ذلك بالمرآة المنكشف فيها صورة الموجود الخارجي بعد وجوده .


 


ويمكن الجواب عن الشبهة على كلا الأساسين بما عن المحقّق الطوسي(2) بالنقض بعلمه تعالى بأفعال نفسه ، بتقريب : أنّ العلم بصدور فعل لو كان علّة لصدوره بغير اختيار أو كان ملازماً له لزم أن يكون الواجب تعالى أيضاً مضطراً في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع نقد المحصّل : 328 ، كشف المراد : 332 .
(2) نقد المحصّل : 328 ، 340 .


 


ــ[38]ــ


 


أفعاله ، لأنّها معلومة له قبل وقوعها ، مع أنّ الأشعري لا يلتزم بذلك ، فما هو الجواب في أفعاله سبحانه هو الجواب في أفعال العباد أيضاً.


 


وبما ذكرناه من الحلّ والنقض يظهر الجواب عمّا ذكره بعضهم في ذيل الشبهة المزبورة بأنّه تعالى قد أخبر في بعض الموارد عمّا يؤول إليه حال العبد ، كقوله تعالى : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ)(1) الخ ، ولابدّ من أن يكون المخبر عنه واقعاً في الخارج وإلاّ لزم الكذب عليه تعالى ، ومن الظاهر أنّ ما لابدّ من وقوعه في الخارج لا يكون اختيارياً ، وجه الظهور : أنّ الإخبار عن شيء كالعلم به لم يتعلّق بمطلق وجوده ، بل بوجوده الاختياري ، فلا يوجب انقلابه عمّا هو عليه ، وإلاّ لزم الكذب ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً .


 


هذا مع أنّ الإخبار قد يتعلّق بفعل الله سبحانه نفسه من العقاب والثواب أو غير ذلك ، فلو كان مستلزماً لصدور الفعل اضطراراً لزم الالتزام بذلك في فعل الله أيضاً ، والأشعري لا يلتزم به ، وسيجيء التعرّض لذلك مفصّلا عند البحث عن الآيات إن شاء الله تعالى(2).


 


الثالث : وهو عمدة ما استدلّوا به لإثبات مطلوبهم ، وتقريره كما يظهر من كلماتهم أخذاً من الفلاسفة(3) أن يقال : إنّ الفعل الصادر عن العبد إمّا أن يكون على نحو الاضطرار والوجوب فهو المطلوب ، أو يكون مسبوقاً بالاختيار والإرادة ، بحيث تكون نسبة الفعل والترك إلى الفاعل على السواء ، فيختار أحد الطرفين ، وعليه فإمّا أن يكون هذا الاختيار بلا مرجّح فهو ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجّح
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المسد 111 : 1 ـ 3 .
(2) لاحظ ص82 وما بعدها .
(3) راجع نقد المحصّل : 325 ، كشف المراد 308 ـ 309 .


 


ــ[39]ــ


 


وهو محال ، أو يكون الصدور بمرجّح فننقل الكلام إليه فنقول : هل كان صدور هذا المرجّح الذي هو من الممكنات بلا مرجّح فعاد المحذور، وإن كان بمرجّح آخر فننقل الكلام إليه ، وكذلك يتكرّر السؤال ، فإمّا أن يتسلسل فيلزم اجتماع العلل غير المتناهية الطولية على معلول واحد، وإمّا أن ينتهي إلى الضرورة والوجوب ، وهو المطلوب .


 


وبالجملة : الفعل الخارجي بما أنّه من الممكنات لابدّ في وجوده من علّة موجبة سابقة عليه ، وإلاّ فهو على إمكانه ، ومعه يستحيل وجوده ، لأنّه يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجّح ، وهو ممتنع .


 


والتحقيق في جواب ذلك يظهر بعد الالتفات إلى مقدّمتين :


 


إحداهما : هي التي أسلفناها(1) في شرح القاعدة (الشيء ما لم يجب لم يوجد) حيث قد بيّنا فيها أنّ سبق الوجوب على الوجود إنّما هو في العلل والمعاليل التكوينية ، وأمّا الأفعال الصادرة عن العباد المسبوقة بالإرادة والاختيار فلا تحتاج إلى سبق الوجوب عليه ، وإنّما تفتقر فيه إلى مرجّح ، وهذا الاحتياج ليس من باب استحالة صدور الفعل بدونه ، بل لإخراج الفعل عن السفهية والعبثية إلى العقلائية كما سيأتي(2).


 


ثانيهما : أنّ البحث في مسألتنا هذه ـ وهي تحليل كيفية صدور الأفعال من العباد ـ بحث معنوي ، لا يتغيّر بتغيّر الألفاظ وإلقائه في الاصطلاحات الفنّية المندمجة ، بل لو فرضنا أنّه لم يوضع لفظ العلّة والمعلول والإرادة والوجوب في لغة العرب أصلا كان لنا أن نبحث عن حقيقة هذه المسألة الواقعية .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع ص11 وما بعدها .
(2) لعلّه أراد ما سيذكره في ص51 ، وإلاّ فلا يأتي غيره .


 


ــ[40]ــ


 


وإذا تمهّدت هاتان المقدّمتان فاعلم أنّ ما نجد من المبادي للفعل إلى حين تحقّقه وصدوره في الخارج فهي أربع مراحل ، وبسيرها يكمل وجود الفعل ويتحقّق في الخارج :


 


الاُولى : تصوّر الفعل وإدراكه إدراكاً مطلقاً ، بمعنى ارتسامه في الذهن ، أو التفات النفس إليه .


 


الثانية : إدراك ملائمته للفاعل ملائمة روحية أو جسمية .


 


الثالثة : عدم وجود مزاحم مكافئ لتلك الملائمة من المفسدة .


 


الرابعة : الاشتياق والميل إليه ، وحينئذ يعقد الفاعل قلبه على الفعل ، فيعمل قدرته فيفعل .


 


ولا يخفى أنّ عقد القلب الذي ذكرناه في آخر المراحل هو المراد من الإرادة وهو فعل من أفعال النفس ، لا من صفاتها كما تقدّم في المقدّمات(1)، وليس وجوده مسبوقاً بالوجوب المصطلح عليه كما سمعته من مراتبه السابقة ، هذا .


 


وأمّا سؤال السائل عن المرجّح لإعمال القدرة الذي هو نفس الاختيار المأخوذ عن طلب الخير في شيء ، فيندفع بأنّ إعمال القدرة وإن كان في نفسه فعلا من أفعال النفس إلاّ أنّه ليس ممّا يقصد بنفسه كي يسأل عن مرجّحه ، بل تعلّق القصد به تعلّق تبعي آلي حيث إنّه مقصود لغيره، وسيجي في البحث عن قول الفلاسفة(2) أنّ السؤال عن مرجّح الإرادة بالمعنى الذي ذكرناه عين السؤال عن مرجّح الفعل .


 


وملخّص الكلام : أنّ أساس الشبهة إنّما هو على طبق القاعدة المعروفة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص16 .
(2) في ص50 ـ 51 .


 


ــ[41]ــ


 


(الشيء ما لم يجب لم يوجد) فإذا منعنا شمولها للأفعال الإرادية والاختيارية فتندفع الشبهة من أصلها .


 


وأمّا ما اشتهر في ألسنة الجمهور من استحالة الترجيح بلا مرجّح فإن كان مرجعه إلى استلزامه الترجّح بلا مرجّح فهو صحيح ، لرجوعه إلى حدوث الممكن من غير مؤثّر في وجوده ، وإن لم يكن مرجعه إلى ذلك بل إلى اختيار الفاعل المختار أمراً ما بلا رجحان فلا استحالة فيه .


 


والعلاّمة (قدّس سرّه) في شرح التجريد(1) في هذا الباب نقل الاعتراف منهم بوقوعه ، وقد مثّلوا لذلك باختيار أحد الكأسين المتساويين من جميع الجهات للعطشان ، واختيار أحد الرغيفين كذلك للجوعان ، وبمن فرّ عن سبع سالكاً أحد طريقين موصلين إلى مقصوده من دون ترجيح بينهما .


 


ودعوى أنّ تعلّق الإرادة والاختيار بنفسه كاف في ترجيح ما تعلّق به سفسطة واضحة ، إذ البداهة تقتضي عدم تعلّق لحاظ الفاعل به لحاظاً استقلالياً ، بل هو غافل عنه بالمرّة ، فكيف يكون هو مرجّحاً ، هذا .


 


وقد أجاب جمع من المحقّقين عن الشبهة المزبورة ببيانات مختلفة ومنهم خاتم المحقّقين (قدّس سرّه) على ما حكى عنه في هامش القبسات نقلا عن نقد المحصّل ، فقد أجاب عنها بما هذه عبارته : وكلّ فعل يصدر عن فاعل بسبب حصول قدرته وإرادته فهو باختياره ، وكلّ ما لا يكون كذلك فهو ليس باختياره ، وسؤال السائل أنّه بعد حصول القدرة والإرادة هل يقدر على الترك كمن يقول : الممكن بعد أن يوجد هل يمكن أن يكون معدوماً حال وجوده ، ومحال أن تكون قدرته إنّما تحصل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كشف المراد : 309 .


 


ــ[42]ــ


 


بقدرته، وإلاّ لتسلسل(1).


 


فالظاهر من كلامه (قدّس سرّه) إلى هنا أنّ وجود الفعل بعد تحقّق القدرة وتعلّق الإرادة به يجب لا محالة ، كما يظهر من تنظيره بقول من يقول : الممكن إلخ .


 


والظاهر أنّه (قدّس سرّه) يعترف بصحّة القاعدة ، وأنّ الفعل قبل وجوده يكون واجباً عند حصول القدرة والإرادة كما صرّح به في التجريد في المسألة السادسة في عنوان (إنّا فاعلون)(2) بقوله : والوجوب للداعي لا ينافي القدرة كالواجب(3).


 


وقال العلاّمة في شرحه بعد تقرير أصل الشبهة بقوله : والجواب أنّ الفعل بالنظر إلى قدرة العبد ممكن ، وواجب بالنظر إلى داعيه ، وذلك لا يستلزم الجبر ، فإنّ كلّ قادر فإنّه يجب عنه الأثر عند وجود الداعي ، كما في حقّ الواجب(4).


 


فعليه يكون ترتّب الفعل على القدرة والإرادة ترتّباً وجوبياً غيرياً ، وأمّا نفس الإرادة فتحقّقها ليس بضروري عنده ، كما أفاده في ذيل عبارة نقد المحصّل(5) بقوله : وأمّا الإرادة فربما تحصل له بقدرته وإرادة سابقة ، كالمتروّي في طلب أصلح الوجوه ، فإنّه بعد علمه بالوجوه يقصد إلى فرض وقوع واحد منها بفكره الذي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القبسات : 90 / الإيقاظ الثالث (الهامش الأيسر من الطبعة القديمة) ، راجع أيضاً نقد المحصّل : 325 ، 333 .
(2) [الترقيم للمسألة والعنوان المشار إليه ذكره العلاّمة في الشرح] .
(3) تجريد الاعتقاد : 199 .
(4) كشف المراد : 309 .
(5) وقد تقدّم مصدرها آنفاً .


 


ــ[43]ــ


 


يصدر عنه أيضاً ، وباختياره(1) ينكشف الصلاح والفساد فيها ، فتحصل له الإرادة بما يراه أصلح ، وهذه الإرادة مكتسبة له ، أمّا أسباب كسبها ـ وهي القدرة على الفكر والعلوم السابقة ـ فبعضها أيضاً يحصل بقدرته وإرادته إلخ .


 


ففيما أفاده (قدّس سرّه) تصريح بكون الإرادة من الأفعال الاختيارية ولملخّص كلامه جهتان ، بإحداهما يوافقنا ويخالف الفلاسفة حيث يرى نفس تحقّق الإرادة ومباديها القريبة من الاُمور الاختيارية ، وبثانيتهما يخالفنا ويوافق الفلاسفة حيث التزم بسبق وجوب الفعل على وجوده، وقد أبطلنا ذلك بما لا مزيد عليه وذكرنا أنّ الفعل لا يتّصف بالوجوب في جميع المراحل المتقدّمة عليه .


 


بقيت في المقام شبهتان اُخريان للأشاعرة ، استدلّوا بهما على مطلوبهم(2): 


 


الاُولى : أنّ كلّ ما يصدر عن العبد لا يخلو إمّا أن يكون قد تعلّقت به الإرادة الأزلية أو لا ، فعلى الأوّل لابدّ من وقوعه لاستحالة تخلّف الإرادة عن مراده تعالى ، وعلى الثاني فلابدّ من عدم وقوعه ، لاستحالة وقوع شيء ما لم يرده تعالى .


 


الثانية : أنّ الأفعال لا تقع وفق المقاصد ، فإنّ كثيراً ما يقصد الإنسان الإطاعة والعبادة وغيرهما من الأفعال العادية مع كثرة اشتياقه إليها ، ومع ذلك لا يحصل الفعل على وفق مقصوده .


 


ولمّا كانت الشبهة الاُولى مأخوذة من الفلاسفة القدماء أخّرنا الجواب عنها عندما نتعرّض لأقوال الفلاسفة(3).


 


وأمّا الشبهة الثانية ـ وهي وقوع الأفعال على خلاف مقاصد العباد ـ فلمّا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في المصدر : ... أيضاً باختياره لينكشف ... .
(2) وهاتان الشبهتان تعدّان الدليلين الرابع والخامس من الأدلّة العقلية لهم .
(3) في ص55 .


 


ــ[44]ــ


 


كانت بظاهرها في غاية السخافة أعرضنا عن جوابها ، ولو اُريد بها ما ذكره بعض متأخّري الفلاسفة ببيان أتمّ معروف عندهم بقانون العلّة فالجواب عنها يظهر عند التعرّض له ولجوابها عندما نتكلّم عن أقوال الفلاسفة وردودها(1).


 


السادس : أنّ القدرة على الإيجاد صفة كمال ، لا يليق بالعبد الذي هو منبع النقصان .


 


وجوابه أوضح من أن يخفى على العاقل ، إذ نقصان العبد ليس إلاّ من جهة ذاته الإمكانية التي لا تقتضي الوجود ولا العدم ، وأمّا بعد كونه محلاًّ لإفاضة الوجود كيف يبقى على حالته الأوّلية ، ولا شكّ في ترتّب الأوصاف الكمالية على هذه الإفاضة بمقدار اكتسابه من الكمالات ، نعم اتّصاف العبد بالكمال المطلق أمر مستحيل ، ولا نقول به .


 


وتوضيح ذلك : أنّ ما يتصوّر من الكمال على قسمين :


 


الأوّل : الكمال غير المحدود بحدّ الذي هو من لوازم وجوب الوجود ، فهو مختصّ بالله تبارك وتعالى .


 


الثاني : الكمال المحدود بحدّ خاصّ ، ولا مانع من اتّصاف الممكن به بافاضته تعالى عليه ، فالممكن وإن كان فقيراً بذاته لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ، إلاّ أنّه بفضل الله ولطف عنايته يتّصف بصفات كمالية ، ومنها القدرة على الفعل والترك ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة . أو ليس العلم والكرم وسائر الأخلاق الفاضلة من الكمالات ، بل لا غرو في أن يصل العبد بمجاهداته ورياضاته في مراتب الكمال إلى حدّ يكون مظهراً للصفات الإلهية ، وبذلك يصير متصرّفاً في الموجودات التكوينية .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص70 .


 


ــ[45]ــ


 


هذه هي الأدلّة التي أقاموها على اضطرار العباد في أفعالهم ، وقد ظهر عدم صلاحية شيء منها لإثبات مطلوبهم ، ولهم شبهات واهية اُخرى ضربنا عنها صفحاً .


 


ثمّ إنّه لمّا اُشكل على القائلين باضطرار العباد في أفعالهم وعدم اختيارهم على الفعل والترك بأنّ ذلك يستلزم قبح العقاب على الكفر والمعصية ، ولغوية بعث الرسل وإنزال الكتب ، أجابوا عنه بأنّ العبد وإن لم يكن مختاراً في أفعاله ، إلاّ أنّه هو الكاسب لها ، والثواب أو العقاب إنّما هو لكسبه الإطاعة أو المعصية ، ولمّا لم يكن لكلمة الكسب معنى ظاهر في المقام فسّروه بمعان ثلاثة :


 


الأوّل : ما نقله في مصابيح الأنوار من أنّه أمر يتّصف به العبد ، لا بمعنى إيجابه فاعليّته ، ولا اتّصافه بالفعل(1).


 


وهو أمر في تعقّله غموض ، ولمّا كان التكلّم في صحّة هذا المعنى وفساده متوقّفاً على تعقّله وهو غير متعقّل أعرضنا عن التعرّض له .


 


الثاني : ما ينسب إلى الأشعري من أنّ معنى كون العبد كاسباً هو كونه محلاًّ للفعل ، ككونه محلاًّ للسواد والبياض(2).


 


وهذا المعنى بيّن الفساد ، إذ كون العبد محلاًّ لفعل ككون الجسم محلاًّ للسواد والبياض خارج عن اختياره ، فلا يصحّ العقاب ولا بعث الرسل وإنزال الكتب .


 


الثالث : ما نسب إلى القاضي أبي بكر الباقلاني من أنّ نفس الفعل وإن لم يكن صادراً بالاختيار ، إلاّ أنّ جعله معنوناً بعنوان الطاعة والمعصية بيد الفاعل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع مصابيح الأنوار 1 : 132 .


 


(2) راجع كشف الفوائد (ضمن مجموعة الرسائل) : 60 ـ 61 ، كشف المراد : 308 .


 


ــ[46]ــ


 


وباختياره ، وهو المصحّح للثواب والعقاب(1).


 


وهذا الجواب أيضاً ساقط ، وذلك لأنّ هذا العنوان إمّا أن يكون منتزعاً من نفس الفعل ، وأنّ الفعل هو المنشأ لانتزاعه ، فليس لجعله معنوناً بالطاعة أو المعصية وجود متأصّل في الخارج ، وإنّما انتزعه العقل من منشئه الذي هو الفعل ، فلا يعقل أن يكون التعنون اختيارياً مع اضطرارية منشئه . وإمّا أن يكون له وجود متأصّل غير حقيقة الفعل فلا شكّ في نقل الكلام إليه ، فإن كان فعلا من الأفعال فهو أيضاً اضطراري على رأيه ، وإن كان من قبيل الصفة فهو ممّا ذكره الأشعري ، وقد عرفت جوابه .


 


وربما أجاب بعضهم عن إشكال استلزام قولهم قبح العقاب لكونه ظلماً تارة بإنكار حكم العقل وإدراكه الحسن والقبح ، واُخرى بأنّ الظلم لا يتصوّر في فعل الله تعالى ، فإنّ الظلم عبارة عن التصرّف في ملك الغير ، وهذا لا يتحقّق في أفعاله فإنّها كلّها تقع في ملكه ، فلا موضوع فيها للظلم .


 


ولا يخفى ما في هذا الجواب من الوهن والسقوط ، فإنّ إنكار إدراك العقل الحسن والقبح يساوق إنكار البديهيّات كما مرّ الكلام فيه في المقدّمات(2).


 


وأمّا حديث عدم إمكان تحقّق الظلم في أفعاله تعالى لانتفاء موضوعه فهو ناشئ عن تخيّل اختصاصه بالتصرّف في ملك الغير ، مع أنّه واضح البطلان ، فإنّ الظلم معنى جامع قد يتعلّق بنفس الفاعل ، وقد يتعلّق بغيره المملوك له وقد يتعلّق بغيره غير المملوك له .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع كشف الفوائد (ضمن مجموعة الرسائل) : 61 ، نقد المحصّل : 325 ، كشف المراد : 308 .
(2) في ص6 .


 


ــ[47]ــ


 


أفيشكّ عاقل في أنّه لو كان لأحد عبدان وقد أطاعه أحدهما غاية الطاعة وتمرّد الثاني عليه غاية التمرّد ، فضرب المالك المطيع المنقاد وأهانه وأكرم المتمرّد غاية الإكرام ، في أنّ العقل يحكم بقبح فعله ، مع أنّه مالك لكلا العبدين وله التصرّف فيهما كيف ما شاء .


 


والسرّ في ذلك ليس إلاّ ما عرفت من عدم اختصاص الظلم بالتصرّف في ملك الغير بل أعمّ من ذلك ، ومعناه الجامع هو الخروج عن الجادّة الوسطى ، ووضع الشيء في غير محلّه ، والحاكم بقبحه على الإطلاق هو العقل .


 


تتميم يذكر فيه أمران :


 


الأوّل : أنّه ذكر بعضهم أنّ العقل وإن كان له أن يحكم بحسن شيء أو قبحه إلاّ أنّ ذلك لا يعمّ أفعال الله سبحانه ، إذ لا يحكم عليه أحد بشيء ، فإنّه الحاكم على الإطلاق ، وكلّ من سواه مخلوق له ومحكوم بحكمه ، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون .


 


والجواب عن ذلك : ما عرفت في الأمر الرابع(1) من الاُمور التي قدّمناها من أنّ حكم العقل على الله تعالى ليس معناه هو مسؤوليته للعقل، أو إلزام العقل له بفعل أو بترك ، بل معناه إدراك العقل استلزام الكمال المطلق لأمر ما .


 


فإذا قلنا : العقل يدرك قبح الظلم على الله تعالى ، معناه أنّ العقل يدرك أنّ الخروج عن الجادّة الوسطى ووضع الشيء في غير محلّه ـ المعبّر عنه بالتعدّي أحياناً ـ ينشأ من أحد أمرين : إمّا جهل الفاعل بقبح ما يفعله ولو كان من جهة التقصير في التعلّم ، وإمّا حاجته مع العلم بقبحه، وبما أنّ الله سبحانه يستحيل فيه الجهل والاحتياج يستحيل فيه الظلم ، لا من جهة عدم قدرته عليه ، بل من جهة استلزامه المحال .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص9 ـ 10 .


 


ــ[48]ــ


 


فالظلم منه سبحانه وإن كان ممكناً ذاتاً إلاّ أنّه مستحيل وقوعاً ، وهذا معنى ما ذكرناه سابقاً(1) من أنّ حكم العقل في هذه الموارد من فروع الحكمة النظرية دون العملية .


 


الثاني : أنّ منع استقلال العقل في حكمه بالتحسين والتقبيح يوجب سدّ باب الحجّة على العبد ، إذ كيف يمكنه التصديق بنبوّة مدّعيها مع إظهار المعجز مع عدم استقلال العقل بقبح إظهار المعجز على يد الكاذب ، وكيف يلزم نفسه بالطاعة والاجتناب عن المعصية لو لم يستقل العقل بقبح عقاب المطيع وصحّة عقاب العاصي .


 


وقد أجابت الأشاعرة عن ذلك بأنّ العقل وإن لم يستقل بشيء ممّا ذكر ، إلاّ أنّ عادة الله جرت على عدم إظهار المعجز على يد الكاذب ، وعلى عدم التخلّف عن وعده ، وقد وعد المطيع الثواب والعاصي العقاب(2).


 


وهذا الجواب لم يكن ينبغي صدوره عن عاقل واحد ، فكيف بما إذا أطبقت عليه كلماتهم ، وذلك لأنّه يرد عليه :


 


أوّلا : أنّه من الذي اطّلع على عادة الله سبحانه من الأزل إلى الأبد لولا استقلال العقل بقبح شيء عليه ، ولا سيّما فيما إذا كان الأمر ممّا يرجع إلى النشأة الآخرة ، وهل المؤمنون بالنبيّ الأول كانوا عالمين بجريان عادة الله على عدم إظهار المعجز على يد الكاذب ، أو أنّهم بمقتضى فطرتهم وعقلهم السليم أدركوا استحالة تثبيت الله سبحانه دعوى النبوّة الكاذبة بإظهار المعجز على يد مدّعيها .


 


وثانياً : لو سلّم إحراز جريان عادة الله بشيء مع قطع النظر عن الحكم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص10 .
(2) راجع كشف الفوائد (ضمن مجموعة الرسائل) : 65 .


 


ــ[49]ــ


 


العقلي ، لكنّه ما هو المانع من احتمال تغيير الله عادته في مورد ما ، ومن الظاهر أنّه لا دافع لهذا الاحتمال إلاّ حكم العقل .


 


وبالجملة : إنّ إنكار حكم العقل بالتحسين والتقبيح يوجب هدم أساس الشريعة وفروعها ، أعاذنا الله منه ومن سائر الأقوال الفاسدة ، وهدانا إلى صراطه المستقيم .


 


هذا آخر ما أردنا نقله من أقوال الأشاعرة ، وما يرد عليها وعلى أدلّتها بما لا مزيد عليه ، والحمد لله ربّ العالمين .


 


ونشرع الآن فيما نوّهت إليه الفلاسفة في حقيقة صدور الأفعال من العباد ولهم في ذلك بيانات مختلفة :


 



البيان الأوّل للفلاسفة والجواب عنه


 


ولمّا كان البيان الأوّل مشتملا على أمرين فتحقيقه يتوقّف على معرفتهما ولذلك نوضّح كلاًّ منهما ليتمّ بهما البيان ، ثمّ نذكر ما يمكن أن يكون وجه النظر فيه .


 


الأوّل : أنّ نسبة الإرادة إلى الفعل نسبة العلّة إلى معلولها ، بحيث إذا تمّت الإرادة والمشيّة فقد وجب الفعل ، وإلاّ فهو ممتنع ، تعلّقت المشيّة بالترك أو لم تحدث من رأسها أصلا .


 


قال سيّد المحقّقين في القبسات : أليس إذا كان الفاعل بحسب نفس ذاته ، بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل كان لا محالة من حيث نفس ذاته مع عزل النظر عن المشيّة واللاّمشيّة يصحّ منه الفعل والترك ، وإن كان يجب منه الفعل إذا وجبت المشيّة ، والترك إذا وجبت اللاّمشيّة(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب القبسات : 309 (ضمن القبس الثامن) وص206 من الطبعة القديمة .


 


ــ[50]ــ


 


فإنّ هذه العبارة كما تراها وغيرها ممّا عبّر بها في المقام صريحة في نسبة الفعل إلى الإرادة نسبة المعلول إلى العلّة التامّة ، فكما يمتنع تخلّف العلّة عن معلولها كذلك يستحيل تخلّف المشيّة عن الفعل .


 


الثاني : أنّ تحصّل الإرادة في النفس ووجودها فيها فرع وجوبها الذي تقتضيه قاعدة سبق الوجوب على الوجود ، فهي أيضاً ضرورية ليست باختيارية كما يدلّ عليه ما حكى السبزواري في شرح منظومته في البحث عن قدرته تعالى عند شرح قوله عن المعلّم الثاني : وباختياره اختيار ما بدا : 


 


قال المعلّم الثاني في الفصوص(1): فإن ظنّ ظانّ أنّه يفعل ما يريد ويختار ما يشاء ، استكشف من اختياره هل هو حادث فيه بعد ما لم يكن أو غير حادث ، فإن كان غير حادث لزم أن يصحبه منذ أوّل وجوده ، وإن كان حادثاً ولكلّ حادث محدث فيكون اختياره عن سبب ، فامّا أن يكون هو أو غيره ، فإن كان هو نفسه فإمّا أن يكون إيجاده للاختيار بالاختيار فيتسلسل ، أو يكون وجود الاختيار فيه لا بالاختيار فيكون مجبولا على ذلك الاختيار من غيره ، وينتهي إلى الاختيار الأزلي(2).


 


وبعد ما تنبّهت الأمرين يظهر لك ملخّص البيان الأوّل ، وهو أنّ ذات الممكن وإن كانت في نفسها لها أن تفعل وأن لا تفعل ، إلاّ أنّ الإرادة إنّما تحصّلت بعد اتّصافها بالإيجاب في رتبة متقدّمة على الوجود ، وبذلك صارت ضرورية ، وكذلك الفعل إنّما ترتّب لإيجابها إيّاه وجوباً اضطرارياً ، هذا .


 


والذي يمكن أن يقال في الجواب : إنّ لفظ الإرادة يطلق على معان ، فإنّه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ص91 / الفص 60 .
(2) شرح المنظومة (قسم الحكمة / المجلّد الثاني من الجزء الثاني) : 623 .


 


ــ[51]ــ


 


قد يطلق ويراد منه الشوق النفساني القائم بالنفس قيام الصفة بالموصوف ، وقد يطلق ويراد منه عقد القلب ، وقد يراد منه الاختيار الذي هو بمعنى طلب الخير من الفعل أو الترك .


 


فإن كان المراد منه هو المعنى الأوّل ـ أي الشوق ـ فعدم ترتّب الفعل عليه ترتّب المعلول على علّته في غاية الوضوح ، إذ كثيراً ما نشتاق إلى أفعال ولا تتحصّل في الخارج ، نعم هو من مرجّحات الفعل ، كما سبق(1) في ترتيب مراتب تحصّل الفعل إلى أن يوجد في الخارج .


 


وإن كان المقصود هو المعنى الثاني أو الثالث ـ أي عقد القلب أو الاختيار الذي قيامه بالنفس قيام الفعل بالفاعل ـ فالسؤال عن علّته عين السؤال عن علّة الفعل ، لأنّه ليس إلاّ طريقاً محضاً إلى الفعل ، ولا يتعلّق القصد به ، ولا يحصل الداعي إليه من حيث هو ، فيبقى السؤال عن علّة حدوث الفعل ، وقد عرفت غير مرّة أنّ ما لابدّ منه في صدور الفعل إنّما هو الفاعل من دون افتقار إلى وجوب يسبقه ، بل من دون احتياج إلى المرجّح أيضاً ، وإنّما التزمنا بلزوم المرجّح لإخراج الفعل عن السفه والعبث إلى كونه عقلائياً .


 


هذا مع أنّ التزامهم بضرورية علّة الفعل التي هي الإرادة وقولهم باختيارية الفعل الصادر من العبد من باب الالتزام بالمتناقضين ، إذ كيف يعقل أن تكون العلّة ضرورية ومعلولها اختيارياً .


 


البيان الثاني للفلاسفة : وهو ـ كما نقرّره الآن على ما أخذناه عن ظواهر كلماتهم ، بل من تصريحاتهم في بعض المقامات ـ موضوع على قاعدة مسلّمة عندهم ، وهي أنّ جميع الموجودات سوى الواجب تعالى بأسرها ـ عللها ومعاليلها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص40 .


 


ــ[52]ــ


 


وغاياتها ، طولية وعرضية ـ مترتّبة واقعة في النظام الجملي الأتمّ ، منتهية إلى مبدأ واحد ، لا سبيل إلى تدخّل غيره في أيّ شأن من شؤونها لينتهي إلى الشرك ، ولا شبهة في أنّ الأفعال الصادرة من العباد أيضاً من جملة أجزاء النظام الجملي ، فهي بنفسها وعللها تنتهي إلى الله تعالى .


 


قال سيّد الفلاسفة في الإيقاظ الخامس من الإيقاظات المطبوعة في هامش القبسات : ثمّ من بعد ما قضى البرهان قضاء فصلا أنّ طباع الإمكان هو العلّة التامّة للاحتياج إلى الواجب بالذات ، كيف يتصحّح الدخول في إقليم الوجود من دون انتهاء الفيض إليه ، واستناد الأمر إلى جنابه (علا ذكره وتعالى جدّه) وهل هذا إلاّ طريق الثنوية وسبيل الإشراك .


 


ومن هناك ما قد ورد وتكرّر عنهم (صلوات الله عليهم) فيما رواه الصدوق في جامعه المسند في التوحيد وغيره من الحكم بأنّ من يقول بذاك فهو كافر ، ومن يقول بهذا فهو مشرك(1).


 


ولا يتوهّمن إلزام القول بالتشريك على الاُمّة الوسط ، لأنّ ذلك أن يكون المعلول في درجة الاستناد مستنداً إلى مبدأين هما إرادة الله سبحانه وقدرته وقدرة العبد وإرادته جميعاً على سبيل الشركة ، بل إنّ هنالك مسبّبات مترتّبة على أسباب متسلسلة ، والأسباب والمسبّبات منتهية الاستناد جميعاً في نظامها الجملي وفي سلسلتها الطولية والعرضية معاً إلى مبدأ واحد هو الله الحقّ سبحانه ، وهو مسبّب الأسباب على الإطلاق من غير سبب ، فهذا ميقات الحقّ ، وعنده تجتمع الآيات وتتوافق الروايات المتعارضة ، وينصرح سرّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التوحيد : 68 / 25 ، 31 ، 36 ، 363 ـ 364 / 12 .


 


ــ[53]ــ


 


يكن(1).


 


وقريب منه ما قاله الشيخ رئيس مشّائي الإسلام في الشفاء في المقالة العاشرة : والإرادات التي لنا كائنة بعد ما لم تكن ، وكل كائن بعد ما لم يكن فله علّة وكلّ إرادة لنا فلها علّة ، وعلّة تلك الإرادة ليست إرادة متسلسلة في ذلك إلى غير النهاية ، بل اُمور تعرض من خارج ، أرضية وسماوية ، والأرضية تنتهي إلى السماوية ، واجتماع ذلك كلّه يوجب وجود الإرادة .


 


وأمّا الاتّفاق فهو حادث عن مصادمات هذه ، فإذا حللت الاُمور كلّها استندت إلى مبادئ إيجابها منزل من عند الله تعالى(2).


 


ولا يبعد أن يكون جعل جميع الكائنات ـ من المواد والصور ، والعلل والمعاليل ، والأفاعيل والانفعالات ـ جملة واحدة منظّمة في سلسلة مترتّبة وإنهائها إلى المبدأ الأوّل ممّا اتّفقت عليه كلمة الفلاسفة المتقدّمين والمتأخّرين عن الإسلام كما يظهر ذلك بأدنى تفحّص في آثارهم ، ولا يخفى اندماج الأفعال الصادرة عن العباد أيضاً في تلك السلسلة المنظّمة ، وعليه يستحيل أن يصدر فعل عن فاعل باختياره ، إذ صدوره كذلك يوجب عدم الانتظام في الجملة .


 


وتوضيحه : أنّه إذا فرضنا أنّ فعل زيد في زمان خاص ومكان خاصّ مثلا مرتبط بالسلسلة الجملية المنتهية إلى المبدأ الأوّل ، فلو كان بعد ذلك زيد مختاراً في الفعل والترك لزم الفوضى ، فلم يكن النظام نظاماً ، هذا خلف .


 


إذا عرفت ذلك فنقول : أمّا وجوب انتهاء الموجودات إلى المبدأ الأوّل فهو من الضروريات التي لا تقبل التشكيك ، لأنّه مقتضى الإمكان، إذ قد ثبت أنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع القبسات : 137 الهامش الأيسر (الطبعة القديمة) .
(2) الشفاء (الإلهيات 2) : 439 ضمن الفصل الأوّل من المقالة العاشرة .


 


ــ[54]ــ


 


الإمكان في حدّ ذاته لا يقتضي الوجود ولا العدم لا حدوثاً ولا بقاءً ، فإنّ بقاء الممكن أيضاً ممكن فيحتاج إلى إفاضة من الله تعالى .


 


إلاّ أنّ الكلام لنا في هذا البيان في مقامين :


 


الأوّل : أنّ دخول الأفعال الصادرة عن العباد ـ على اختلاف حقائقها وجهاتها من الخيرات والشرور والأفعال العبثية وغيرها ممّا لا يرى العقل بينها ارتباطاً أبداً ـ في النظام السلسلي لا يمكن تعقّله ، وأنّ النظام المدّعى أيّ نظام هو يجمع تلك الشتات من الأفعال ويركّب من خيرها وشرّها وعبثها وسفهها جملة واحدة حقيقية .


 


ولا يتوهّم أنّا ننكر بذلك النظام الحقيقي في الكائنات ونجعلها فوضى ، بل نقول : إنّ ما يدخل تحت النظام هو العلل والمعاليل وغيرهما من الموجودات التكوينية بالجملة ، حتّى قدرة العبد على الاختيار على نحو قد أسلفناه غير مرّة وأمّا الأفعال الصادرة من العباد فهي غير داخلة في النظام الجملي ، بل هي صادرة باختيارهم ، وإن كانت القدرة عليها بمباديها مفاضة من الله سبحانه آناً فآناً .


 


الثاني : أنّ الأخبار الواردة في المقام على ما ستقف عليه في محلّه إن شاء الله(1) الدالّة على كون القول باستقلال العبد في فعله شركاً ، إنّما تدلّ على شرك من يرى العبد مفوّضاً إليه جميع شؤونه وأحواله ، كما بيّناه فيما مضى(2) عند شرح مذهب المفوّضة والفرق بينه وبين مذهب الأمر بين الأمرين بما لا مزيد عليه ، وأمّا على ما اختاره الإمامية من افتقار العبد إليه تعالى في جميع أطواره ، ومنها قدرته التي بها يفعل ويترك ، فليس هذا شركاً وقولا بانتهاء السلسلة الجملية إلى مبدأين : قدرة الله
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع ص101 ، 96 ، وأيضاً التوحيد (للصدوق) : 363 / 12 وغيره .
(2) في ص33 .


 


ــ[55]ــ


 


وإرادته ، وقدرة العبد وإرادته .


 


وقد سلك الفلاسفة في إثبات انتهاء الأفعال إلى الله سبحانه. 


 


بياناً ثالثاً : وهو أنّ جميع ما يقع في عالم الكون والفساد قد تعلّقت به الإرادة الأزلية فيجب أن يوجد ، وإلاّ لزم تخلّف إرادته عن مراده ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ، وبما أنّ الأفعال الصادرة في الخارج منها فهي أيضاً ممّا تعلّقت به الإرادة الأزلية فلابدّ من وقوعها .


 


ولا يخفى أنّ هذا البيان كسابقه كاد أن يكون ممّا اتّفقت عليه كلمتهم .


 


وليعلم أيضاً أنّ الإرادة الأزلية لمّا كانت من الصفات الذاتية عندهم ، وهي متّحدة مع الذات ، فاسناد جميع الكائنات إليها مساوق لإسنادها إلى نفس الذات والمآل فيهما واحد .


 


قال سيّد المحقّقين في الإيقاظ الأوّل من الإيقاظات المطبوعة في هامش القبسات : خيرات نظام الوجود وكمالاته الفرائض والنوافل بأسرها ، والذوات والصفات والأخلاق والملكات والأفعال والأعمال إنّما انبعاثها بالذات من إرادة الله الحقّة الواجبة ، ورحمته الفيّاضة الواسعة ، وخيريّته المحضة التامّة ، ووهّابيّته الفعّالة الدائمة ، وإن كان فيضانه من فيض جوده العظيم بمقدار استعدادات المواد على مبلغ استحقاقات الماهيات . فأمّا الشرور والآلام والنقائص والآثام فمن تلقاء سوء الاستعدادات ، ونقص الاستحقاقات ، وتزاحمات أرهاط الهيولانيات
وتصادمات سكّان عالم الظلمات ، لا من بخل من المفيض وضنانة من الجائد ، أو عجز في القدرة وقصور في الإفاضة ، تعالى جناب الفيّاض الحقّ عن ذلك كلّه علوّاً كبيراً(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع القبسات : 75 الهامش الأيسر / الإيقاظ الأوّل (الطبعة القديمة) ، وذكرها مع زيادة في نفس القبسات : 475 (ضمن القبس العاشر ـ الطبعة الجديدة) .


 


ــ[56]ــ


 


والكلام في هذا البيان يقع من جهات :


 


الاُولى : حقيقة إرادته ومشيّته تعالى .


 


الثانية : في صحّة تعلّق الإرادة الأزلية بالأفعال وعدمها .


 


الثالثة : في علل الشرور والآلام والنقائص والآثام .


 


أمّا الجهة الاُولى فنقول : قد حقّقنا سابقاً(1) أنّ صفات الله تبارك وتعالى على قسمين : ذاتية وفعلية ، وبيّنا أيضاً الفرق بينهما بصحّة تعلّق القدرة بالنسبة إلى الصفات الفعلية إيجاداً وإعداماً ، وعدمها بالنسبة إلى الصفات الذاتية ، وقد وجدنا الإرادة من الصفات الفعلية الحادثة بصحّة تعلّق القدرة عليها إيجاداً وإعداماً ، وبه نطق كثير من الروايات الآتية المتضمّنة لكلمتي الإرادة والمشيّة(2)، فالالتزام بكونها من الصفات الذاتية التزام من غير ملزم .


 


نعم بناءً على ما يظهر من كلمات بعض الفلاسفة بل أكثرهم ـ من أنّ حقيقة الإرادة هو العلم بالأصلح ـ فهي من الصفات الذاتية ، إلاّ أنّك قد عرفت بطلان ذلك فيما تقدّم(3).


 


وبناءً على ما صرّح به بعض آخر منهم من أنّ الإرادة المتعلّقة بإيجاد الكائنات أيّاً ما كان لا تنفكّ عن الذات المقدّسة ، لدوام فيضه وَجوده كما صرّح به المحقّق المذكور ، لابدّ من الالتزام بقدم العالم أو حدوث الذات المقدّسة ، والتالي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص14 و17 .
(2) راجع ص91 وما بعدها ، راجع أيضاً الكافي 1 : 109 / 1 ، 2 ، بحار الأنوار 4 : 145 / 18 ، 20 .
(3) راجع ص16 .


 


ــ[57]ــ


 


باطل فالمقدّم مثله كما أشبعنا القول فيه فيما مضى(1).


 


وأمّا الجهة الثانية : فالصحيح فيها أنّ أفعال العباد غير متعلّقة لإرادة الله وجوداً أو عدماً ، فإنّ الإرادة ـ كما عرفت ـ من الصفات الفعلية ، وهي عبارة عن إعمال القدرة في الوجود والعدم ، فهي لا تتعلّق إلاّ بفعل نفس المريد أو تركه لا بفعل شخص آخر الصادر منه باختياره ، فكما لا معنى لتعلّق إرادة زيد بفعل عمرو أو بعدمه كذلك لا معنى لتعلّق إرادة الله به مع فرض صدوره منه باختياره .


 


نعم لا ننكر تعلّق إرادة الله بصدور فعل من أحد أحياناً حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية ، إلاّ أنّ الفعل حينئذ لابدّ من صدوره في الخارج ، ولا معنى لدخل اختياره فيه بوجه ، فيصدر الفعل منه في الخارج قهراً عليه ، كما نرى من نوم أحد أحياناً أو يقظته من نومه وغير ذلك .


 


فلو اُطلق لفظ الإرادة واُريد به العلم فلا شكّ في إمكان تعلّقها بالفعل الاختياري من شخص آخر ، كما لا شكّ في علمه سبحانه بجميع العوالم من موجوداتها ومعدوماتها من الأفعال وغيرها ، إلاّ أنّك قد عرفت(2) في جواب شبهة الأشاعرة أنّ تعلّق العلم الأزلي بفعل شيء أو تركه لا ينافي صدوره أو تركه بالاختيار . هذا مع أنّه لا شكّ في صدور الأفعال القبيحة والعبثية في الخارج ، وكيف يتفوّه العاقل بتعلّق إرادة الله بها ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً .


 


وأمّا الجهة الثالثة : فقد عرفت(3) أنّ الأفعال الصادرة عن العباد ـ خيرها وشرّها ـ إنّما تصدر عنهم بإعمالهم قدرتهم فيها ، بإفاضة الله سبحانه مبادئ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص14 .
(2) في ص36 وما بعدها .
(3) في ص30 وما بعدها .


 


ــ[58]ــ


 


وجودها من القدرة وغيرها آناً فآناً ، فلا جبر ولا تفويض بل منزلة بينهما .


 


وأمّا الملكات النفسانية فما كان منها حاصلا باختيار العبد بإيجاد مبادئه وأسبابه ، فحاله حال الفعل الاختياري في كونه وسطاً بين الجبر والتفويض ، وما كان منها خارجاً عن اختياره فهو مستند إلى إرادة الله سبحانه حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية ، وتوصيف بعض تلك الملكات بالشرّ إنّما هو بضرب من المسامحة وبالإضافة إلى جهة دون جهة ، وإلاّ فهو ممّا لابدّ منه في نظام الوجود ، ومثل ذلك لا يكون إلاّ خيراً . فكما أنّ الحكمة اقتضت إعطاء القوّة الجسمية لأحد وضعفها لآخر كذلك اقتضت إعطاء القوّة في الإدراك لشخص وضعفها لشخص آخر ، وهكذا الأمر في سائر الصفات النفسانية المقتضية في أنفسها للخيرات والشرور ، مع بقاء الاختيار في جميعها للعبد ، وأنّ الله له الإعطاء والمنع والبسط والقبض ، وهو الحكيم الخبير .


 


وأمّا ما ذكره السيّد (قدّس سرّه)(1) من استناد الشرور والآلام والنقائص والآثام إلى سوء الاستعدادات ونقص الاستحقاقات فيظهر بطلانه ممّا ذكرناه ، على أنّه يرد عليه : أنّ نقصان الاستحقاق وسوء الاستعداد أمر قائم بالوجود أو الماهية ؟


 


فإن قيل : إنّ معروضه الوجود فلا ريب في أنّه مخالف لما اتّفقت عليه كلمتهم من أنّ الوجود خير محض ، وتعلّقه بجميع الممكنات بإفاضة الله سبحانه على حدّ سواء .


 


وإن قيل : إنّه الماهية كما هو ظاهر كلام السيّد وصريح كلام غيره ، ولذلك قال الشيخ : ما جعل الله المشمشة مشمشة بل أوجدها(2)، فيرد عليه أنّ الماهية ليست
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب القبسات : 475 (ضمن القبس العاشر) وقد تقدّمت عبارته في ص55 .
(2) حكاه عنه في شوارق الإلهام 1 : 138 .


 


ــ[59]ــ


 


إلاّ حدّاً للوجود ، ولا تقرّر لشيء منها في شيء من العوالم العرضية والطولية ، فكيف تكون معروضة لكمال الاستحقاق ونقصانه .


 


إذا عرفت ما ذكرناه ظهر لك فساد ما ذهب إليه صاحب الكفاية في المقام ولا بأس بذكر عباراته وتذييلها ببعض ما يرد عليها .


 


فمنها : قوله بعد ما ذهب إلى اتّحاد الطلب والإرادة مفهوماً ومصداقاً وإنشاءً : إشكال ودفع ، أمّا الإشكال فهو أنّه يلزم بناءً على اتّحاد الطلب والإرادة في تكليف الكفّار بالإيمان ، بل مطلق أهل العصيان في العمل بالأركان إمّا أن لا يكون هناك تكليف جدّي إن لم يكن هناك إرادة ، حيث إنّه لا يكون حينئذ طلب حقيقي واعتباره في الطلب الجدّي ربما يكون من البديهي . وإن كان هناك إرادة فكيف تتخلّف عن المراد ، ولا يكاد يتخلّف ، إذا أراد الله شيئاً يقول له كن فيكون .


 


وأمّا الدفع فهو أنّ استحالة التخلّف إنّما تكون في الإرادة التكوينية وهو العلم بالنظام على النحو الكامل التامّ ، دون الإرادة التشريعيّة وهو العلم بالمصلحة في فعل المكلّف ، وما لا محيص عنه في التكليف إنّما هو هذه الإرادة التشريعية لا التكوينية ، فإذا توافقتا فلابدّ من الإطاعة والإيمان ، وإذا تخالفتا فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان(1) انتهى .


 


فإنّه يرد عليه أوّلا : أنّ المتبادر من لفظ الطلب إنّما هو التصدّي لتحصيل المراد ، فلا يقال : طالب العلم أو طالب الضالّة أو طالب الدنيا، إلاّ لمن تصدّى لتحصيلها .


 


وأمّا لفظ الإرادة فالمراد به ـ كما عرفت(2)ـ إمّا الشوق النفساني ، أو عقد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 67 .
(2) في ص50 ـ 51 .


 


ــ[60]ــ


 


القلب ، أو إعمال القدرة المعبّر عنه بالاختيار ، وعلى كل حال فشيء منها لا يكون متّحداً مع مفهوم الطلب أبداً .


 


وثانياً : أنّ تقسيم الإرادة إلى تكوينية وتشريعية لا أساس له أصلا ، فإنّ الإرادة بمعنى الشوق وإن أمكن تعلّقها بفعل نفس المريد تارةً وبفعل غيره اُخرى إلاّ أنّها بهذا المعنى لا يصحّ إسنادها إلى الله تعالى ، لاستحالة تحقّق الشوق فيه سبحانه ، بل قد عرفت(1) عدم صحّة ذلك في نفسه ، فإنّها من الأفعال القائمة بالنفس لا من صفاتها ، وهي عبارة عن إعمال القدرة في أحد طرفي المقدور ، وعليه فلا يعقل تعلّقه بفعل الغير أبداً ، بل هي تتعلّق دائماً بفعل نفس المريد ، نعم قد يكون فعله هو التشريع ، كما قد يكون غيره ، وعلى كل حال فالإرادة تكوينية لا تشريعية .


 


وثالثاً : أنّ ما ذكره من ضرورة تحقّق الإيمان والطاعة عند توافق الإرادتين وضرورة تحقّق الكفر والعصيان عند تخالفهما ، يستلزم بطلان استحقاق الثواب والعقاب وبطلان التكليف بالبعث والزجر من أصله ، وسنذكر أنّ ما أجاب به عن ذلك لا يسمن ولا يغني من جوع .


 


ومنها قوله : إن قلت : إذا كان الكفر والعصيان والإطاعة والإيمان بإرادته تعالى التي لا تكاد تتخلّف عن المراد فلا يصحّ أن يتعلّق بها التكليف ، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه .


 


قلت : إنّما يخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن تعلّق الإرادة بها مسبوقة بمقدّماتها الاختيارية ، وإلاّ فلابدّ من صدورها بالاختيار ، وإلاّ لزم تخلّف إرادته عن مراده ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً(2) انتهى .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص57 .
(2) كفاية الاُصول : 67 .


 


 


 


ــ[61]ــ


 


فإنّه يرد عليه : أنّ الفعل إذا كان ضروري الوجود ولو لضرورة مباديه وامتنع عدمه في الخارج ، كيف يعقل البعث إليه أو الزجر عنه حقيقة ، أو ليس التكليف وبعث الرسل وإنزال الكتب حينئذ من العبث واللغو الظاهر ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ، أفهل أوجب تسمية الأمر النفساني إرادة واختياراً مع فرض ضرورة وجوده وكونه علّة الفعل صحّة البعث والزجر وصحّة العقاب والثواب .


 


وليت شعري ما هو الفارق بيئن الإرادة المفسّرة عنده وعند الفلاسفة بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات ، وبين الخوف الحادث للنفس الموجب للوقوع على الأرض أو أمر آخر ، فإن ترتّب الفعل على كلتا الصفتين ضروري ومن باب ترتّب المعلول على علّته ، وحدوث كلتا الصفتين في النفس خارج عن اختيارها ، فبماذا تفترق الصفتان غير تسمية الاُولى بالإرادة والثانية بالخوف ، وبماذا صحّ التكليف والعقاب والثواب مع الاُولى دون الثانية .


 


وأمّا ما ذكره في الجزء الثاني من الكفاية من أنّ بعث الرسل وإنزال الكتب إنّما لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته ، لتكمل به نفسه ، ويخلص مع ربّه اُنسه ، وليكون حجّة على من ساءت سريرته وخبثت طينته ، ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيى من حيّ عن بيّنة(1) انتهى .


 


فيظهر جوابه ممّا بيّناه ، إذ الفعل بعد ضرورة وجوده وانتهائه إلى الذات كيف يعقل إقامة الحجّة على فاعله ، أفهل يعقل سلب الذاتي عن الذات بإقامة ألف حجّة ؟ أو يعقل تخلّف المعلول عن علّته !


 


وليت شعري كيف يعقل الجمع بين القول بأنّ الحياة والهلاك كلاهما عن بيّنة والقول بأنّ الفعل معلول للإرادة ويستحيل انفكاكه عنها ، والإرادة منتهية إلى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 261 .


 


ــ[62]ــ


 


الذات أو إلى الإرادة الأزلية .


 


ومنها قوله : إن قلت : إنّ الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين بإرادتهما إلاّ أنّهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار ، كيف وقد سبقتهما الإرادة الأزلية والمشيّة الإلهية ، ومعه كيف تصحّ المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار .


 


قلت : العقاب إنّما يتبع الكفر والعصيان التابعين للاختيار ، الناشئ عن مقدّماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما ، فإنّ السعيد سعيد في بطن اُمّه ، والشقيّ شقيّ في بطن اُمّه(1)، والناس معادن كمعادن الذهب  والفضّة كما في الخبر(2)، والذاتي لا يعلّل ، فانقطع سؤال أنّه لِمَ جُعل السعيد سعيداً والشقيّ شقيّاً فإنّ السعيد سعيد بنفسه ، والشقيّ شقيّ كذلك ، وإنّما أوجدهما الله تعالى كذلك(3). انتهى .


 


وكأّنه أراد بذلك ما عن جماعة من الفلاسفة من أنّ العقاب والثواب ليسا من معاقب ومثيب خارجي ، وإنّما هما من اللوازم الذاتية للأفعال الحسنة والقبيحة المنتهية إلى الشقاوة والسعادة الذاتيتين .


 


فيرد عليه أوّلا : أنّه مخالف لما ثبت من الشرائع من أنّ الثواب أو العقاب إنّما هو جزاء من قبل الله تعالى على العمل الحسن أو القبيح ، كما يفصح عن ذلك كثير من الآيات القرآنية فضلا عن الروايات المتواترة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ورد مضمونه في موارد كثيرة منها ما رواه الصدوق في التوحيد : 356 / ب58 ح3 ، وما روي في البحار 5 : 9 / 13 .
(2) الكافي 8 : 177 / 197 ، الفقيه 4 : 380 / 5821 .
(3) كفاية الاُصول : 68 .


 


ــ[63]ــ


 


وأمّا ما ورد في بعض الروايات من تجسّم بعض الأعمال(1) فلا دلالة فيها على كون ذلك من قبيل اللوازم الذاتية ، بل هو أيضاً من باب الجزاء بالعمل كما لا يخفى .


 


وثانياً : أنّ العقاب أو الثواب لو كان ذاتياً للعمل فلا معنى لتوقيف العباد وسؤالهم كما هو صريح قوله تعالى : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ)(4) وهل يعقل وجه صحيح للسؤال عن الذاتي ؟


 


وثالثاً : لو كان العقاب من اللوازم الذاتية للفعل الخارجي فما هو معنى العفو والإغماض عن بعض المعاصي بالشفاعة أو بغيرها ؟


 


ورابعاً : أغمضنا النظر عن العقاب أو الثواب الاُخروي فما هو المصحّح للمسؤوليات الاجتماعية إذا كانت الأفعال ضرورية الوجود في الخارج ؟ فهل يُسأل أحد عن حركة نبضه ودوران دمه في العروق ؟


 


وخامساً : أنّ الشقاوة والسعادة وصفان ينتزعان من الطاعة والمعصية ومن الإتيان بالأعمال الحسنة والقبيحة ، وأمّا الأوصاف والملكات النفسية فهي من عوارض النفس ، وشيء من ذلك لا معنى لكونه ذاتياً ، لا بمعنى الذاتي في كتاب الكلّيات ـ أعني به الجنس والفصل ـ ولا بمعنى الذاتي في كتاب البرهان ، أعني به ما يكفي في انتزاعه وضع نفس الذات من دون حاجة إلى ضمّ ضميمة ، الذي هو من الخارج المحمول كالإمكان بالإضافة إلى الإنسان .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الكافي 2 : 190 / باب إدخال السرور على المؤمنين ح8 ، 10 ، والبحار 18 : 292 / 2 ، 335 / 36 وغيرها .
(2) الصافات 37 : 24 .


 


ــ[64]ــ


 


وقد تلخّص ممّا ذكرنا : أنّه بناءً على ما ذكرته الفلاسفة(1) من كون الإرادة المفسّرة عندهم بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات علّة تامّة للفعل ، وانتهائها إلى الإرادة الأزلية ، يكون الفعل ضروري الوجود لا محالة ، فيكون البعث أو الزجر لغواً ، ويكون العقاب أو الثواب عقاباً أو ثواباً على أمر غير اختياري .


 


إذا تحقّقت ذلك فلا بأس بذكر بعض ما اُجيب به في المقام عن إشكال لغوية البعث أو الزجر ، أو عدم صحّة الجزاء على أمر غير اختياري.


 


فمنها : ما ذكره الشيخ ابن سينا على ما حكاه عنه السيّد في القبسات وهو : أنّ العقاب للنفس على خطيئتها كما ستعلم هو كالمرض للبدن ، إلى قوله : فكما(2) لحوق المرض الجسماني للبدن بسبب تراكم الفضلات الفاسدة التابعة لنهمه ضروري وكذلك لحوق العقاب للنفس بحسب مرضها العقلاني من جهة العقائد الباطلة والأخلاق الرذيلة ضروري ، وهذا النوع من العقاب إنّما يكون للنفس الإنسانية بسبب الملكات الردية الراسخة فيها المضادّة لجوهر ذاتها(3) انتهى .


 


والظاهر أنّ الشيخ أراد بذلك أنّ العقاب من اللوازم الذاتية للخطيئة ، وهو كعروض المرض للبدن لفساد المزاج بتراكم الفضلات الفاسدة، وجوابه يظهر ممّا ذكرناه آنفاً .


 


ومنها : ما ذكره الشيخ أيضاً ، فإنّه قال بعد كلام له ما هذه عبارته : فإذن إحقاق الوعيد وتصديقه أي الإيفاء به من العناية بالإرادة والاختيار واجب في الحكمة التامّة البالغة لأجل الغرض الكلّي ، وهو كفّ الخلق عن مباشرة أسباب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما يستفاد من عبارة القبسات المتقدّمة في ص49 ، راجع أيضاً نهاية الحكمة : 297 .
(2) يظهر من مراجعة القبسات أنّ قوله : فكما ... لجوهر ذاتها ، من كلام السيّد (رحمه الله) .
(3) كتاب القبسات : 440 (ضمن القبس العاشر) .


 


ــ[65]ــ


 


العقاب الموجبة للفساد ، وإن كان ذلك غير ملائم للمجرم العاصي ، ولا واجباً أيضاً من مختار رحيم لو لم يكن الملحوظ إلاّ هذا الجانب الجزئي ولم تكن مصلحة كلّية عامّة(1).


 


ولا يخفى عليك أنّ الكلام تارةً يقع في فعلية العقاب بالإيفاء بالوعيد بعد فرض الاستحقاق من جهة المخالفة الاختيارية ، وهذا ممّا لا إشكال فيه في المقام ولو مع قطع النظر عمّا ذكره الشيخ من الغرض الكلّي وهو كفّ الناس عن مباشرة أسباب العقاب الموجبة للفساد ، فإنّه بعد صدور المخالفة الاختيارية المقتضية لصحّة العقاب في حكم العقل لا إشكال فيهما ، فإن عاقب الله تعالى فبعدله ، وإن عفا فبفضله .


 


واُخرى يقع الكلام فيما يوجب استحقاق العقاب ، وهذا هو محلّ الكلام في المقام ، فإنّه بعد فرض ضرورة الفعل واستحالة عدمه بضرورة علّته كيف يصحّ العقاب عليه ، وهل هو إلاّ من الظلم القبيح في حكم العقل ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً .


 


ومنها : ما أجاب به إمام أصحابه الفخر الرازي بقوله : فإن قيل : فإذا كان الكلّ بقدره فما فائدة الأمر والنهي والثواب والعقاب ، فالجواب : أمّا الأمر والنهي فوقوعهما أيضاً من القضاء والقدر ، وأمّا الثواب والعقاب فهما من لوازم الأفعال الواقعة بالقضاء(2). ثمّ أتمّ جوابه بما سلكه الشيخ في جوابه الأوّل .


 


أقول : أمّا جوابه عن إشكال عدم صحّة العقاب على تقدير ضرورة الفعل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رسالة سرّ القدر : 238 ، الإشارات والتنبيهات 3 : 328 فما بعدها ، وحكاه السيّد في القبسات : 441 (ضمن القبس العاشر) .
(2) المباحث المشرقية 2 : 546 ـ 547 ، وحكاه عنه في الأسفار 6 : 386 .


 


ــ[66]ــ


 


وانتهائه إلى الإرادة الأزلية فقد مرّ فساده .


 


وأمّا جوابه عن لغوية البعث والزجر بأنّ وقوع الأمر والنهي أيضاً من القضاء والقدر فهو عجيب جدّاً ، إذ المراد بالأمر والنهي لو كان مجرّد التكلّم بصيغتيهما ولو لم يكن بداعي البعث والتحريك فهو وإن كان ممكناً في نفسه ، ولو مع عدم القدرة على متعلّقه ، إلاّ أنّ الالتزام به يقتضي القول بعدم تكليف الكفّار بالإيمان ، بل مطلق أهل العصيان بالعمل بالأركان ، فبماذا يستحقّ الكافر والعاصي العقاب مع فرض عدم مخالفتهما لتكليف المولى ، أو يستحقّ المطيع للثواب مع فرض عدم التكليف في حقّه .


 


وإن اُريد به الإنشاء بداعي جعل الداعي ، المعبّر عنه بالبعث أو الزجر فكيف يعقل صحّة ذلك مع عدم قدرة العبد على الامتثال وكون الفعل أو الترك ضرورياً ، أو ليس البعث على ما يستحيل وجوده والزجر عمّا يجب وجوده من اللغو والعبث ، بل من المستحيل ممّن يلتفت إلى عدم قدرة العبد على الامتثال .


 


وقد ظهر من جميع ما ذكرناه : أنّه لا ينحلّ شيء من هذه الإشكالات إلاّ بما قرّرناه وبيّناه من ثبوت الأمر بين الأمرين ، كما صرّحت به روايات أهل البيت(1) الذين هم كمثل سفينة نوح ، من تمسّك بهم نجى ، ومن تخلّف عنهم غرق .


 



تتميم


 


ذكر بعض الأساطين (قدّس سرّه) على ما في تقرير بعض تلامذته وجهاً غريباً لتصوير الأمر بين الأمرين ، ولا بأس بنقل عبارة المقرّر ثمّ تذييله بما يرد عليه ، قال في بدائع الأفكار : وتحريره يتم بتمهيد مقدّمة وهي أنّ عوارض الشيء على أقسام
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الآتي بعضها في ص94 ـ 95 .


 


ــ[67]ــ


 


ثلاثة :


 


أحدها : ما يعرض على الشيء وليس بلازم لوجوده ولا لماهيّته ، كالبياض للجسم مثلا .


 


ثانيها : ما يعرض الشيء ويكون لازماً لماهيّته .


 


ثالثها : ما يعرض الشيء ويكون لازماً لوجوده ، كالحرارة للنار .


 


أمّا القسم الأوّل : فلا ريب في أنّ جعل المعروض بمعنى إيجاده لا يستلزم جعل عارضه ، بل يحتاج العارض إلى جعل مستقل .


 


وأمّا القسمان الآخران : فما هو قابل لتعلّق الجعل به هو المعروض ، وهو المجعول بالذات ، وأمّا لازم كل من القسمين المذكورين فيتحقّق قهراً بجعل نفس ملزومه ومعروضه ، بلا حاجة إلى جعل مستقل غير جعل ملزومه ومعروضه . فالمعروض يتحقّق بالإرادة الأزليّة المتعلّقة به ، ولازمه لا يحتاج إلى تعلّق إرادة أزليّة به ، بل إرادة معروضه تكفي في تحقّقه عن تعلّق إرادة أزليّة اُخرى به .


 


إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ أوصاف الإنسان على قسمين :


 


أحدهما : أنّه يكون من عوارض وجوده ، وليس بلازم لوجوده أو ماهيّته كالعلم والضحك ونحوهما ، وقد عرفت في المقدّمة أنّ هذا النحو من العوارض يحتاج إلى جعل مستقل يتعلّق به ، ولا يغني جعل معروضه عن جعله ، مثلا علم الإنسان بكون العمل الكذائي ذا مصلحة يحتاج إلى تعلّق إرادة أزليّة توجده في نفس الإنسان ، ولا تكفي الإرادة الأزليّة المتعلّقة بوجود الإنسان عن تعلّق إرادة اُخرى به .


 


وثانيهما : أن يكون الوصف من لوازم وجوده ولو في بعض مراتبه ، وقد عرفت أنّ هذا النحو من الأوصاف لا يحتاج في تحقّقه إلى جعل مستقل غير جعل معروضه ، فالإنسان ولو في بعض مراتب وجوده مقهور بالاتّصاف بصفة الاختيار


 


ــ[68]ــ


 


ويكفي في تحقّق صفة الاختيار للإنسان تعلّق الإرادة الأزليّة بوجود نفس الإنسان .


 


ولا ريب في أنّ كلّ فعل صادر من الإنسان بإرادته له مباد ، كعلم بفائدته وكشوق إليه ، وقدرة عليه ، واختياره في أن يفعله وأن لا يفعله، وإرادته المحرّكة نحوه ، وعليه يكون للفعل الصادر من الإنسان نسبتان :


 


إحداهما إليه باعتبار تعلّق اختياره به ، الذي هو من لوازم وجود الإنسان المجعولة بجعله لا بجعل مستقل .


 


والاُخرى إلى الله تعالى باعتبار إيجاد العلم بفائدة ذلك الفعل في نفس فاعله وإيجاد قدرته عليه ، وشوقه إليه ، إلى غير ذلك من المبادي التي ليست من لوازم وجود الإنسان ، وليست مجعولة بجعله بل بجعل مستقلّ منه تعالى .


 


فحينئذ لا يكون الفعل الصادر من الإنسان بإرادته مفوّضاً إليه بقول مطلق ولا مستنداً إليه تعالى كذلك ليكون العبد مقهوراً عليه ، ومعه يصحّ أن يقال : لا جبر في البين ، لكون أحد مبادي الفعل هو اختيار الإنسان المنتهي إلى ذاته ، ولا تفويض بملاحظة كون بقيّة مباديه الاُخرى مستندة إليه تعالى ، ولا مانع من أن يكون ما ذكرنا هو المقصود بقوله (عليه السلام) : «لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين أمرين»(1) انتهى .
 


 


ويرد على ما ذكره :


 


أوّلا : أنّ ذلك لو تمّ وكان الاختيار مجعولا بجعل أصل وجود الإنسان لم يصحّ العقاب على الفعل المترتّب عليه ، فإنّ مبادي الفعل حينئذ بين ما هو متعلّق الإرادة الأزليّة مستقلا ، كالعلم والقدرة والشوق ونحوها ، وما هو متعلّق لها  بتعلّق الإرادة بأصل الوجود وكونه مجعولا بجعله، وبذلك يكون الفعل ضرورياً لا محالة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بدائع الأفكار : 203 ـ 205 .


 


ــ[69]ــ


 


ومعه لا يبقى مجال للتكليف بالبعث أو الزجر ، ولا لصحّة العقاب على المخالفة كما عرفت .


 


وثانياً : أنّ جعل الاختيار ـ الذي هو أمر يحدث بعد وجود الإنسان بكثير ـ من لوازم الوجود من الغرائب ، فإنّ لازم الوجود غير قابل الانفكاك عنه والاختيار ليس كذلك بالضرورة .


 


نعم كون الإنسان مالكاً لاختياره ـ بمعنى سلطنته عليه ـ من لوازم وجوده في الجملة ، إلاّ أنّه عبارة اُخرى عن قدرته على الفعل والترك ، وليس أمراً آخر في قباله ، وقد صرّح في العبارة المتقدّمة بكون القدرة مجعولة بجعل مستقل من الله تعالى .


 


وثالثاً : أنّ لازم الوجود إذا كان موجوداً بوجود غير ملزومه كيف يعقل جعله بجعل ملزومه ، وهل الجعل غير الإيجاد ، وهل الإيجاد غير الوجود المتّحد معه بالذات والمختلف معه بالاعتبار . فإذا كان الوجود متعدّداً كان الجعل متعدّداً بالضرورة ، غاية الأمر يكون الجعلان متقارنين زماناً ، وأين هذا من وحدة الجعل وتعدّد المجعول .


 


ورابعاً : أنّ ما ذكره من كون اللازم لازماً للوجود مرّة وللماهية اُخرى كلام مشهور لا أصل له ، إذ الماهيّة لا تقرّر لها في وعاء لها ليعرض لها شيء ، بل العوارض كلّها للوجود ، غاية الأمر أنّ بعضها لا يختصّ بالوجود الخارجي ، بل يعرض له وللوجود الذهني أيضاً ، كالزوجية للأربعة ونحوها .


 


هذا آخر ما أردنا نقله من بيانات القدماء من الفلاسفة ومن حذا حذوهم وما تيسّر لنا من تحقيق الحقّ فيها ، وممّا لابدّ منه للخائض في أمثال هذه المسائل العويصة أن يجرّد قصده لكشف الحقائق ومعرفة طرقه ، ولا يغترّ بالاصطلاحات الرهيبة والخطابيات المدهشة ، فإنّ مثلها مثل الكابوس تنفعل منه النفس وليس 


 


ــ[70]ــ


 


وراءه شيء من الحقيقة ، وأنّ الاصطلاح يمحوه الاصطلاح ، والحقائق باقية على حالها لم تزل ولا تزال (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الاَْرْضِ) .


 


 


 


في بيان كيفية صدور الأفعال عند المتأخّرين من الفلاسفة


 


ولمّا تمّ الكلام في بيانات القدماء من الفلاسفة شرعنا فيما ذهب إليه المتأخّرون منهم ، أعني بهم من قارب عصورنا المتأخّرة .


 


وقد بنى بعضهم هذه المسألة ـ الجبر والاختيار ـ على المذهبين المعروفين : مذهب العلّية العامّة ومذهب الغاية ، ولمّا كان بيان الابتناء يتوقّف على معرفة حقيقة المذهبين لم نر بُدّاً من تقديم مقدّمة في توضيحهما ، فنقول :


 


إنّ معنى مذهب العلّية العامّة هو اعتبار العالم دائرة مقفلة من الحوادث يتّصل بعضها ببعض اتّصالا علّياً بحتاً ، لا دخل لاختيار الإنسان فيه ، وأنّ كلّ ما يحدث من الحوادث قد قدّر أزلا واُحصي عدداً ، كما لو كان نتيجة لعملية حسابية عظمى قام بها عقل محاسب .


 


وقد ذهب إلى هذا المذهب كثير من المتأخّرين ، وقد قام بالبرهنة عليه في كتاب نظام الطبيعة على ما حكاه عنه في المدخل إلى الفلسفة(1).


 


وممّن أصرّ على هذا المذهب صاحبا كتاب الأخلاق مؤيّدة بالدليل الهندسي وكتاب العالم فإنّهما على ما حكاه عنهما صاحب قصّة الفلسفة الحديثة يقولان ـ والعبارة لصاحب كتاب العالم ـ : إنّ الله قد دفع العالم دفعة واحدة منذ البداية كانت نتيجتها كلّ هذه الحركات التي تطرأ على الأجسام المادية كائنة ما كانت
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المدخل إلى الفلسفة : 222 ـ 223 .


 


ــ[71]ــ


 


وكلّ حركة من حيوان أو إنسان إن هي إلاّ نتيجة حتمية آلية لتلك الدفعة الإلهية الاُولى ، فإذن العالم كلّه بما فيه من أجسام آلية تسير مجبرة(1).


 


وقد نقل عن الأوّل منهما : أنّ ما نشعر به في أنفسنا من حرّية في العمل فليس سوى جهل بالأسباب التي تؤدّي إليه ، وكما تلزم الخواص الهندسية للمثلّث من طبيعة شكل المثلّث ، كذلك يلزم سلوك كلّ كائن حي من محض طبيعته(2).


 


هذا هو مقتضى قاعدة العلّية العامّة ، وأحسن عبارة كاشفة عنه هو ما سمعته من اعتبار العالم دائرة مقفلة من الحوادث ، يتّصل بعضها ببعض اتّصالا علّياً بحتاً . وقد وعدنا سابقاً أن نذكر إحدى شبهات الأشاعرة عند هذا البحث ، وهاهي التي نقرّرها مستوفى .


 


ولا يخفى أنّ هذا التعابير التي نقلناها من مصادرها لا تبعد عن اتّفاق القدماء من الفلاسفة بذهابهم إلى اعتبار الكون كلّه منظّماً بنظام جملي، بعضه علل وبعضه معاليل وغايات ، ومن المستحيل وقوع التخلّف والتبدّل فيما هو اقتضاء السلسلة (الدائرة المقفلة) هذا هو مقتضى القانون المعروف عند المتأخّرين بقانون العلّة العامّة .


 


وأمّا مذهب الغاية فقد فسّره في المدخل إلى الفلسفة بقوله : وتظهر لنا فكرة الغاية كما تظهر في الكائن الحي الذي تعمل أعضاؤه ووظائفه وتؤثر أجزاؤه المختلفة بعضها في بعض من أجل المحافظة على نفسه وعلى نوعه ، بل إنّنا ننتقل من فكرة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قصّة الفلسفة الحديثة 1 : 131 (حيث حكاه عن ديكارت صاحب كتاب العالم ضمن ترجمة سبينوزا) .
(2) قصّة الفلسفة الحديثة 1 : 159 (حكاه عن سبينوزا صاحب كتاب الأخلاق ...) ، المدخل إلى الفلسفة : 224 (ولا يخفى أنّ العبارة ذكرت في المصدر الأوّل مضموناً) .


 


ــ[72]ــ


 


الغاية في الكائن الحي إلى الغاية في الطبيعة برمّتها ، فننظر إليها على أنّها هي أحرى(1) نظام اُ لّف على نحو معيّن لتتحقّق منه غاية عامّة ، والغاية القصوى التي نعتقد أنّ العالم يجري نحوها في تطوّره غاية أخلاقية ، لأنّنا نلحّ دائماً في السؤال بما هي الغاية ، أو بما هو الغرض من كيت وكيت ، حتّى نصل إلى هدف أخلاقي ما(2).


 


ومعنى هذا المذهب ـ كما تراه من العبارة وغيرها المذكور في محلّه ـ أنّ الكون بمعناه المطلق وإن كان تحت نظام تامّ ، إلاّ أنّ الأفعال الواقعة فيه إنّما تقع لتحصيل غايات ، وترتّبها على الأفعال والحركات من قبيل ترتّب الأخلاق على الأعمال فإنّ الأخلاق ليست مندمجة تحت النظام ، بل هي متحصّلة من النظام وأطواره .


 


وإذا عرفت حقيقة المذهبين فنقول : إنّ ابتناء الجبر والاضطرار في الأفعال على المذهب الأوّل في غاية الظهور ، بداهة استحالة تصرّف الإنسان الداخل في الكون ـ الدائرة المقفلة ـ بشيء من التصرّف . وجوابه ما عرفته سابقاً(3) في إثبات الاختيار مع الالتزام بالنظام الجملي، فلا حاجة إلى الإعادة .


 


وأمّا ابتناء الاختيار على المذهب الثاني ـ مذهب الغاية ـ فلوضوح أنّ سؤالنا لماذا فعلت هذا وتركت ذلك ، وجوابه فعلته لغاية كذا أو تركته لكذا ، ينمّ عن بداهة الاختيار ] و [ دليل ظاهر على الاختيار ، ضرورة أنّه لا معنى للمسؤولية عن فعل أو ترك غير اختياري ، أفهل يعترض على أحد بحركة نبضه أو بعدم طيرانه في الجو بغير آلة ؟


 


وبالجملة : إنّ هذا المذهب الذي هو في الحقيقة إرجاع الإنسان إلى وجدانه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الموجود في المصدر : الأخرى .


 


(2) المدخل إلى الفلسفة : 212 .


 


(3) راجع ص54 .


 


ــ[73]ــ


 


وبداهة عقله هادم أساس القول بالجبر ، وما بنى عليه تخيّلات القائلين به من الاصطلاحات الفارغة عن الحقيقة .


 



البيان الثاني للمتأخّرين


 


ذهب عدّة من المتأخّرين إلى تبعيّة الأفعال للأوصاف والنعوت المنتقلة من الآباء والاُمّهات بقانون الوراثة ، كصاحبي مجلّة الحيوان(1) وكتاب أصل الأنواع(2) وغيرهما ممّن رأى انتقال الصفات من الضروريات في القوانين الكونية ولهم في تقريبه بيانات مختلفة ، ذكرنا بعضها في التعليم(3) ولا نحتاج إلى نقلها في المقام .


 


والذي نقول في الجواب هو : أنّ ثبوت الوراثة في ظواهر الأجسام النامية والحيّة وإن كان مسلّماً في الجملة ، وقد أسهبنا البحث عنه في التعليم إلاّ أنّ ثبوتها في الأوصاف الأوّليّة غير العارضية محلّ نظر ، بل منع رأساً .


 


ونعني بالأوصاف الأوّليّة ما يكون جميع أفراد النوع بما هي أفراد النوع واجدة لها ، كالتعجّب والضحك مثلا ، فإنّ هاتين الصفتين اللتين هما من لوازم النفس الناطقة : الاُولى بواسطة إدراك الكلّي والثانية بواسطتهما ، ممّا لا يقبل الوراثة ولا يخضع لها أصلا ، ومن هذا القبيل القدرة على الفعل والترك .


 


فهذان البيانان ـ أي بيان مذهب العلّة وقاعدة الوراثة ـ هما عمدة ما استدلّوا به على الجبر والاضطرار ، وأمّا بياناتهم الاُخر فأكثرها استدلالات للاختيار
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم نعثر عليها .
(2) أصل الأنواع (تشارلز داروين) : 131 وما بعدها .
(3) لم نعثر عليه ، نعم ذكر المقرّر البحث في كتاب جبر واختيار : 148 (باللغة الفارسية) .


 


ــ[74]ــ


 


وبعضها في غاية الجودة والمتانة .
 


 


البيان الثالث للفلاسفة المتأخّرين


 


وقد أوضحوا حقيقة صدور الأفعال ببيان آخر نبيّنه بأكمل وجه ، ولعلّ المراجع يفهم غير ما ظهر لنا من هذا البيان ، وهو تقسيم البحث عن الفعل باعتبار جهات ثلاث .


 


والذي دعاهم إلى هذا التفصيل هو أنّ كلّ كائن حي أو غير حيّ من الجواهر أو من الصفات قد لا يكون للبحث فيه من جهة واحدة شيء محصّل ، بل لابدّ من ملاحظة اختلاف جهات البحث ، ولذلك حاولوا تحليل صدور الفعل مع ملاحظة تلك الجهات الثلاث : الاُولى جهة البحث الفلسفي ، الثانية : جهة البحث النفسي ، الثالثة : جهة البحث الأخلاقي ، فليس البحث عن صدور الفعل ذا جهة بسيطة كي يدور الإثبات والنفي عليها وحدها .


 


فبالنظر إلى الجهة الاُولى ـ وهي ربط الفعل بالقوانين الفلسفيّة ـ يبدو الفعل إجبارياً ، وقد مرّ بيان الاستدلال والجواب مسهباً .


 


وأمّا جهة البحث النفسي فمقتضاها اختيار الإنسان في أفعاله وتروكه ، لظهور حكم الوجدان بكون النفس ذات قوّة حقيقية بها توجب اختيار الفعل في حين أنّه قادر على اختيار الآخر وتركهما ، وإنّما نعرف وجود تلك القوّة بمعونة الأفعال وتعقّبها بالغايات التي جعلها الفاعل أهدافاً لأفعاله .


 


وأمّا جهة الأخلاق فهي أوضح من اُختيها ، فلا نطيل الكلام فيها .


 


ولكن الذي نرومه في المقام هو بيان أنّ القوانين الفلسفية المزعوم أنّها تؤدّي إلى الجبر مأخوذة من أحد طريقين : إمّا من طريق العقل كالقوانين غير المرتبطة بالمحسوسات موضوعاً ومحمولا ونسبة ، وإمّا من طريق المحسوسات كقاعدة الوراثة 


 


ــ[75]ــ


 


عندهم أو الملازمة بين الحركة والنور مثلا ، فإذا لم يدلّنا أحد الطريقين على مطلوب لا تطمئنّ إليه نفوسنا .


 


ولا يخفى أنّ البحث النفسي أو الأخلاقي اللذين ينتجان نتيجة كلّية وضابطة عامّة يكشفان لا محالة عن أنّ ما أثبتناه إنّما هو مقتضى القوانين الفلسفية أيضاً .


 


وبه تعرف فساد توهّم من ذهب إلى أنّ مقتضى القانون العلمي هو الجبر ومقتضى القوانين الدولية والمقرّرات الحكومية القضائية والجزائية وغيرها هو الاختيار . ووجه الفساد : أنّ من المعلوم شدّة اختلاف قوانين الاُمم والأقوام باختلاف عاداتها ومعتقداتها ، ومع ذلك لم تشذّ واحدة منها في السؤال عن الفعل والجزاء طبق ما وقع عليه ، وهل يعقل أن يكون ذلك من باب البناء والتعبّد المحض ، بل لا استبعاد في كون اختيارية الأفعال من أوّل الضروريات حيث لم يختلف فيها اثنان ، لما ذكرناه من المسؤوليات والقضاء في جميع محاكم العالم ، بخلاف(1) الضروريات حيث ذكرنا سابقاً كثرة وقوع الخلط والاشتباه فيها .


 


وهناك بيان رابع يظهر منه التفويض ، وهو أنّ الله تبارك وتعالى إنّما جعل الكون منظّماً بقوانين تكوينية يتبعها ، وأمّا بقاءً فهي تابعة لشؤون نفس المادّة وحركاتها وسكناتها .


 


والجواب عنه يظهر بما سنذكره في مذهب المفوّضة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لعلّ هناك كلمة ساقطة هنا وهي « سائر » إن كان المقصود عدم وقوع الاختلاف في خصوص أوّل الضروريات أو « غير » إن كان المقصود عدمه في كلّ ضرورية ، ولا يخفى عدم ذكره سابقاً بوضوح ، راجع ص24 وما بعدها .


 


ــ[76]ــ


 


 


 


الكلام في مذهب المفوّضة


 


قد اُطلق هذا المذهب عند القدماء على معان كما عن صاحب مصابيح الأنوار(1) وقد أشار إليه المحدّث المجلسي (قدّس سرّهما) أيضاً في المجلّد الثالث من البحار في باب القضاء والقدر(2).


 


أحدها : تفويض الله الأمر إلى العباد ، بحيث لا تأثير لسلطنته تعالى في أفعال العباد أصلا .


 


ثانيها : رفع الحظر عن العباد في أفعالهم وإباحتها لهم . وقد مال إلى هذا القول جمع من المتأخّرين أيضاً .


 


ثالثها : تفويض أمر الخلق وما يتبعه من الشؤون إلى بعض عباده .


 


وهو باطل بجميع معانيه .


 


أمّا الأوّل : فلما قلنا سابقاً كراراً من أنّ شأن الممكن هو الافتقار في جميع أطواره وأحواله ، وأنّه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ، فهو في جميع آنات وجوده الممتدّة مفتقر إلى إفاضة الله سبحانه وتعالى ، فكيف يعقل أن يكون مستقلا في شؤون نفسه ، ولا سيّما بناءً على الحركة الجوهرية الثابتة عند المحقّقين من الفلاسفة . والقول بعدم سلطنته تعالى بقاءً يستلزم استغناء الممكن في بقائه ، وهو أمر مستحيل .


 


وأمّا الثاني : فهو يستلزم تكذيب جميع الأديان ، وإبطال جميع الشرائع ومناف لحكم العقل بلزوم بعث الرسول لهداية البشر إلى طريق سعادته الأبدية وحفظ النظام عن الاختلال .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصابيح الأنوار 1 : 135 .
(2) لاحظ بحار الأنوار 5 : 84 ـ 135 .


 


ــ[77]ــ


 


وأمّا الثالث : فهو أيضاً مخالف لضرورة العقل والدين ، فإنّه تعالى هو الخالق والرازق ، وأنّ له السلطنة التامّة والغناء المطلق ، وأنّ جميع مخلوقاته تحت سلطنته وقدرته ، لا يستقلّ أحد منهم في فعله ، والآيات القرآنية في حصر الخلق والرزق وغيرهما من شؤون المخلوقات في كونها لله تعالى وحده كثيرة ، لا حاجة إلى ذكرها في المقام .


 


فإذا أمعنت النظر في جميع ما قلناه من أوّل البحث إلى هنا تعرف أنّ ما استدلّوا به لإثبات اضطرار العباد إلى أفعالهم إمّا ناشئ من الخلط في مقدّمات الاستدلال ، أو الغرور بالاصطلاح البحت أو تقليد الماضين ، وغيرها ممّا لا يرجع إلى شيء محصّل .


 


وقد عرفت أيضاً بطلان استقلال العبد في شؤونه وأفعاله ، فلا مناص من الالتزام بما ذهبت إليه الإمامية من الأمر بين الأمرين ، فإنّه الذي يحكم به الوجدان والأدلّة العقلية ، وقد نطقت به الآيات القرآنية والروايات المأثورة عن أهل البيت (سلام الله عليهم) كما سنذكر بعضها عن قريب إن شاء الله تعالى(1).


 


هذا تمام الكلام في الأدلّة العقلية للمذاهب في الأفعال والنظر فيها . ونشرع الآن في الأدلّة النقلية من الآيات والروايات ، مستعينين بالله الحكيم العدل .
 


 


في تقسيم الآيات الدالّة على الاختيار


 


اعلم أنّ الآيات التي يمكن أن يستفاد منها الاختيار على أقسام خمسة :


 


الأوّل : ما يكون منها في قوّة التصريح بالاختيار .


 


الثاني : ما يدلّ منها على كون بعث الرسل وإنزال الكتب إنّما هما لإتمام
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص94 .


 


ــ[78]ــ


 


الحجّة ، وعدم تعذيبه تعالى إيّاهم إلاّ بعده .


 


الثالث : ما يدلّ على نفي الظلم عن الله سبحانه .


 


الرابع : ما وقع فيها إسناد الأفعال إلى نفس العباد .


 


الخامس : الآيات التي تدلّ على خطاب الله تبارك وتعالى العصاة يوم القيامة ، واعترافهم بتقصيرهم فيه .


 


وهذه الآيات آيات محكمة ، وظاهرة الدلالة على المطلوب .


 


وأمّا ما استدلّ به من الآيات على كون العباد مضطرّين في أفعالهم فسيجيء الجواب عن الاستدلال بها فيما بعد إن شاء الله تعالى(1).


 


ولا يخفى أنّا لا نورد من أقسام الآيات المذكورة إلاّ نموذجاً من كلّ قسم ، لأنّ إيراد جميعها يقتضي التفصيل كثيراً ، ولا حاجة إليه بعد وضوح الحقّ وظهوره .


 


أمّا القسم الأوّل : فكقوله تعالى : (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ)(2).


 


وقوله تعالى : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَىِّ)(3).


 


وقوله تعالى : (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)(4).


 


وقوله تعالى : (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص82 وما بعدها .
(2) الأنعام 6 : 104 .
(3) البقرة 2 : 256 .
(4) البقرة 2 : 286 .


 


ــ[79]ــ


 


وَإِثْماً مُبِيناً)(1).


 


وقوله تعالى : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الخ(2).


 


وقوله تعالى : (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(3).


 


وقوله تعالى : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيل)(4).


 


وقوله تعالى : (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْس تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)(5).


 


وقوله تعالى : (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا)(6).


 


وقوله تعالى : (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)(7).


 


وقوله تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(8).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 112 .
(2) الأنعام 6 : 148 .
(3) الأعراف 7 : 28 .
(4) يونس 10 : 108 .
(5) النحل 16 : 111 .
(6) الإسراء 17 : 15 .
(7) الروم 30 : 44 .
(8) الجاثية 45 : 15 .


 


ــ[80]ــ


 


وقوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)(1).


 


وقوله تعالى : (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا)(2).


 


وقوله تعالى : (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)(3).


 


القسم الثاني : ما يدلّ على كون بعث الرسل وإنزال الكتب إنّما هو لإتمام الحجّة . وآياته كثيرة جدّاً ، ونذكر عدّة منها : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)(4) (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ)(5) (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا)(6).


 


وتقريب الاستدلال بهذا القسم من الآيات من جهتين :


 


الاُولى : ما ذكرنا سابقاً(7) من قبح العقاب على الفعل الاضطراري ، فإنّه ظلم والله عدل حكيم ، ومن هذه الجهة يشترك هذا القسم مع القسم الثالث .


 


الثانية : لزوم التكليف بما لا يطاق ، فإنّ بعث الرسول للعبد المجبور لأن يكلّفه بفعل ليس في اختياره تكليف بما لا يطاق ، مع لزوم لغويّته.


 


القسم الثالث : ما يدلّ على نفي الظلم عنه تعالى ، كقوله عزّ من قائل : (إِنَّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإنسان 76 : 3 .
(2) الإنسان 76 : 29 .
(3) الشمس 96 : 8 ـ 10 .
(4) القصص 28 : 59 .
(5) الشعراء 26 : 208 .
(6) الإسراء 17 : 15 .
(7) في ص45 وما بعدها .


 


 


 


ــ[81]ــ


 


اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة)(1) وكقوله تعالى : (وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)(2) (أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ)(3) (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(4) وتقريب الاستدلال بها ظاهر .


 


وأمّا إنكار الأشعري لقبح الظلم على الله فقد عرفت(5) ما فيه ، وأنّ حكم العقل بقبحه لا يختصّ بفرد دون فرد ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً . على أنّ الآيات المزبورة دالّة على عدم الوقوع لا محالة ، وهذا المقدار كاف في عدم صحّة العقاب على أمر غير اختياري .


 


القسم الرابع : ما وقع فيها إسناد الأفعال إلى نفس العباد . وهذا القسم شامل لجميع القرآن إلاّ الأحكام والوعد والوعيد كما لا يخفى ، كقوله تعالى : (الَّذِينَ كَفَرُوا)(6) (الَّذِينَ آمَنُوا)(7)، (السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ)(8)، (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي)(9).


 


القسم الخامس : الآيات الدالّة على ندامة الكفّار يوم القيامة ، كقوله : (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً)(10)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 40 .
(2) البقرة 2 : 281 ، آل عمران 3 : 25 ، 161 ، الأنعام 6 : 160 ، وغيرها من الآيات .
(3) آل عمران 3 : 182 ، الأنفال 8 : 51 ، الحجّ 22 : 10 .
(4) يونس 10 : 44 .
(5) في ص46 .
(6) البقرة 2 : 6 ، 26 ، 39 وغيرها ممّا في سورة البقرة وغيرها .
(7) البقرة 2 : 25 ، 62 ، 82 وغيرها ممّا في سورة البقرة وغيرها .
(8) المائدة 5 : 38 .
(9) النور 24 : 2 .
(10) النبأ 78 : 40 .


 


ــ[82]ــ


 


 أو خطابه تعالى : (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ)(1) (يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)(2) وغيرها من الآيات الواردة بهذا العنوان .


 


ووجه الاستدلال بها أنّه لو لم تكن الأفعال اختيارية فلماذا هذه الندامة ولماذا هذا الخطاب .


 


فإذا تبيّن دلالة الآيات الكثيرة على الاختيار فلا يبقى وزن لدعوى الأشعري دلالة بعض الآيات على الاضطرار ، مع أنّ جميع تلك الآيات غير ظاهرة فيما يدّعيه كما ستقف عليها .


 


والوجه في ذلك : أنّ ما ادّعي من الآيات التي تدلّ على الاضطرار لا يخلو عن أحد أقسام ستّة :
 


 


في التكلّم في الآيات التي توهّم دلالتها على الاضطرار


 


الأوّل : ما يقترن بالقرائن السابقة أو اللاحقة التي تمنع عن انعقاد ظهور الآية في المقصود ، كقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(3).


 


والجواب : أنّ هذه الآية إنّما وردت في طائفة خاصّة ، ضرورة أنّ جميع الكفّار ليسوا ممّن لا ينفعهم الإنذار ، فإنّ كثيراً منهم قد اهتدوا بهداية النبي الأكرم وأوصيائه الكرام بل بتبليغ سائر المسلمين وإرشادهم ، فالمراد طائفة خاصّة من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحجّ 22 : 10 .
(2) النبأ 78 : 40 .
(3) البقرة 2 : 6 ـ 7 .


 


ــ[83]ــ


 


الكفّار ، وهم الذين تعصّبوا في كفرهم وعاندوا الإسلام والمسلمين ووصلوا إلى حدّ لا ينفعهم الإنذار ، فلهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، اُولئك كالأنعام بل هم أضل ، اُولئك هم الغافلون ، فالختم مستند إلى اختيارهم الكفر ومعاندتهم الحقّ، دون العكس .


 


فالمتحصّل من الآية المباركة : أنّ الكفر ربما يصل إلى حدّ لا ينفع معه الإنذار والمراد بالختم المنسوب إلى الله تعالى إمّا الختم الحقيقي المشاهد للملائكة ، وإمّا الختم المجازي المراد به انتهاء أمرهم وحرمانهم من تسديد الله تعالى وتوفيقه وهدايته . وكيف كان ، فهو مستند إلى اختيارهم الكفر ، ومترتّب عليه .


 


فإن قلت : ظاهر الآية يدلّ على خروجهم عن القدرة بالمرّة ، وهذا ينافي صحّة إسناد الفعل والترك إليهم .


 


قلت : كلاّ ، فإنّ غاية ما يستفاد من الآية المباركة هو بلوغ تلك الطائفة غاية الكفر والشقاء وأنّهم لا يؤمنون ولا يتأثّرون بالإنذار ، وليس في ذلك دلالة على عدم قدرتهم على الإيمان أصلا .


 


على أنّه لو سلّم ذلك لم ينفع الخصم ، لأنّ الخروج عن القدرة بالاختيار ، ولا ينافي الاختيار ، أما ترى صحّة لوم من ألقى نفسه من شاهق مع أنّه غير قادر على حفظ نفسه بعد إلقائه .


 


وأمّا قوله تعالى : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)(1) فليس فيه أدنى إشعار بكون الإنسان مسلوب الاختيار ، فإنّ المراد بالمرض الموجود فيهم إن كان هو الحقد والحسد والعناد ونحو ذلك فزيادته بظهور شوكة الإسلام وقوّته أمر ظاهر ، فإنّه كلّما قوي الإسلام وزادت شوكته زاد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة 2 : 10 .


 


ــ[84]ــ


 


حقد المعاندين وحسدهم بالضرورة ، وإن كان المراد به الكفر وعدم الخضوع للحقّ فالأمر أيضاً كذلك ، فإنّ كفر الكفرة يشتدّ لا محالة بمعارضة الإسلام ومعاداته .


 


فالغاية من بعث الرسول وإنزال الكتاب وإن كانت هداية الناس أجمعين ، إلاّ أنّ من أعرض عن الدين واتّبع شهواته ولم يكترث بغير الحياة الدنيا وعارض النبي الأكرم وشريعته يزيد طغيانه وشقاؤه ، فالمؤمن باتّباعه الحقّ واختياره الإيمان يصل إلى مرتبة الهداية والفلاح ، كما أنّ الكافر باتّباعه الباطل واختياره الكفر يزاد في كفره وشقائه ، وكلّ ذلك مستند إلى الاختيار (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)(1).


 


الثاني : الآيات الواردة في وقائع شخصية ، كقوله تعالى : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ)(2) وغيره ممّا ورد في أشخاص مخصوصين وأقوام معيّنين .


 


والجواب عنها : أنّ أكثر هذه الموارد محفوفة بالقرائن السابقة أو اللاحقة من نفس الآيات من أنّهم اُنذروا واُبشروا بتعاليم الدين ، كقوله تعالى : (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)(3) ولم يعتدّوا بها بل غرّتهم الحياة الدنيا فاختاروا الكفر والعصيان ، هذا فيما لو كانت الآية ظاهرة في تحقّق ذلك منهم ، وأمّا فيما لو كانت دالّة على لحوق الشقاء وأنّ مصير الشخص الخاصّ أو قوم إلى الشقاء ، فقد قلنا إنّه إنّما أخبر الله تبارك وتعالى بوقوع الشقاء منهم بمباديه الاختيارية .


 


الثالث : ما ورد من كون جميع ما كان وما يكون وما هو كائن ثابت في اُمّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإنسان 76 : 3 .
(2) المسد 111 : 1 .
(3) فصّلت 41 : 17 .


 


ــ[85]ــ


 


الكتاب ، أو اللوح المحفوظ(1).


 


والجواب عن مثل هذه الآيات كالجواب عن تعلّق العلم بالأفعال ، فيكون ثبوت الأفعال والأعمال في اللوح المحفوظ على واقعها الذي ستقع عليه بمباديها ومقتضياتها ، وسيأتي تفصيل ذلك في باب القضاء والقدر إن شاء الله تعالى(2).


 


الرابع : الآيات التي دلّت على كون الأفعال والتروك متعلّقة بمشيّته تعالى الظاهرة في تبعيّتها لها ، وهي على قسمين :


 


الأوّل : ما يدلّ على النهي عن إسناد الفعل إلى العبد نفسه إلاّ بمشيّة الله ، كقوله تعالى : (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَىْء إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ)(3).


 


ولكن لا يخفى أنّ ظاهر الآية الشريفة هو النهي عن القول بكون العبد فاعلا تامّاً إلاّ أن يشاء الله نقض فاعليته ، وبعبارة واضحة : أن لا يتخيّل ويزعم العبد أنّه هو الفاعل ، وأنّه المحصّل لجميع شرائط الفاعلية ومقتضياتها إلاّ أن يمنع الله تبارك وتعالى عن تأثير فاعليته بمشيّته كما زعمه المفوّضة على ما سبق(4) في شرح عقيدتهم ، ففي الحقيقة أنّ الآية وما شابهها من الأدلّة الرادّة على المفوّضة .


 


الثاني : ما يدلّ على تعلّق المشيّة بنفس الفعل ، كقوله تعالى : (يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)(5) ممّا لم يحتف بالقرائن الصارفة عن ظهوره ، ولمّا كان هذا القسم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لعلّ الظاهر إرادة قوله تعالى : (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) الرعد 13 : 39 ، وقوله تعالى : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ) البروج 85 : 21 ـ 22 .
(2) في ص97 .
(3) الكهف 18 : 23 ـ 24 .
(4) في ص29 .
(5) النحل 16 : 93 ، فاطر 35 : 8 .


 


ــ[86]ــ


 


يشمل عدّة آيات لذلك جعلناه :


 


القسم الخامس من الآيات ، ولنمهّد للجواب عن هذا القسم مقدّمة كثيرة الفائدة ، وبها يظهر الجواب عنها وافياً .


 


فنقول : إنّ الهداية على ما يظهر من موارد استعمالها تطلق على معان :


 


الأوّل : الهداية التكوينية ، التي هي إفاضة الوجود على الكائنات ، وجعلها منظّمة وخاضعة للسنن الكونية ، كتبعية وجود المعاليل لوجود عللها ، والترتيب الثابت في الحركات والأفاعيل والانفعالات الإدراكية وغير الإدراكية مع ترتيب غايات وأغراض لها ، بحيث لا تتحصّل تلك الغايات إلاّ على ما جعل الترتيب عليه ، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في سورة طه : (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)(1) وقوله تعالى في سورة الأعلى : (الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)(2).


 


الثاني : الهداية التشريعية ، وهي إنزال الكتب وإرسال الرسل وسائر أسباب تبليغ الشرائع من الأوصياء وغيرهم ، كقوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)(3) وهذا القسم من الهداية لا يكون إلاّ على نحو إراءة الطريق وأنّه أيّ طريق يوصل العبد إلى المطلوب لو سلكه باختياره .


 


الثالث : الهداية الموصلة إلى المطلوب ، وهذا يقابل القسم الثاني ، إذ ليس لهذا المهدي اختيار قبول الهداية وعدمه ، كقوله تعالى في سورة الأنعام : (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طه 20 : 50 .
(2) الأعلى 87 : 3 .
(3) الإنسان 76 : 3 .
(4) الأنعام 6 : 149 .


 


ــ[87]ــ


 


الرابع : الهداية بمعنى توجيه مقتضيات الخير والعبودية على نحو غير مناف لاختياره ، كتولّد العبد في الجامعة الفاضلة ومن أبوين تقيّين ، أو فقدان أسباب المعصية وأمثالها ممّا يكون دخيلا في توجّه العبد إلى الخيرات وإعراضه عن الشرور ، لا كدخل العلل التامّة بل العلل المعدّة في معاليلها .


 


فإذا عرفت المقدّمة تظهر لك منها نتيجتان :


 


الاُولى : ارتفاع الاختلاف عمّا يتراءى عن بعض الآيات في بادئ النظر حيث دلّ بعضها على أنّ الله تعالى هدى الناس أجمعين ، ودلّ بعضها الآخر على أنّه إنّما هدى البعض دون بعض ، فإنّ ما دلّ على هداية جميع الناس ناظرة إلى المعنى الثاني ، وما دلّ على اختصاصها ببعض دون بعض ناظرة إلى المعنى الرابع .


 


الثانية : ما نحن بصدده من الجواب عن الآيات الظاهرة في استناد الهداية والضلالة إلى مشيّته ، وهي تعلّق المشيّة بتوجيه تلك المقتضيات إلى العبد إن شاء هدايته وسلبها عنه إن شاء ضلالته ، وذلك من دون منافاة بين هذا التعلّق واختيار العبد .


 


السادس : الآيات التي ادّعيت صراحتها في اضطرار العباد في أفعالهم وتروكهم ، كقوله تعالى في سورة الأنفال : (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى)(1).


 


والجواب عنه بالحلّ أوّلا ، وبالنقض ثانياً .


 


أمّا الحلّ فبالنظر إلى مورد نزول الآية الشريفة ، حيث إنّها نزلت في غزوة بدر على ما عن المفسّرين ، مستندين فيه إلى الروايات الواردة في المقام ، منها ما نقله الفيض في الصافي عن القمّي « أنّ قريشاً لمّا جاءت بخيلائها أتاه جبرئيل فقال : خذ قبضة من التراب فارمهم بها ، فقال لعلي (عليه السلام) أعطني قبضة من حصاة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنفال 8 : 17 .


 


ــ[88]ــ


 


الوادي ، فأعطاه فرمى بها في وجوههم ، وقال : شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلاّ شغل بعينيه ، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ، ثمّ لمّا انصرفوا أقبلوا على التفاخر ، فيقول الرجل قتلت وأسرت »(1) الحديث .


 


فإنّ من المعلوم عدم كفاية قدرة البشر على مثل هذه الغلبة ، فنفي الرمي عنه (صلّى الله عليه وآله) إنّما هو لإثبات أنّه من المعجزات وخوارق العادة ، وأن لا يتفاخر المؤمنون بما فعلوا في إثره من القتل والأسر .


 


ومثلها قوله تعالى في الآية السابقة : (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ) .


 


وأمّا النقض فبأنّه لو كان المقصود إسناد الفعل المطلق الصادر عنه (صلّى الله عليه وآله) إليه تعالى لكان من التناقض الظاهر ، كأن يقال : وما أكلت إذ أكلت ، وما قمت إذ قمت ، وما صلّيت إذ صلّيت . وفساده أظهر من أن يخفى .
 


 


الجواب العام عن كلّ ما هو ظاهر في الاضطرار


 


ثمّ لا يخفى أنّه بعد الغضّ عن جميع ما ذكرناه من الأجوبة لنا وجه آخر عن جميع ما ادّعي ظهوره في اضطرار العباد إلى أفعالهم وتروكهم ، آية كانت أو رواية وهو احتفاف جميع ذلك بالقرينة ، وهي ما ذكرناه من الأدلّة العقلية ، وأظهرها الوجدان ، الذي هو قرينة متّصلة ، ومعها لا يبقى لهذه الآيات والروايات الآتية ظهور فيما ادّعي لو سلّم ظهورها فيه في نفسها ، كما هو الشأن في القرائن المتّصلة على ما هو الثابت في باب التفهيم والتفهّم وحكمة المحاورات العقلائية ، هذا مع وجود القرائن اللفظية الكثيرة من الآيات الصريحة في الاختيار ، والروايات التي سنذكرها إن شاء الله تعالى .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الصافي 2 : 287 .


 


ــ[89]ــ


 


 


 


الكلام في الاستدلال بالروايات الدالّة على الاختيار


 


إنّ الروايات الدالّة على إسناد الأفعال إلى العباد على أقسام ، منها : ما يكون ظاهراً فيه ، ومنها : ما يكون نصّاً وصريحاً في أنّ الفعل الصادر من العباد ليس بالإجبار ولا بالاضطرار ، بل على نحو الأمر بين الأمرين ، ومنها : ما يدلّ على نفي الظلم عنه تعالى .


 


وليعلم أيضاً أنّا لا نورد عن كلّ واحد من هذه العناوين إلاّ ما يكون نموذجاً للعنوان كما فعلناه في الآيات ، لأنّ استقصاء جميعها يحتاج إلى تأليف مجموعة مستقلّة مفصّلة .


 


أمّا القسم الأوّل : ففي الوافي نقلا عن الكافي مرفوعاً ، وغيرهما من كتب الحديث بعضها مرسلا(1) وبعضها مسنداً(2)، والعبارة عن الكافي على ما نقله في الوافي قال : كان أمير المؤمنين (عليه السلام) جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفّين إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه ، ثمّ قال : ياأمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله وقدر ؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : أجل ياشيخ ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من الله وقدر ، فقال له الشيخ : عند الله أحتسب عنائي ياأمير المؤمنين ، فقال له : مَه ياشيخ ، فوالله لقد عظّم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي مقامكم وأنتم مقيمون ، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ، ولا إليه مضطرّين ، فقال له الشيخ : وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرّين ، وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا ؟ فقال له : وتظنّ أنّه كان قضاءً حتماً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 5 : 95 / 19 .
(2) التوحيد (للصدوق) : 380 / 28 .


 


ــ[90]ــ


 


وقدراً لازماً ، إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، والأمر والنهي والزجر من الله ، وسقط معنى الوعد والوعيد ، فلم تكن لائمةٌ للمذنب ، ولا محمدةٌ للمحسن ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن ، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب ، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان ، وخصماء الرحمن ، وحزب الشيطان وقدرية هذه الاُمّة ومجوسها ، إنّ الله تبارك وتعالى كلّف تخييراً ، ونهى تحذيراً وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يُعصَ مغلوباً ، ولم يطع مكرهاً ، ولم يملِّك مفوّضاً ، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ، ولم يبعث النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً ، ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ، فأنشأ الشيخ يقول :


 


                               أنت الإمـام الذي نرجوا بطاعته        يـوم النجاة من الرحـمن غفرانا


 


                               أوضحت من أمرنا ما كان ملتبساً       جزاك ربّك بالإحسان إحسانا(2)


 


الرواية الشريفة من أحسن الروايات الواردة في المقام ، ولقد بيّنت عمدة ما في مسألتنا ـ الجبر والاختيار ـ من الغوامض والنكات المهمّة :


 


الاُولى : تقسيم القضاء والقدر إلى قسمين : حتميّين وغير حتميّين ، وأنّ الذي تعلّق منهما بالأفعال هو القسم الثاني ، غير الموجب لاضطرار العباد في أفعالهم وسيأتي لذلك زيادة توضيح في تفسير معنى القضاء والقدر إن شاء الله تعالى(3).


 


الثانية : تحقّق الملازمة بين كون الأفعال مقضيّاً عليها بالقضاء الحتم ، وبين بطلان الثواب والعقاب ، والأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، ولغوية المدح والذمّ لوضوح عدم كون المحسن فاعل الفعل الحسن ، والمذنب فاعل الفعل القبيح .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوافي 1 : 535 / ب54 ح1 ، الكافي 1 : 155 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح1 .
(2) في ص97 وما بعدها .


 


ــ[91]ــ


 


الثالثة : التصريح بتكليفهم وهم مختارون ، غير مكرهين ولا مضطرّين .


 


الرابعة : عدم تمليكه إيّاهم بحيث ينافي سلطانه جلّ وعلا كما يقوله المفوّضة .


 


بقيت في الرواية نكتة اُخرى ، وهي كيفية تصوير أولوية المذنب بالإحسان والمحسن بالعقوبة على فرض الإجبار والاضطرار ، وقد ذكر علماؤنا (رضي الله عنهم) في وجه الأولوية وجوهاً قد نقل بعضها في مصابيح الأنوار فراجع(1).


 


وفي الوافي عن الكافي باسناده عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « من زعم أنّ الله يأمر بالفحشاء فقد كذب على الله ، ومن زعم أنّ الخير والشرّ إليه فقد كذب على الله »(2).


 


وفي الوافي عن الكافي باسناده عن حفص بن قرط ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : من زعم أنّ الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله ، ومن زعم أنّ الخير والشرّ بغير مشيّة الله فقد أخرج الله من سلطانه ، ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة الله فقد كذب على الله ، ومن كذب على الله أدخله الله النار »(3).


 


ولا يخفى أنّ الرواية الشريفة ناظرة إلى الردّ على القولين ـ الجبر والتفويض ـ وإثبات الأمر بين الأمرين ، وذلك لأنّ القول باسناد المعاصي إلى الله مساوق للقول بأمره بالفحشاء ، وكذلك القول باستقلال العباد في خيراتهم وشرورهم من الأفعال
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصابيح الأنوار 1 : 118 ـ 120 .
(2) الوافي 1 : 539 / ب54 ح2 ، الكافي 1 : 156 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح2 .
(3) الوافي 1 : 540 / ب54 ح3 ، الكافي 1 : 158 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح6 .


 


ــ[92]ــ


 


مساوق للقول بالتفويض ، الذي هو إخراج الله عن سلطانه كما يراه المفوّضة ، فعليه تكون الجملة الأخيرة « ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة الله » بياناً لتعلّق المشيّة بالخير والشرّ ، فيكون معناها أنّ القدرة على الخير والشرّ حدوثاً وبقاءً ممّا تعلّقت به المشيّة ، كما عليه الإمامية .


 


والحاصل : أنّ المقصود من متعلّق المشيّة ليس نفس الخير والشرّ ، وإلاّ تكون مع الجملة السابقة ـ وهي قوله (صلّى الله عليه وآله) : « من زعم أنّ الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله » ـ في قوّة الناقض .


 


وفي الوافي عن الكافي باسناده عن هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) إنّ « الله أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون ، والله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد »(1).


 


ومعنى الرواية الشريفة كسابقتها في مقام الردّ على القولين ، حيث إنّ التكليف للمضطرّ من باب التكليف بما لا يطاق ، وهو ممّا لا يصحّ استناده إليه تعالى ، وكذلك مقتضى سلطنته تعالى أن لا يكون العبد غنيّاً في ذاته بحيث لا يحتاج إلى إرادته تعالى ومشيّته في إبقاء قدرته على الفعل .


 


وبهذا المضمون روايات الاستطاعة ، منها ما في الوافي عن الكافي باسناده عن علي بن أسباط ، قال : « سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الاستطاعة فقال : يستطيع العبد بعد أربع خصال : أن يكون مخلّى السرب ، صحيح الجسم ، سليم الجوارح ، له سبب وارد من الله . قلت : جعلت فداك فسّر لي هذا ، قال : أن يكون العبد مخلّى السرب ، صحيح الجسم ، سليم الجوارح ، يريد أن يزني فلا يجد امرأة ثمّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوافي 1 : 540 / ب54 ح4 ، الكافي 1 : 160 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح14 .


 


ــ[93]ــ


 


يجدها ، فإمّا أن يعصم نفسه فيمتنع كما امتنع يوسف (عليه السلام) أو يخلّي بينه وبين إرادته فيزني فيسمّى زانياً ، ولم يطع الله باكراه ولم يعصه بغلبة »(1).


 


والرواية الشريفة ممّا أوضح السرّ في المسألة ، ودلّت على أنّ ما أشرنا إليه سابقاً من استناد الفعل إلى الاختيار بمعنى عقد القلب من الأفعال الاختيارية ونفت كون الإرادة هي العلّة التامّة للفعل ، بحيث يوجب وجودها في النفس وجود الفعل في الخارج ، فإنّ التخلية بين النفس والإرادة مع إمكان أخذها ومنعها عن انجرارها إلى الفعل لا تعقل إلاّ بعد فرض عدم كون الإرادة علّة تامّة ، لاستحالة الانفكاك بينهما ، هذا.


 


وقد رأينا مع قصر الباع وقلّة التتبّع أنّ الروايات الواردة بهذا المضمون فوق التواتر .


 


القسم الثاني : الأخبار الدالّة على نفي الظلم عنه تعالى ، وقد عقد المحدّث الأعظم المجلسي (قدّس سرّه) باباً لهذا العنوان(2) ولم نورد منها لكثرتها .


 


ووجه الاستدلال بها في غاية الوضوح بعد قضاء العقل بأنّ العقاب على الفعل المضطرّ إليه من الظلم الذي قد استقلّ العقل بقبحه ، من دون فرق في من يتلبّس به .


 


القسم الثالث : وكان هذا القسم بترتيب عنوانه القسم الثاني ، وإنّما أخّرناه لتفصيله ، والأمر سهل .


 


وهذا القسم هو الذي صرّح بمذهبنا الإمامية ، وقد ادّعى تواتره من أهل الحديث غير واحد ، ونذكر عدّة منها للتبرّك :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوافي 1 : 547 / ب55 ح1 ، الكافي 1 : 160 / باب الاستطاعة ح1 .
(2) راجع بحار الأنوار 5 : 4 وما بعدها .


 


ــ[94]ــ


 


ففي البحار ، باسناده عن يونس ، عن غير واحد ، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) قالا : « إنّ الله عزّوجلّ أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها ، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون ، قال : فسئلا (عليهما السلام) هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا : نعم ، أوسع ممّا بين السماء والأرض »(1).


 


ومن طريق الكافي وتوحيد الصدوق ، عن محمّد بن يحيى الخزّاز ، عن طريق الكليني عمّن حدّثه ، وعن المفضّل بن عمر عن طريق الصدوق عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين »(2).


 


وفي الكافي عن صالح بن سهل ، عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سئل عن الجبر والقدر ، فقال : لا جبر ولا قدر، ولكن منزلة بينهما فيها الحقّ التي بينهما لا يعلمها إلاّ العالم ، أو من علّمها إيّاه العالم »(3).


 


وفي الكافي عن يونس ، عن عدّة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « قال له رجل : جعلت فداك ، أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال : الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثمّ يعذّبهم عليها ، فقال له : جعلت فداك ، ففوّض الله إلى العباد ؟ قال : لو فوّض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي ، قال له : جعلت فداك ، فبينهما منزلة ؟ قال فقال : نعم أوسع ما بين السماء والأرض »(4).


 


وفي الكافي باسناده عن أبي طالب القمّي ، عن رجل ، عن أبي عبدالله (عليه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع بحار الأنوار 5 : 51 / 82 .
(2) الكافي 1 : 160 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح13 ، التوحيد : 362 / باب نفي الجبر والتفويض ح8 .
(3) الكافي 1 : 159 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح10 .
(4) الكافي 1 : 159 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح11 .


 


ــ[95]ــ


 


السلام) قال « قلت : أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال : لا ، قلت : ففوّض إليهم الأمر ؟ قال : لا ، قلت : فماذا ؟ قال : لطف من ربّك بين ذلك »(1).


 


ولا يخفى أنّ اختلاف التعبيرات بحسب اختلاف مراتب السائلين في الفهم وإلاّ فالمؤدّى واحد ، وهو كما ذكرناه مراراً إسناد الفعل إلى الله من جهة إفاضة القدرة من الله على العبد في جميع الآنات حتّى في آنات الاشتغال بالفعل ، وإسناده إلى العبد لعقد قلبه عليه واختياره ، وقد أوضحناه بمثال كاف في أوّل الكتاب فراجع(2).
 


 


الكلام في الروايات التي توهم دلالتها على الاضطرار


 


ثمّ إنّ هناك روايات توهم دلالتها على الاضطرار ، وهي بحسب التقسيم ثلاثة أقسام نورد كلاًّ منها تحت عنوان مستقل ، الأول : عنوان القضاء والقدر الثاني : عنوان المشيّة ، الثالث : عنوان الفطرة والطينة .


 


الأوّل : عنوان القضاء والقدر ، والتقريب الكلّي الجامع لدلالة الروايات المتضمّنة لإحدى الكلمتين أو كلتيهما أنّ الفعل والترك لمّا تعلّق بهما القضاء والقدر فلابدّ من وقوعه على ما قضي عليه .


 


والجواب عنه يتوقّف على إيراد نبذة من الروايات المتضمّنة لهما ، وحيث إنّها مختلفة بحسب اختلاف ألسنتها نقسّمها إلى طوائف ثلاث :
الاُولى : ما وردت منها مطلقة .


 


الثانية : ما كانت متضمّنة لهما مع تعرّض نفس الرواية لتفسيرهما .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 1 : 159 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح8 .
(2) ص31 .


 


ــ[96]ــ


 


الثالثة : الروايات المجملة .


 


أمّا الطائفة الاُولى : وهي الروايات المطلقة ، فمنها : ما رواه في البحار ـ باب القضاء والقدر والمشيّة ـ باسناده عن عبدالله بن مسكان(1)، قال « قال أبو جعفر (عليه السلام) : لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلاّ بهذه الخصال السبعة : بمشيّة ، وإرادة ، وقضاء ، وقدر ، وإذن ، وكتاب ، وأجل ، فمن زعم أنّه يقدر على نقص واحدة منهنّ فقد كفر »(2).


 


وفي هذا الباب في البحار باسناده عن محمّد بن عبدالرحمن العزرمي(3)، قال : « سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة »(4).


 


وأمّا تفسير هذه الروايات فهو بأحد طريقين :


 


الأوّل : الروايات الواردة في تفسير الكلمتين .


 


الثاني : استكشافه من موارد استعمالاتهما التي تناسب المقام .


 


أمّا الطريق الأوّل : وهو التفسير بالطائفة الثانية من الروايات .


 


فمنها : ما نقلناه سابقاً(5)، وهو الرواية المعروفة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عند انصرافه من صفّين ، وفيها : « قال الشيخ : فما القضاء والقدر الذي ذكرته ياأمير المؤمنين ؟ قال : الأمر بالطاعة ، والنهي عن المعصية ، والتمكين من فعل الحسنة وترك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) [في المصدر : عن حريز بن عبدالله أو عبدالله بن مسكان] .
(2) راجع بحار الأنوار 5 : 121 / 65 .
(3) [في المصدر : عن أبيه رفعه إلى من قال : « سمعت ... »] .
(4) راجع بحار الأنوار 5 : 114 / 43 .
(5) في ص89 ـ 90 .


 


ــ[97]ــ


 


المعصية ، والمعونة على القربة إليه ، والخذلان لمن عصاه ، والوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، كلّ ذلك قضاء الله في أفعالنا وقدره لأعمالنا، أمّا غير ذلك فلا تظنّه » .


 


ولا يخفى أنّ هذا الذيل للرواية نقله المحدّث الأعظم المجلسي (قدّس سرّه)(1). فالرواية الشريفة قد فسّرت القضاء والقدر بثبوت جميع الأشياء بمباديها وأسبابها فالفعل مثلا وإن كان ثابتاً في القضاء إلاّ أنّ التمكين منه والأمر به أو النهي عنه أيضاً واقع في مباديه .


 


ويظهر من بعض الروايات أنّ القضاء المستعمل في الروايات على قسمين : قضاء حتم وقضاء غير حتم ، والذي تعلّق بالأفعال هو الثاني ، بمعنى أنّ القضاء الذي ثبت فيه الفعل هو ما لا ينافي قدرة العبد على الفعل والترك واختياره كما صرّح به أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرواية السابقة ، معلّلا بأنّه لو كان القضاء والقدر الحتميين لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والوعد والوعيد .


 


فبقرينة أمثال هذه تحمل الروايات الدالّة على استحالة تخلّف الكائنات عمّا قضى عليه على الاُمور التكوينية ، وهو مفاد القضاء والقدر الحتميين ، كرواية الدقّاق في البحار : « فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء »(2) وغيرها ممّا أوقع الاستلزام بين القضاء وتبعيّة المقضي عليه.


 


وفي بعض الروايات أنّ القضاء غير القدر ، وأنّ الثاني إنّما يتعلّق بالاُمور التكوينية ، كما في رواية يونس عن الرضا (عليه السلام) وفيها : « أتدري ما المشيّة يايونس ؟ قلت : لا ، قال : هو الذكر الأوّل . وتدري ما الإرادة ؟ قلت : لا ، قال : العزيمة على ما شاء . وتدري ما التقدير ؟ قلت : لا ، قال : هو وضع الحدود من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 5 : 96 / 20 .
(2) بحار الأنوار 5 : 102 / 27 .


 


ــ[98]ــ


 


الآجال والأرزاق والبقاء والفناء . وتدري ما القضاء ؟ قلت : لا ، قال : هو إقامة العين ، ولا يكون إلاّ ما شاء الله في الذكر الأوّل »(1) فإنّ تفسير القضاء بإقامة العين وإن كان لا يخلو عن إجمال ، إلاّ أنّ تفسير القدر بكونه وضع الحدود من الآجال وغيرها تفسير بالاُمور التكوينية .


 


ومثلها بعض روايات اُخر ، كرواية اُخرى ليونس وفيها : « أوَ تدري ما قدر ؟ قال : لا ، قال : هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء »(2).


 


وملخّص الكلام : أنّ هذه الروايات المفسّرة التي نقلناها ليس فيها أدنى ما يشعر بتعلّق القضاء بالأفعال على نحو يستلزم سلب الاختيار عن العبد .


 


الطريق الثاني : حمل هذه الروايات على أحد المعاني التي تستعمل كلمة القضاء فيها ، وأهمّها ما ورد في القرآن الكريم ، وهي كما عن بعض الأعاظم(3):


 






















المعنى



الشاهد



1 ـ العلم



إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِيَعْقُوبَ قَضَاهَا(5).



2 ـ الإعلام



وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِيإسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ(6).



3 ـ الحكم



إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِيبَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُالْعَلِيمُ(7).



 


ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 5 : 116 / 49 .
(2) بحار الأنوار 5 : 122 / 69 .
(3) حكاه الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كتاب التوحيد : 385 ـ 386 عن بعض أهل العلم .
(4) يوسف 12 : 68 .
(4) الإسراء 17 : 4 .
(6) النمل 27 : 78 .


 


ــ[99]ــ


 


































4 ـ القول 



وَاللهُ يَقْضِيبِالْحَقِّ(1).



5 ـ  الحتم



فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِالْمَوْتَ(2).



6 ـ الأمر



وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّتَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ(3).



7 ـ الخلق



فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتفِي يَوْمَيْنِ(4).



8 ـ الفعل



فَاقْضِ مَا أَنْتَقَاض(5).



9 ـ الإتمام



فَلَمَّا قَضَى مُوسَىالاَْجَلَ(6).



10 ـ الفراغ



 قُضِيَ الاَْمْرُ الَّذِيفِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ(7).



 


ولا يخفى أنّه يمكن إرجاع بعض هذه المعاني إلى بعض آخر ، وكيف كان فليس من هذه المعاني شيء يناسب إسناد فعل العبد إليه بحيث يوجب اضطراره إليه .


 


أمّا العلم فقد عرفت سابقاً(8) أنّ انكشاف الواقع على ما هو عليه لا يستلزم وقوعه في الخارج مستنداً إليه .


 


وأمّا الإعلام ـ بمعنى إخباره تعالى عن أفعالهم ـ فقد عرفت فيما مضى(9) عدم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غافر 40 : 20 .
(2) سبأ 34 : 14 .
(3) الإسراء 17 : 23 .
(4) فصّلت 41 : 12 .
(5) طه 20 : 72 .
(6) القصص 28 : 29 .
(7) يوسف 12 : 41 .
(8) في ص36 ـ 37 .
(9) في ص38 .


 


ــ[100]ــ


 


استلزامه الاضطرار ، لأنّه إعلام بصدور الفعل بمباديه ومنها الاختيار .


 


وأمّا الحكم والأمر فإن كان المقصود منهما هو الأمر والنهي المصطلحين ـ كما هو الظاهر ـ فلا منافاة بينهما وبين اختيار العبد في أفعاله، كما نراه من وجود الأمر والنهي وعدم اعتداد الكفّار والفسّاق بهما ، وإن كان المراد غير ما ذكرناه فهو مجهول ، ولمدّعيه بيانه وإثباته.


 


وأمّا الحتم فقد أنكره أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرواية السابقة(1) وغيرها ممّا ورد مفسّراً لكلمتي القضاء والقدر .


 


وأمّا الخلق والفعل فلوضوح استحالة إسناد الأفعال السفهية والعبثية والشرور إلى جنابه تعالى ثمّ العقوبة عليها ، كما أوضحناه في المباحث السابقة(2) مبسوطاً .


 


وأمّا الإتمام والفراغ فإن اُريد منهما الإتمام والفراغ التشريعيان فهو ممّا لابدّ من القول به ، فإنّ مآلهما إلى إنزال الكتب وإرسال الرسل وغيرهما من أسباب إيصال الشرائع ، وإن اُريد منهما ما يقتضي إجبار العبد واضطراره إلى أفعاله وتروكه فهو ممّا قامت الأدلّة العقلية والنقلية على خلافه .


 


ثمّ إنّه لا يخفى تسمية المجبّرة بالقدرية كما سبق في أوّل البحث(3)، لورود بعض الروايات في المقام(4)، ومن أوضح ما ورد في المقام في نفي القدر على كلا الاصطلاحين ـ الجبر والتفويض ـ الصحيح الذي رواه العلاّمة شبّر في مصابيح
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص89 .
(2) لم يتقدّم ما يوضّح ذلك فراجع .
(3) في ص28 .
(4) راجع بحار الأنوار 5 : 12 / 19 ، وقد تقدّمت في ص89 ـ 90 من هذه الرسالة .


 


ــ[101]ــ


 


الأنوار عن الصادق (عليه السلام) قال : « إنّ الناس في القدر على ثلاثة أوجه : رجل يزعم أنّ الله تعالى أجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم الله في حكمه فهو كافر ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم فهذا قد وهن الله في سلطانه فهو كافر ، ورجل يقول : إنّ الله كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون ، وإذا أحسن حمد الله وإذا ساء استغفر الله ، فهو مسلم بالغ »(1).


 


فإنّك ترى كيف أوقع الاستلزام بين القدر على معنى الإجبار والاضطرار وبين إسناد الظلم إليه تعالى ، وكذلك الاستلزام بين القدر بمعنى التفويض وتوهين الله وإخراجه عن سلطانه جلّ سلطانه ، وفسّر القدر بالتكليف بما يطيقون ، كما كانت الروايات السابقة ناطقة بها ، لا سيّما ما روي عن أمير المؤمنين(2).


 


وممّا ذكرنا يظهر حال الطائفة الثالثة وهي الروايات المجملة ، فإنّ ما بيّناه من الطريقين هو المبيّن لها ، فإن كانت هناك رواية صريحة الدلالة على الاضطرار فمع قصورها عن معارضة تلك الروايات المتظافرة المتواترة الدالّة على الاختيار ـ بل فوق التواتر الاصطلاحي يقيناً ـ ومع دلالة حكم العقل على خلاف مضمونها حكماً بديهيّاً بحيث توجب بداهته كونه قرينة متّصلة عليها ، فلابدّ من حملها على التقيّة ، لما ذكرناه في المقدّمات(3)، لكون مذهب الجبر أشهر المذاهب عند العامّة .


 


الثاني : عنوان المشيّة . ويقع الكلام في هذا العنوان في مقامين ، الأوّل : في معنى المشيّة ، الثاني : فيما يراد منها في الأخبار المتضمّنة لها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم نعثر عليه في المصدر المذكور ، نعم رواه في بحار الأنوار 5 : 9 / 14 ، لكن في سنده كلام .
(2) راجع ص89 .
(3) في ص27 ـ 28 .


 


ــ[102]ــ


 


أمّا المقام الأوّل : فقد أخذها أهل اللغة(1) والفلاسفة(2) مرادفة للإرادة وعن بعض الماضين الفرق بين إسنادها إلى الله تعالى فبمعنى التقدير ، وإسنادها إلى العبد فبمعنى الإرادة .


 


وكيف كان ، فلا ريب في كونها من صفات الله تبارك وتعالى ، وقد اتّفقت عليه كلمة المسلمين بل أكثر أهل الملّة ، وإنّما الاختلاف في كونها من الصفات الذاتية كالعلم والقدرة ، أو من الصفات الفعلية كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتكلّم .


 


وقد ذهبت الفلاسفة إلى الأوّل ، وقد حقّقنا ـ فيما مرّ غير مرّة ـ أنّها من الصفات الفعلية ، لتعلّق قدرته تعالى بها إيجاداً وإعداماً ، فإنّه تعالى قادر على أن يشاء وأن لا يشاء ، وليس كذلك العلم ونفس القدرة ، وأمّا ما اختاروه من كونها مرادفة للإرادة فهو الحقّ ، نعم إنّ معنى الإرادة والمشيّة المستندة إلى الله تعالى ليس إلاّ إعمال قدرته .


 


وأمّا المقام الثاني : وهو البحث عمّا اُريد منها في الروايات الواردة في المقام وكيفية تعلّقها بالموجودات عامّة .


 


والروايات الدالّة على تعلّق المشيّة بها وإن كانت كثيرة إلاّ أنّا ننقل منها رواية واحدة ، وهي ما رواه في البحار باسناده عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال : « لا يكون شيء في السماوات والأرض إلاّ بسبعة : بقضاء ، وقدر ، وإرادة ، ومشيّة ، وكتاب ، وأجل ، وإذن » الحديث(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع المصباح المنير : 330 ، والمنجد : 410 ، ولسان العرب 1 : 103 .
(2) راجع شرح اُصول الكافي (لصدر المتألّهين) : 288 .
(3) بحار الأنوار 5 : 88 / 7 .


 


ــ[103]ــ


 


وقد حقّقنا فيما مضى(1) أنّ الإرادة والمشيّة منه تعالى هي إعمال القدرة فتعلّقها بالموجودات إنفاذ قدرته عليها بإفاضة الوجود ، وكلّ موجود في الخارج فوجوده وكلّ ماله من الأطوار والأحوال والشؤون الكونية إنّما هي باعمال قدرته المطلقة ، وإنفاذ فيّاضيّته التامّة .


 


وبهذا التقريب لا يوجد موجود في الخارج إلاّ ووجوده منته إليه سبحانه وهذا الأنتهاء يكون على قسمين :


 


الأوّل : أن ينتهي الموجود بنفسه إلى إعمال قدرته ، كالذوات على اختلافها وكثرتها ، والعلائق الكونية كعلاقة العلّية والمعلولية ، وعلاقة الغايات بالمغيّات والمواد والصور وغيرها ممّا صيّر العالم متكوّناً بها ، فإنّ هذه كلّها أفعاله سبحانه ومنتهية إلى مشيّته التي هي إعماله قدرته بنفسها . القسم الثاني : ما تنتهي إلى جنابه تعالى لا بأنفسها وبلا واسطة كالذوات بل انتهاؤها إليه باقداره عليها ، كالأفعال الصادرة عن العباد ، وهذا الإقدار كما بيّناه فيما مضى من الأبحاث(2) هو فعله سبحانه على الدوام على طبق دوام إفاضته على الموجودات التكوينية على الدوام وبلا انقطاع .


 


وبهذا ندفع ما ربما يقال من أنّ الإقدار على الفعل لا يصحّح الانتهاء إليه (إلى مشيّته) ووجه الاندفاع : ما ذكرناه من استمرار الفيض وإعمال قدرته في جميع الآنات حتّى الآنات المارّة بالفعل الصادر عن العبد .


 


ثمّ إنّه قد ذكر في بعض الروايات للمشيّة معان اُخر لا تعمّ جميع أنحاء التعلّق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص56 .
(2) في ص30 و34 .


 


ــ[104]ــ


 


والمتعلّق ، فمنها : ما تفرّق بين الطاعات والعبادات وبين سائر التكوينيّات(1) بحيث يوجب اختلافاً في معنى المشيّة على حسب اختلاف متعلّقاتها . ومنها : ما يفسّرها بالعلم وغير ذلك من الاُمور(2).


 


والمعنى الجامع بحيث يسلم عمّا قيل أو يمكن أن يقال هو ما ذكرناه من اختلاف الانتهاء إليه تعالى ، وليس فيه ما يدلّ على اضطرار العبد في فعله .


 


الثالث : عنوان الطينة . وقبل الخوض في تحقيق ما اُريد بها في الروايات لابدّ من تمهيد مقدّمتين :


 


الاُولى : لا ريب ولا شكّ في أنّ لوجود الإنسان قبل هذا العالم ـ عالم الكون والفساد ـ عوالم اُخر ، سار فيها حتّى وصل إليه ومنها عالم الأرواح ، وقد عبّر عنه بعالم الذرّ في بعض الأخبار(3).


 


وقد ذهب إلى وجوده جمع من المتألّهين وفلاسفة الإسلام ، وهو العالم الذي لم تكن فيه للأبدان والأجسام عين ولا أثر .


 


وقد فسّرت الآيات الواردة في مضمون أخذ العهد من العباد(4) به(5) وبذلك قد يعبّر عنه بعالم العهد ، وهو على ما بيّنوه بدء خلق الأرواح ثمّ تكليفهم بالتوحيد والإيمان في حال كونهم مختارين .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 1 : 151 / 3 ، 4 .
(2) بل يوجد خلافه في بحار الأنوار 4 : 144 / 15 .
(3) الكافي 2 : 6 ، 8 .
(4) كقوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ...) الأعراف 7 : 172 .
(5) راجع الكافي 2 : 7 / 2 ، 8 / 1 .


 


ــ[105]ــ


 


الثانية : قد وقع النزاع والخلاف في تفسير الطينة ، فقد ذهب بعض إلى أنّ المراد بها ما هو الظاهر منها ، وهو التراب الممتزج بقليل من الماء، وهذا هو الذي نختاره ، وقريب منه ما فسّرها به بعضهم من أنّها المواد والصور المعدّة للنطفة .


 


وربما يظهر من الآخرين الفرق بين استعمالها فيما قبل الحياة الدنيوية وما بعدها ، فاختار كون المراد بها في الأوّل أحد المعنيين المذكورين ، وفي الثاني المادّة المستديرة الثابتة بعد الممات وفناء الجسم .


 


فإذا عرفت المقدّمتين فنقول : إنّ اختلاف الطينات بحسب الشقاوة والسعادة وإن كان ظاهراً من الأخبار(1) إلاّ أنّ هذا الاختلاف في الطينة لا يرتبط بالجبر والاختيار أصلا ، لأنّا قلنا في المقدّمة الثانية إنّ المراد بالطينة ليست إلاّ ما يظهر من لفظها ، وهو ليس قابلا لجعل الشقاوة والسعادة فيه ، فإنّما هي شيء جامد لا تحسّ ولا تشعر ، ومحلّ الشقاوة والسعادة إنّما هو الأرواح ، وقد دلّت الروايات(2) على أنّ التكليف قد توجّه إليها حال كونها مختارة ، فعليه يكون اختلاف الطينات كاشفاً عمّا اختاروه في عالم العهد ، فلا تنافي خصوصية الطينة التي اكتسبها باختياره في عالم التكليف الأوّل وهذا العالم كونه مختاراً .


 


وهناك روايات اُخر يظهر منها كون الطينة هي المؤثّرة(3). والجواب عنه واضح ، وذلك لأنّ الروايات الدالّة على تأثيرها قد صرّحت بتركّب كل طينة من جزأين : أحدهما مقتضي الشقاوة ، وثانيهما مقتضي السعادة ، فكلا الوصفين بالنسبة إلى اختيار العبد على السواء ، هذا .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع بحار الأنوار 67 : 77 وما بعدها (المقصود ج64 حسب الترتيب القديم) .
(2) لعلّ منها ما في المصدر المتقدّم : 93 / 14 ، 15 ، 21 .
(3) منها ما في المصدر المتقدّم : 78 / 7 ، 9 .


 


ــ[106]ــ


 


وإن كان من الروايات شيء ظاهر في كون تخصيص الطينة هو العلّة التامّة للسعادة والشقاوة فإنّها آحاد ، لا تكافئ الضرورة العقلية والآيات الكثيرة والروايات المتجاوزة عن حدّ التواتر على اختلاف عناوينها ، فهي إمّا مؤوّلة أو مطروحة .
والحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعترته الطاهرين المعصومين .


 


 


 









فهرس الموضوعات



 


 


 


















































































































































































































































الموضوع



الصفحة



 



 



المقدّمة



3



اُمور هامّة



3



الأوّل : تأريخ البحث عن الجبر والتفويض



3



الثاني : الغرض من هذه الأبحاث



5



الثالث : أقسام ما يقوم بالإنسان من المعاني



5



الرابع : استقلال العقل بالحسن والقبح



6



الأسباب التي دعت الأشاعرة لإنكار حكم العقل بهما



7



أقسام الأفعال الصادرة اختياراً



8



الخامس : قاعدة (الشيء ما لم يجب لم يوجد)



10



السادس : البحث عن صفات الله الذاتية والفعلية



14



إشكالات ثلاثة والجواب عنها



15



الفروق بين الصفات الذاتية والفعلية



17



الإرادة من الصفات الفعلية



18



السابع : الكلام النفسي



18



أدلّة الأشاعرة على ثبوت الكلام النفسي



19



الدليل الحاصر بالسبر والتقسيم على نفي الكلام النفسي



23



الثامن : الوجدان من أقوى الأدلّة الضرورية



24



الضرورات الست



24



التاسع : التعارض بين الدليلين



26



المذاهب في أفعال العباد



28



مذهب الأشاعرة



28



مذهب المفوّضة



29



مذهب كثير من الفلاسفة



29



مذهب الإمامية



30



أمثلة المذاهب المتقدّمة



31



الأدلّة العقلية على المذاهب المتقدّمة



34



أدلّة العقلية للقائلين بالجبر



34



الدليل الأوّل



34



الدليل الثاني



36



الدليل الثالث



38



الدليل الرابع والخامس



43



الدليل السادس



44



المراد من الكسب (في نظرية الأشعري)



45



عموم حكم العقل بالقبح والحسن لأفعال الله



47



ما يرد على منع استقلال العقل في الحكم بالحسن والقبح



48



بيانات الفلاسفة القدماء في حقيقة أفعال العباد



49



البيان الأوّل



49



البيان الثاني



51



البيان الثالث



55



رأي صاحب الكفاية وما يرد عليه



59



جواب ابن سينا عن إشكال لغوية البعث أو الزجر أو عدم صحّة الجزاء على أمر غير اختياري



64



جواب الفخر الرازي عن ذلك



65



رأي الشيخ العراقي في الأمر بين الأمرين



66



بيانات الفلاسفة المتأخرين في صدور الأفعال



70



البيان الأوّل



70



البيان الثاني



73



البيان الثالث



74



البيان الرابع



75



معاني التفويض



76



الأدلّة النقلية على المذاهب المتقدّمة في الأفعال



77



الآيات الدالّة على الاختيار وأقسامها



77



الآيات التي توهّم دلالتها على الاضطرار وأقسامها



82



جواب عام عن كلّ ما هو ظاهر في الاضطرار



88



الروايات الدالّة على الاختيار وأقسامها



89



الروايات التي توهّم دلالتها على الاضطرار وأقسامها 



95



الفهرس



107